من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر خبر قسّ بن ساعدة ونسبه وقصته في هذا الشعر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو قسّ بن ساعدة بن عمرو - وقيل مكان عمرو شمر - بن عديّ بن مالك بن أيدعان بن النّمر بن واثلة بن الطّمثان بن زيد مناة بن يقدم بن أفضى بن دعميّ بن إياد. خطيب العرب وشاعرها، وحليمها وحكيمها في عصره.
يقال: إنه أول من علا على شرف وخطب عليه. وأوّل من قال في كلامه: أمّا بعد، وأول من اتّكأ عند خطبته على سيف أو عصا.
وأدركه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل النبوة، ورآه بعكاظ فكان يأثر عنه كلاما سمعه منه، وسئل عنه فقال: «يحشر أمّة واحدة».
وقد سمعت خبره من جهات عدّة، إلّا أنّه لم يحضرني وقت كتبت هذا الخبر غيره، وهو وإن لم يكن من أقواها على مذهب أهل الحديث إسنادا، فهو من أتمها.
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال: حدّثنا أبو شعيب صالح بن عمران قال: حدّثني عمر بن عبد الرحمن بن حفص النسائي قال: حدّثني عبد اللّه بن محمد قال: حدّثني الحسن بن عبد اللّه قال: حدّثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لمّا قدم وفد إياد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: ما فعل قسّ بن ساعدة؟ قالوا: مات يا رسول اللّه. قال: «كأنّي أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أورق وهو يتكلّم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه». فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا رسول اللّه قال: كيف سمعته يقول؟ قال سمعته يقول:
أيّها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ما هو آت آت. ليل داج، وسماء ذات أبراج، بحار تزخر، ونجوم تزهر، وضوء وظلام، وبرّ وآثام، ومطعم ومشرب، وملبس ومركب. مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا. وإله قسّ بن ساعدة ما على وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظلّكم زمانه، وأدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه فاتّبعه، وويل لمن خالفه. ثم أنشأ يقول:
في الذّاهبين الأوّلين من القرون لنا بصائر
لمّا رأيت موارداللموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوهايمضي الأصاغر والأكابر
أيقنت أنّي لا محالة حيث صار القوم صائر
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «يرحم اللّه قسّا، إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمّة وحده».
فقال رجل يا رسول اللّه: لقد رأيت من قسّ عجبا. قال: وما رأيت؟ قال: بينا أنا بجبل يقال له سمعان في يوم شديد الحرّ، إذ أنا بقسّ بن ساعدة تحت ظلّ شجرة عند عين ماء، وعنده سباع، كلما زأر سبع منها على صاحبه ضربه بيده وقال: كفّ حتى يشرب الذي ورد قبلك. قال: ففرقت، فقال: لا تخف. وإذا أنا بقبرين بينهما مسجد، فقلت له: ما هذان القبران؟ قال هذان قبرا أخوين كانا لي فماتا، فاتّخذت بينها مسجدا أعبد اللّه جلّ وعزّ فيه حتّى ألحق بهما. ثم ذكر أيامهما فبكى، ثم أنشأ يقول:
خليلي هبّا طالما قد رقدتماأجدّكما لا تقضيان كراكما
ألم تعلما أنّي بسمعان مفردومالي فيه من حبيب سواكما
أقيم على قبريكما لست بارحاطوال الليالي أو يجيب صداكما
كأنّكما والموت أقرب غايةبجسمي في قبريكما قد أتاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقايةلجدت بنفسي أن تكون فداكما
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «يرحم اللّه قسّا».
وأما الحكاية عن يعقوب بن السكيت أنّ الشعر لعيسى بن قدامة الأسدي فأخبرني بها عليّ بن سليمان الأخفش، عن السكوني قال: قال يعقوب بن السكيت: قال عيسى بن قدامة الأسديّ، وكان قدم قاسان، وكان له نديمان فماتا، وكان يجيء فيجلس عند القبرين، وهما براوند، في موضع يقال له خزاق، فيشرب ويصبّ على القبرين حتّى يقضي وطره، ثم ينصرف وينشد وهو يشرب:
خليليّ هبّا طالما قد رقدتماأجدّكما لا تقضيان كراكما
ألم تعلما مالي براوند هذهولا بخزاق من نديم سواكما
مقيم على قبريكما لست بارحاطوال الليالي أو يجيب صداكما
جرى الموت مجرى اللحم والعظم منكماكأنّ الذي يسقي العقار سقاكما
تحمّل من يهوى القفول وغادرواأخا لكما أشجاه ما قد شجاكما
فأيّ أخ يجفو أخا بعد موتهفلست الذي من بعد موت جفاكما
أصبّ على قبريكما من مدامةفإلّا تذوقا أرو منها ثراكما
أناديكما كيما تجيبا وتنطقاوليس مجابا صوته من دعاكما
أمن طول نوم لا تجيبان داعياخليليّ ما هذا الذي قد دهاكما
قضيت بأنّي لا محالة هالكوأنّي سيعروني الذي قد عراكما
سأبكيكما طول الحياة وما الذييردّ على ذي عولة إن بكاكما
وأخبرني ابن عمّار أبو العباس أحمد بن عبيد اللّه بخبر هؤلاء، عن أحمد بن يحيى البلاذري قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالح بن مسلم العجليّ قال: بلغني أنّ ثلاثة نفر من أهل الكوفة كانوا في الجيش الذي وجّهه الحجاج إلى الدّيلم، وكانوا يتنادمون لا يخالطون غيرهم، فإنّهم لعلى ذلك إذ مات أحدهم فدفنه صاحباه، وكانا يشربان عند قبره، فإذا بلغه الكأس هراقاها على قبره وبكيا. ثم إنّ الثاني مات فدفنه الباقي إلى جنب صاحبه، وكان يجلس عند قبريهما فيشرب ويصبّ الكأس على الذي يليه ثم على الآخر ويبكي، وقال فيهما:
نديمي هبّا طالما قد رقدتما
وذكر بعض الأبيات التي تقدم ذكرها. وقال مكان «براوند هذه»: «بقزوين»، وسائر الخبر نحو ما ذكرناه. قال ابن عمار: فقبورهم هناك تعرف بقبور الندماء.
وذكر العتبي عن أبيه أن الشّعر للحزين بن الحارث، أحد بني عامر بن صعصعة، وكان أحد نديميه من بني أسد والآخر من بني حنيفة، فلما مات أحدهما كان يشرب ويصبّ على قبره ويقول.
لا تصرد هامة من كأسهاواسقه الخمر وإن كان قبر
كان حرّا فهوى فيمن هوىكلّ عود ذي شعوب ينكسر
قال: ثم مات الآخر فكان يشرب عند قبريهما وينشد: خليليّ هبا طالما قد رقدتما…
الأبيات.
قال: ثم قالت له كاهنة: إنّك لا تموت حتّى تنهشك حية في شجرة بوادي كذا وكذا. فورد ذلك الوادي في سفر له وسأل عنه فعرفه، وقد كان خطّ في أصل شجرة، ومدّ رجله عليها، فنهشته حية فأنشأ يقول:
خليليّ هذا حيث رمسي فعرّجاعليّ فإنّي نازل فمعرّس
لبست رداء العيش أحوى أجّره العشيّات حتّى لم يكن فيه ملبس
تركت خبائي حيث أرسى عمادهعليّ، وهذا مرمسي حيث أرمس
أحتفي الذي لا بدّ أنّك قاتليهلمّ فما في غابر العيش منفس
أبعد نديميّ اللذين بعاقلبكيتهما حولا مدى أتوجّس
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع