من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر هاشم بن سليمان وبعض أخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو هاشم بن سليمان مولى بني أميّة، ويكنى أبا العباس، وكان موسى الهادي يسمّيه أبا الغريض. وهو حسن الصنعة عزيزها، وفيه يقول الشاعر:
يا وحشتي بعدك يا هاشمغبت فشجوى بك لي دائم
اللهو واللذّة يا هاشمما لم تكن حاضرة مأتم
أخبرني علي بن عبد العزيز قال حدثنا عبيد اللّه بن عبد اللّه بن خرداذبه قال: كان موسى الهادي يميل إلى هاشم بن سليمان ويمازحه، ويلقّبه أبا الغريض.
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد قال: بلغني أن هاشم بن سليمان دخل يوما على موسى الهادي فغناه:
صوت
لو يرسل الأزل الظّباء ترود ليس لهنّ قائد
لتيمّمتك تدلّهاريّاك للسّبل الموارد
وإذا الرياح تنكّرتنكبا هواجرها صوارد
فالناس سائلة إليك فصادرا تغني ووارد
الشعر لطريح بن إسماعيل الثقفي، يقوله في الوليد بن يزيد بن عبد الملك. والغناء لهاشم بن سليمان، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر.
فطرب موسى، وكان بين يديه كانون كبير ضخم عليه فحم، فقال له: سلني ما شئت. قال: تملأ لي هذا الكانون. فأمر له بذلك، وفرّغ الكانون فوسع ستّ بدور، فدفعها إليه.
وقد أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي قال حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، عن أبي توبة، عن محمد بن جبر، عن هاشم بن سليمان قال: أصبح موسى أمير المؤمنين يوما وعنده جماعة منّا، فقال: يا هاشم غنني:
أبهار قد هيّجت لي أوجاعا
فإن أصبت مرادي فيه فلك حاجة مقضيّة. فغنيته فقال: قد أصبت وأحسنت سل حاجتك. فقال: يا أمير المؤمنين تأمر أن يملأ هذا الكانون دراهم. قال: وبين يديه كانون عظيم، فأمر به فملىء فوسع ثلاثين ألف درهم، فلما حصّلتها قال: يا ناقص الهمّة، واللّه لو سألتني أن أملأه دنانير لفعلت. فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين.
فقال: لا سبيل إلى ذلك فلم يسعدك الجدّ به.
نسبة هذا الصوت
أبهار قد هيّجت لي أوجاعاوتركتني عبدا لكم مطواعا
بحديثك الحسن الذي لو كلّمتوحش الفلاة به لجئن سراعا
وإذا مررت على البهار منضّدافي السّوق هيّج لي إليك نزاعا
واللّه لو علم البهار بأنّهاأضحت سميّته لصار ذراعا
الغناء لهاشم، ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو، وفيه ثقيل أول بالبنصر، ينسب إلى إبراهيم الموصلي، وإلى يحيى المكي، وإلى إسحاق.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز وإسماعيل بن يونس قالا: حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثني بعض أصحابنا قال: كنّا في منزل محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وكان عالما بالغناء والفقه جميعا، وقد كان يحيى بن أكثم وصفه للمأمون بالفقه، ووصفه أحمد بن يوسف بالعلم بالغناء فقال المأمون: ما أعجب ما اجتمع فيه: العلم بالفقه، والغناء! فكتبت إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن يتحوّل إلينا وكان في جوارنا، وعندنا يومئذ محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان، وذكاء وصغير غلاما أحمد بن يوسف الكاتب، فكتب إلينا إسحاق: جعلت فداءكم، قد أخذت دواء، فإذا خرجت منه حملت قدري وصرت إليكم. وكتب في أسفل كتابه:
أنا شماطيط الذي حدّثت بهمتى أنبّه للغداء أنتبه
ثم أدور حوله وأحتبهحتّى يقال شره ولست به
ثم جاءنا ومعه بديح غلامه، فتغدّينا وشربنا، فغنّى ذكاء غلام أحمد بن يوسف:
أبهار قد هيّجت لي أوجاعا
فسأله إسحاق أن يعيده فأعاده مرارا، ثم قال له: ممّن أخذت هذا؟ فقال: من معاذ بن الطّبيب. قال: والصنعة فيه له. فقال له إسحاق: أحبّ أن تلقيه على بديح. ففعل. فلما صلّيت العشاء انصرف ذكاء، وقعد أبو جعفر يشرب - يعني مولاه - وعنده قوم، وتخلّف صغير فغنّانا، فقال له إسحاق: أنت واللّه يا غلام ماخوريّ.
وسكر محمد بن إسماعيل في آخر النّهار فغنانا:
دعوني أغصّ إذا ما بدتوأملك طرفي فلا أنظر
فقال إسحاق لمحمد بن الحسن: آجرك اللّه في ابن عمّك! أي قد سكر فأقدم على الغناء بحضرتي.
نسبة هذا الصوت
صوت
هبوني أغضّ إذا ما بدتوأملك طرفي فلا أنظر
فكيف احتيالي إذا ما الدموعنطقن فبحن بما أضمر
أيا من سروري به شقوةومن صفو عيشي به أكدر
أمنّي تخاف انتشار الحديثوحظّي في ستره أوفر
ولو لم أصنه لبقيا عليكنظرت لنفسي كما تنظر
الشعر للعباس بن الأحنف، والغناء للزبير بن دحمان، ثقيل أول بالوسطى عن عمرو في الأبيات الثلاثة الأول. وفيها لعمرو بن بانة ماخوريّ. وفي:
أيا من سروري به شقوة
لسليم هزج. وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى حسين بن محرز، وإلى عباس منقار.
صوت
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيمقد لفّها الليل بسوّاق حطم
ليس براعي إبل ولا غنمولا بجزّار على ظهر وضم
عروضه من الرجز. الشعر لرشيد بن رميض العنزي يقوله في الحطم، وهو شريح بن ضبيعة، وأمّه هند بنت حسّان بن عمرو بن مرثد، والغناء ليزيد حوراء، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، وفيه خفيف رمل يقال إنّه لأحمد المكي.
قال أبو عبيدة: كان شريح بن ضبيعة غزا اليمن في جموع جمعها من ربيعة، فغنم وسبى بعد حرب كانت بينه وبين كندة، أسر فيها فرعان بن مهديّ بن معد يكرب عم الأشعث بن قيس، وأخذ على طريق مفازة فضلّ بهم دليلهم ثمّ هرب منهم ومات فرعان في أيديهم عطشا، وهلك منهم ناس كثير بالعطش. وجعل الحطم يسوق بأصحابه سوقا عنيفا. حتّى نجوا ووردوا الماء. فقال فيه رشيد:
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيمليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزّار على ظهر وضمنام الحداة وابن هند لم ينم
باتت يقاسيها غلام كالزّلمخدلجّ السّاقين خفّاق القدم
قد لفّها الليل بسوّاق حطم
فلقّب يومئذ «الحطم» لقول رشيد هذا فيه.
وأدرك الحطم الإسلام فأسلم، ثم ارتدّ بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
حدّثنا محمد بن جرير الطبري قال حدّثنا عبد اللّه بن سعد الزهري قال أخبرنا عمي يعقوب قال: أخبرني سيف قال: خرج العلاء بن الحضرميّ نحو البحرين، وكان من حديث البحرين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما مات ارتدّوا ففاءت عبد القيس منهم، وأمّا بكر فتمّت على ردّتها. وكان الذي ثنى عبد القيس الجارود بن المعلّى.
فذكر سيف عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن بن أبي الحسن قال: قدم الجارود بن المعلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مرتادا، وقال: أسلم يا جارود. فقال: إنّ لي دينا. فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ دينك يا جارود ليس بشيء، وليس بدين. فقال له الجارود: فإن أنا أسلمت فما كان من تبعة في الإسلام فعليك؟ قال: نعم. فأسلم وأقام بالمدينة حتّى فقه.
حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا محمد بن حميد، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل عن أبي إسحاق قال: اجتمعت ربيعة بالبحرين، فقالوا: ردّوا الملك في آل المنذر، فملّكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يسمّى الغرور، ثم أسلم بعد ذلك وقال: لست بالغرور ولكنّي المغرور.
حدّثنا محمد بن جرير قال: حدّثنا عبد اللّه بن سعد قال: أخبرني عمي قال أخبرنا سيف عن إسماعيل بن مسلم عن عمير بن فلان العبدي قال: لما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج الحطم بن ضبيعة، في بني قيس بن ثعلبة ومن اتّبعه من بكر بن وائل على الردّة، ومن تأشّب إليه من غير المرتدّين ممن لم يزل كافرا، حتّى نزل القطيف وهجر، واستغوى الخطّ ومن كان بهما من الزّطّ والسيابجة، وبعث بعثا إلى دارين فأقا موا له ليجعل عبد القيس بينهم وبينه، وكانوا مخالفين له يمدّون المنذر والمسلمين، وأرسل إلى الغرور بن سويد بن المنذر بن أخي النعمان بن المنذر، فقال له: اثبت فإني إن ظفرت ملّكتك البحرين، حتّى تكون كالنّعمان بالحيرة. وبعث إلى رواثا وقيل إلى جؤاثا، فحاصرهم وألح عليهم، فاشتدّ الحصار على المحصورين من المسلمين، وفيهم رجل من صالحي المسلمين يقال له عبد اللّه بن حذف، أحد بني أبي بكر بن كلاب، فاشتدّ عليه وعليهم الجوع حتّى كادوا يهلكون، فقال عبد اللّه بن حذف: شكوى المحصورين من المسلمين إلى أبي بكر
ألا أبلغ أبا بكر رسولاوفتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى قوم كرامقعود في جؤاثا محصرينا
كأنّ دماءهم في كل فجشعاع الشمس يعشى الناظرينا
توكّلنا على الرّحمن إناوجدنا النّصر للمتوكلينا
حدّثني محمد بن جرير قال كتب إلى السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن الصقعب بن عطية بن بلال، عن سهم بن منجاب، عن منجاب ابن راشد قال: بعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردّة بالبحرين، فتلاحق به من لم يرتدّ من المسلمين، وسلك بنا الدّهناء حتّى إذا كنا في بحبوحتها أراد اللّه عزّ وجل أن يرينا آية، فنزل العلاء وأمر الناس بالنزول، فنفرت الإبل في جوف الليل، فما بقي بعير ولا زاد ولا مزاد ولا بناء - يعني الخيم قبل أن يحطّوا - فما علمت جمعا هجم عليه من الغمّ ما هجم علينا، وأوصى بعضنا إلى بعض، ونادى منادي العلاء: اجتمعوا. فاجتمعنا إليه فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟ فقال الناس: وكيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتّى نصير حديثا. فقال: أيّها الناس، لا تراعوا، ألستم مسلمين؟ ألستم في سبيل اللّه؟ ألستم أنصار اللّه؟ قالوا: بلى. قال: فأبشروا، فو اللّه لا يخذل اللّه تبارك وتعالى من كان في مثل حالكم. ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر، فصلّى بنا ومنا المتيّمم ومنا من لم يزل على طهوره، فلما قضى صلاته جثا لركبتيه، وجثا الناس معه، فنصب في الدعاء ونصبوا فلمع لهم سراب فأقبل على الدعاء، ثم لمع لهم آخر كذلك فقال الرائد: ماء. فقام وقام الناس فمشينا حتّى نزلنا عليه فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النهار حتّى أقبلت الإبل من كلّ وجه وأناخت إلينا، فقام كلّ رجل إلى ظهره فأخذه، فما فقدنا سلكا، فأرويناها العلل بعد النّهل وتروّحنا. وكان أبو هريرة رفيقي، فلما غبنا عن ذلك المكان قال لي: كيف علمك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أنا أهدى الناس بهذه البلاد. قال: فكّر معي حتى تقيمني عليه. فكررت به فأنخت على ذلك المكان بعينه، فإذا هو لا غدير به، ولا أثر للماء، فقلت له: واللّه لو لا أنّي لا أرى الغدير لأخبرتك أنّ هذا هو المكان، وما رأيت بهذا المكان ماء قبل ذلك. فنظر أبو هريرة فإذا إداوة مملوءة