تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر بديح في هذا الصوت وغيره

فيه ١٠ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

بديح مولى عبد اللّه بن جعفر، وكان يقال له بديح المليح. وله صنعة يسيرة وإنما كان يغنّي أغاني غيره مثل سائب خائر، ونشيط، وطويس، وهذه الطبقة. وقد روى بديح الحديث عن عبد اللّه بن جعفر.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا العباس بن محمد الدّوري قال: حدّثنا أبو عاصم النّبيل عن جويرية بن أسماء، عن عيسى بن عمر بن موسى، عن بديح مولى عبد اللّه بن جعفر قال: لما قدم يحيى بن الحكم المدينة دخل إليه عبد اللّه بن جعفر في جماعة فقال له يحيى: جئتي بأوباش من أوباش خبثة؟ فقال عبد اللّه: سماها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طيبة وتسمّيها أنت خبثة؟!

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: قال داود بن جميل حدّثني من سمع هذا الحديث من ابن العتبي يذكره عن أبيه قال: دخل عبد اللّه بن جعفر على عبد الملك بن مروان وهو يتأوّه، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أدخلت عليك من يؤنسك بأحاديث العرب وفنون الأسمار؟ قال: لست صاحب هزل، والجدّ مع علّتي أحجى بي. قال: وما علّتك يا أمير المؤمنين؟ قال: هاج بي عرق النّسا في ليلتي هذه، فبلغ مني. قال: فإنّ بديحا مولاي أرقى الناس منه.

فوجّه إليه عبد الملك فلما مضى الرسول سقط في يدي ابن جعفر وقال: كذبة قبيحة عند خليفة. فما كان بأسرع من أن طلع بديح فقال: كيف رقيتك من عرق النّسا. قال: أرقى الخلق يا أمير المؤمنين. قال: فسرّي عن عبد اللّه لأنّ بديحا كان صاحب فكاهة يعرف بها؛ فمدّ رجله فتفل عليها ورقاها مرارا، فقال عبد الملك: للّه أكبر، وجدت واللّه خفّا، يا غلام ادع فلانة حتّى تكتب الرّقية، فإنّا لا نأمن هيجها بالليل فلا نذعر بديحا. فلما جاءت الجارية قال بديح: يا أمير المؤمنين، امرأته الطلاق إن كتبتها حتى تعجّل حبائي. فأمر له بأربعة آلاف درهم فلما صار المال بين يديه قال: وامرأته الطلاق إن كتبتها أو يصير المال إلى منزلي. فأمر به فحمل إلى منزله، فلما أحرزه قال: يا أمير المؤمنين، امرأته الطلاق إن كنت قرأت على رجلك إلّا أبيات نصيب:

ألا إنّ ليلى العامرية أصبحتعلى النأي منّي ذنب غيري تنقم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»

وذكر الأبيات وزاد فيها:

وما زلت أستصفي لك الودّ أبتغيمحاسنة حتّى كأنّي مجرم
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»

قال: ويلك ما تقول؟ قال امرأته الطلاق إن كان رقاك إلّا بما قال. قال: فاكتمها عليّ. قال: وكيف ذاك وقد سارت بها البرد إلى أخيك بمصر؟! فطفق عبد الملك ضاحكا يفحص برجليه.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني الأصمعي عن المنتجع النّبهاني، عن أبيه بهذا الخبر مثل الذي قبله. وزاد في الشعر:

فلا تصرميني حين لالي مرجعورائي ولا لي عنكم متقدّم

وقال فيه: فسكن ما كان يجده عبد الملك، وأمر لبديح بأربعة آلاف درهم، فقال ابن جعفر لبديح: ما سمعت هذا الغناء منك مذ ملكتك! فقال: هذا من نتف سائب خائر.

أخبرني إسماعيل قال حدّثنا عمر قال حدّثني القاسم بن محمد بن عباد عن الأصمعي عن ابن أبي الزناد عن نافع - أراه نافع الخير مولى ابن جعفر - بهذا الخبر مثله، وزاد فيه أنّ بديحا رفع صوته يغنيه به لمّا قال له أن يكتب الرقية. وزاد فيه: فجعل عبد الملك يقول: مهلا يا بديح. فقال: إنّما رقيتك كما علّمت يا أمير المؤمنين.

أخبرني إسماعيل قال حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني أبو سلمة الغفاريّ عن عبد اللّه بن عمران بن أبي فروة قال: كان ابن جعفر يحبّ أن يسمع عبد الملك غناء بديح، فدخل إليه يوما فشكا إليه عبد الملك ركبته فقال له ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، إن لي مولى كانت أمّه بربريّة، وكانت ترقى من هذه العلّة، وقد أخذ ذلك عنها. قال: فادع به. فدعي بديح، فجعل يتفل على ركبة عبد الملك ويهمهم، ثم قال: قم يا أمير المؤمنين جعلني اللّه فداك.

فقام عبد الملك لا يجد شيئا، فقال عبد اللّه: يا أمير المؤمنين مولاك لا بدّ له من صلة. قال: حتّى تكتب رقيته ثم أمر جارية له فكتبت: بسم اللّه الرحمن الرحيم. فقال: ليس فيها بسم اللّه الرحمن الرحيم. قال: كيف تكون ويلك رقية ليس فيها بسم اللّه الرحمن الرحيم؟ قال: فهو ذاك. قال: فاكتبيها على ما فيها. فأملى عليها:

ديار سليمى بين عيقة فالمهديسقيت، وإن لم تنطقي، سبل الرعد

ثم قال له ابن جعفر: لو سمعته منه. قال: أو يجيد؟ قال: نعم. قال: هات. فما برح واللّه حتّى أفرغها في مسامعه.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال حدّثني عمي عبيد اللّه قال: حدّثني سليمان بن أبي شيخ قال: كنا عند أبي نعيم الفضل بن دكين فجاءه رجل فقال: يا أبا نعيم، إن الناس يزعمون أنّك رافضيّ. قال: فأطرق ساعة ثم رقع رأسه وهو يبكي وقال: يا هذا أصبحت فيكم كما قال نصيب:

وما زال بي الكتمان حتّى كأننينرجع جواب السّائلي عنك أعجم
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»
لأسلم من قول الوشاة وتسلميسلمت وهل حيّ من الناس يسلم
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»

صوت

يا غراب البين أسمعت فقلإنّما تنطق شيئا قد فعل
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة
إنّ للخير وللشّرّ مدىلكلا ذينك وقت وأجل
كلّ بؤس ونعيم زائلوبنات الدهر يلعبن بكلّ
والعطيات خساس بينهموسواء قبر مثر ومقلّ
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

الشعر لعبد اللّه بن الزبعري السّهمي، يقوله في غزاة أحد، وهو يومئذ مشرك. والغناء لابن سريج خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، عن عمرو على مذهب إسحاق. وفيه لحن لابن مسجح من رواية حمّاد عن أبيه في كتاب ابن مسجح.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»