فقال: يا سهم، هذا واللّه المكان ولهذا رجعت ورجعت بك. وملأت إداوتي هذه ثم وضعتها على شفير الوادي فقلت: إن كان منّا من المن وكانت آية عرفتها، وإن كان غياثا عرفته. فإذا منّ من المنّ وحمدت اللّه جلّ وعز. ثمّ سرنا حتّى نزلنا هجر فأرسل العلاء إلى الجارود ورجل آخر: أن انضمّا في عبد القيس حتّى تنزلا على الحطم مما يليكما. وخرج هو فيمن معه وفيمن قدم عليه حتّى ينزل مما يلي هجر. وتجمّع المسلمون كلّهم إلى العلاء بن الحضرميّ، ثم خندق المسلمون والمشركون فكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم، فكانوا كذلك شهرا. فبينا الناس ليلة كذلك إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة، فكأنّها ضوضاء هزيمة فقال العلاء: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال عبد اللّه بن حذف: أنا آتيكم بخبر القوم - وكانت أمّه عجليّة - فخرج حتّى إذا دنا من خندقهم أخذوه فقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهم وجعل ينادي يا أبجراه! فجاء أبجر بن بجير فعرفه فقال: ما شأنك؟ فقال لا أضيعنّ الليلة بين اللّهازم، علام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وعنزة وقيس، أيتلاعب بي الحطم ونزّاع القبائل وأنتم شهود! فتخلّصه وقال: واللّه إنّي لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة.
قال: دعني من هذا وأطعمني، فقد متّ جوعا. فقرب إليه طعاما فأكل. ثم قال: زوّدني واحملني وجوّزني انطلق إلى طيّتي. ويقول ذلك لرجل قد علب عليه الشراب، ففعل وحمله على بعير وزوّده وجوّزه. وخرج عبد اللّه حتّى دخل عسكر المسلمين، فأخبرهم أنّ القوم سكارى، فخرج القوم عليهم حتى اقتحموا عسكرهم فوضعوا فيهم السيوف حيث شاءوا، واقتحموا الخندق هرّابا، فمتردّ، وناج، ودهش، ومقتول، ومأسور. واستولى المسلمون على ما في العسكر، ولم يفلت رجل إلّا بما عليه. فأمّا أبجر فأفلت، وأمّا الحطم فإنه بعل ودهش وطار فؤاده، فقام إلى فرسه والمسلمون خلالهم يجوسونهم ليركبه، فلما وضع رجله في الركاب انقطع، فمر به عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم، والحطم يستغيث ويقول: ألا رجل من بني قيس بن ثعلبة يعقلني؟ فرفع صوته فعرفه عفيف فقال: أبو ضبيعة؟ قال: نعم. قال: أعطني رجلك أعقلك. فأعطاه رجله يعقلها فنفحها فأطنّها من الفخذ وتركه، فقال: أجهز عليّ. فقال: إنّي لأحبّ أن لا تموت حتى أمضّك. وكان مع عفيف عدّة من ولد أبيه فأصيبوا ليلتئذ، وجعل الحطم يقول ذلك لمن لا يعرفه حتّى مرّ به قيس بن عاصم فقال له ذلك فعرفه، فمال عليه فقتله، فلما رأى فخذه نادرة قال: واسوأتاه! لو عرفت الذي به لم أحرّكه. وخرج المسلمون، بعد ما أحرزوا الخندق، على القوم يطلبونهم، فاتّبعوهم فلحق قيس بن عاصم أبجر، وكان فرس أبجر أقوى من فرس قيس، فلما خشي أن يفوته طعنه في العرقوب فقطع العصب وسلم النّسا. فقال عفيف بن المنذر في ذلك:
فإن يرقأ العرقوب لا يرقأ النّساوما كلّ من تلقى بذلك عالم
ألم تر أنّا قد فللنا حماتهمبأسرة عمرو والرّباب الأكارم
وأسر عفيف بن المنذر، الغرور بن أخي النعمان بن المنذر، فكلّمته الرّباب فيه وكان ابن أختهم وسألوه أن يجيره، فجاء به إلى العلاء قال: إنّي أجرته. قال: ومن هو؟ قال: الغرور. قال العلاء: أنت غررت هؤلاء؟ قال: أيّها الملك أنّي لست بالغرور، ولكنّي المغرور. قال: أسلم. فأسلم وبقي بهجر. وكان الغرور اسمه، ليس بلقب.
وقتل العفيف أيضا المنذر بن سويد أخا الغرور لأمّه، وكان له يومئذ بلاء عظيم فأصبح العلاء يقسّم الأنفال، ونفّل رجالا من أهل البلاء ثيابا، فكان فيمن نفّل عفيف بن المنذر، وقيس بن عاصم، وثمامة بن أثال. فأما ثمامة فنفّل ثيابا فيها خميصة ذات أعلام، وكان الحطم يباهي فيها. وباع الباقي، وهرب الفلّ إلى دارين فركبوا إليها السّفن، فجمعهم اللّه عزّ وجل بها، وندب العلاء الناس إلى دارين، وخطبهم فقال: إنّ اللّه عز وجل قد جمع لكم أحزاب الشيطان، وشذّاذ الحرب في هذا اليوم، وقد أراكم من آياته في البرّ لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوّكم ثم استعرضوا البحر إليهم، فإنّ اللّه جل وعزّ قد جمعهم به. فقالوا: نفعل ولا نهاب واللّه بعد الدهناء هولا ما بقينا! فارتحل وارتحلوا حتى أتى ساحل البحر فاقتحموا على الخيل، هم والحمولة والإبل والبغال، الراكب والراجل، ودعا ودعوا، وكان دعاؤه ودعاؤهم: يا أرحم الراحمين، يا كريم يا حليم، يا صمد يا حيّ يا محيي الموتى، يا حيّ يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا فأجازوا ذلك الخليج بإذن اللّه، يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، وبين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر. ووصل المسلمون إليها فما تركوا من المشركين بها مخبرا، وسبوا الذّراري، واستاقوا الأموال، فبلغ من ذلك نفل الفارس من المسلمين ستّة آلاف، والراجل ألفين. فلما فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم، وفي ذلك يقول عفيف:
ألم تر أنّ اللّه ذلّل بحرهوأنزل بالكفّار إحدى الجلائل
دعونا الذي شقّ البحار فجاءنابأعجب من شقّ البحار الأوائل
وأقفل العلاء الناس إلّا من أحبّ المقام، فاختار ثمامة بن أثال الذي نفّله العلاء خميصة الحطم حين نزل على ماء لبني قيس بن ثعلبة، فلمّا رأوه عرفوا الخميصة فبعثوا إليه رجلا فسألوه: أهو الذي قتل الحطم؟ قال: لا، ولوددت أنّى قتلته. قال: فأنّى لك حلّته؟ قال: نفّلتها. قالوا: وهل ينفّل إلا القاتل. قال: إنها لم تكن عليه إنّما كانت في رحله. قالوا: كذبت. فقتلوه، وكان بهجر راهب فأسلم فقيل له: ما دعاك إلى الإسلام فقال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني اللّه بعدها إن أنا لم أفعل: فيض في الرمال، وتمهيد أثباج البحور، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السّحر. قالوا: وما هو؟ قال: «اللهمّ إنك أنت الرّحمن الرّحيم، لا إله غيرك، والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والحيّ الذي لا يموت، وخالق ما يرى وما لا يرى، وكلّ يوم أنت في شأن، وعلمت اللهم كلّ شيء بغير تعليم». فعلمت أنّ القوم لم يعاونوا بالملائكة إلّا وهم على أمر اللّه جلّ وعز.
فلقد كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسمعون هذا من ذلك الهجريّ بعد.
صوت
يا خليليّ من ملام دعانيوألمّا الغداة بالأظعان
لا تلوما في آل زينب إنّ القلب رهن بآل زينب عان
الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء للغريض، خفيف رمل بالبنصر. وهذا الشعر يقوله في زينب بنت موسى، أخت قدامة بن موسى الجمحيّ.
أخبرني حرمي بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير بن بكار قال: حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة، قال: حدّثني قدامة بن موسى قال: خرجت بأختي زينب بنت موسى إلى العمرة، فلما كنت بسرف لقيني عمر بن أبي ربيعة على فرس فسلّم عليّ، فقلت: إنّي أراك متوجّها يا أبا الخطاب؟ قال: ذكرت لي امرأة من قومي برزة الجمال، فأردت الحديث معها. قلت: أما علمت أنّها أختي؟ قال: لا واللّه. واستحيا وثنى عنق فرسه راجعا إلى مكة.
أخبرني حرمي قال حدّثني الزبير: قال حدّثني عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز الزهري قال: نسب ابن أبي ربيعة بزينب بنت موسى الجمحيّ، أخت قدامة بن موسى، فقال:
يا خليليّ من ملام دعاني
وذكر البيتين وبعدهما:
لم تدع للنّساء عندي نصيباغير ما قلت مازحا بلساني
فقال له ابن أبي عتيق: أمّا قلبك فمغيّب عنّا، وأمّا لسانك فشاهد عليك.
أخبرني الحرمي قال: حدّثني الزبير قال: قال عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز الزهري: لمّا نسب عمر بن أبي ربيعة بزينب قال:
لم تدع للنّساء عندي نصيباغير ما قلت مازحا بلساني
قال له ابن أبي عتيق: رضيت لهما بالمودّة، وللنساء بالدّهفشة.
قال: والدهفشة: التجميش والخديعة بالشيء اليسير.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير قال: أخبرني مثل ذلك عبد الملك بن عبد العزيز، عن يوسف بن الماجشون قال: فبلغ ذلك أبا وداعة السهمي فأنكره، فقيل لابن أبي عتيق: أبو وداعة قد اعترض لعمر بن أبي ربيعة دون زينب بنت موسى الجمحيّ وقال: لا أقرّ له أن يذكر في الشعر امرأة من بني هصيص. فقال ابن أبي عتيق: لا تلوموا أبا وداعة أن ينعظ من سمرقند على أهل عدن.
قال عبد الملك: وفيها يقول أيضا عمر:
طال عن آل زينب الإعراضللتعزّي وما بنا الإبغاض
ووليدا قد كان علّقها القلب إلى أن علا الرءوس البياض
حبلها عندنا متين وحبليعندها واهن القوى أنقاض
غنّاه ابن محرز رمل بالبنصر عن حبش. وفيها يقول أيضا:
صوت
أيها الكاشح المعيّر بالصّرم ترحزح فما بها الهجران
لا مطاع في آل زينب فارجعأو تكلّم حتّى يملّ اللسان
فاجعل الليل موعدا حين يمسيويعفّي حديثنا الكتمان
كيف صبري عن بعض نفسي وهل يصبر عن بعض نفسه إنسان
ولقد أشهد المحدّث عند القصر فيه تعفّف وبيان
في زمان من المعيشة لذّقد مضى عصره وهذا زمان
عروضه من الخفيف، غناه ابن سريج، ولحنه رمل بالوسطى من نسخة عمرو بن بانة الثانية، ووافقته دنانير.
وذكر يونس. أنّ فيه لابن محرز ولابن عباد الكاتب لحنين، ولم يجنّسهما. وأوّل لحن عباد: «لا مطاع في آل زينب»، وأوّل لحن ابن محرز: «ولقد أشهد المحدّث».
قال: وفيها يقول أيضا:
صوت
أحدّث نفسي والأحاديث جمّةوأكبر همّي والأحاديث زينب
إذا طلعت شمس النهار ذكرتهاوأحدث ذكراها إذا الشمس تغرب
ذكر حمّاد عن أبيه أنّ فيه للهذليّ لحنا لم ينسبه.
صوت
يا نصب عيني لا أرىحيث التفتّ سواك شيّا
إنّي لميت إن صددت وإن وصلت رجعت حيّا
الشعر لعليّ بن أديم الجعفي الكوفي، والغناء لعمرو بن بانة، رمل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع