من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
نسب مسلم بن الوليد وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وهو مسلم بن الوليد، أبوه الوليد مولى الأنصار ثم مولى أبي أمامة أسعد بن زرارة الخزرجيّ.
يلقّب صريع الغواني، شاعر متقدم من شعراء الدّولة العبّاسيّة، منشؤه ومولده الكوفة.
وهو - فيما زعموا - أوّل من قال الشّعر المعروف بالبديع، هو لقّب هذا الجنس البديع واللّطيف. وتبعه فيه جماعة، وأشهرهم فيه أبو تمّام الطائيّ فإنه جعل شعره كلّه مذهبا واحدا فيه. ومسلم كان متقنّنا متصرّفا في شعره.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: قال أبو العباس محمد بن يزيد: كان مسلم شاعرا حسن النّمط، جيّد القول في الشراب، وكثير من الرّواة يقرنه بأبي نواس في هذا المعنى.
وهو أوّل من عقد هذه المعاني الظّريفة واستخرجها.
حدّثنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: سمعت أبي، يقول: أول من أفسد الشّعر مسلم بن الوليد، جاء بهذا الّذي سمّاه النّاس البديع، ثم جاء الطّائيّ بعده فتفنّن فيه.
أخبرني إبراهيم بن أيّوب عن عبد اللّه بن مسلم الدّينوريّ، قال: كان مسلم بن الوليد وأخوه سليمان منقطعين إلى يزيد بن مزيد ومحمد بن منصور بن زياد، ثم الفضل بن سهل بعد ذلك. وقلّد الفضل مسلما المظالم بجرجان فمات بها.
أخبرني عليّ بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: كان السبب في قول مسلم:
تدّعي الشوق إن نأتوتجنّي إذا دنت
أنّه علق جارية ذات ذكر وشرف، وكان منزلها في مهبّ الشّمال من منزله، وفي ذلك يقول:
صوت
أحبّ الرّيح ما هبّت شمالاوأحسدها إذا هبت جنوبا
أهابك أن أبوح بذات نفسيوأفرق إن سألتك أن أخيبا
وأهجر صاحبي حبّ التّجنّيعليه إذا تجنّيت الذّنوبا
كأني حين أغضي عن سواكمأخاف لكم على عيني رقيبا
غنّى عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعي في هذه الأبيات هزجا بالبنصر عن الهشاميّ.
قال: وكانت له جارية يرسلها إليها ويبثّها سرّه، وتعود إليه بأخبارها ورسائلها؛ فطال ذلك بينهما؛ حتى أحبّتها الجارية الّتي علقها مسلم ومالت إليها، وكلتاهما في نهاية الحسن والكمال.
وكان مسلم يحبّ جاريته هذه محبّة شديدة، ولم يكن يهوى تلك، إنما كان يريد الغزل والمجون والمراسلة، وأن يشيع له حديث بهواها، وكان يرى ذلك من الملاحة والظّرف والأدب، فلما رأى مودّة تلك لجاريته هجر جاريته مظهرا لذلك، وقطعها عن الذّهاب إلى تلك، وذلك قوله:
وأهجر صاحبي حبّ التّجنّيعليه إذا تجنّيت الذّنوبا
وراسلها مع غير جاريته الأولى، وذلك قوله:
تدّعى الشوق إن نأتوتجنّى إذا دنت
واعدتنا وأخلفتثم ساءت فأحسنت
سرّني لو صبرت عنها فتجزى بما جنت
إنّ سلمى لو اتّقتربّها فيّ أنجزت
زرعت في الحشا الهوىوسقته حتى نبت
أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن يزيد، قالا: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه، قال: لقي مسلم بن الوليد أبا نواس فقال له: ما أعرف لك بيتا إلا فيه سقط، قال: فما تحفظ من ذلك؟ قال: قل أنت ما شئت حتى أريك سقطه فيه، فأنشده:
ذكر الصّبوح سحيرة فارتاحاوأملّه ديك الصّباح صياحا
فقال له مسلم: فلم أملّه وهو الّذي أذكره وبه ارتاح؟ فقال أبو نواس: فأنشدني شيئا من شعرك ليس فيه خلل، فأنشده مسلم:
عاصى الشّباب فراح غير مفنّدوأقام بين عزيمة وتجلّد
فقال له أبو نواس: قد جعلته رائحا مقيما في حال واحدة وبيت واحد. فتشاغبا وتسابّا ساعة، وكلا البيتين صحيح المعنى.
أخبرني جعفر بن قدامة قال: قال لي محمد بن عبد اللّه بن مسلم: حدّثني أبي، قال: اجتمع أصحاب المأمون عنده يوما، فأفاضوا في ذكر الشّعر والشّعراء، فقال له بعضهم: أين أنت يا أمير المؤمنين عن مسلم بن الوليد؟ قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول وقد رثى رجلا:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّهفطيب تراب القبر دلّ على القبر
وحيث مدح رجلا بالشّجاعة فقال:
يجود بالنّفس إذ ضنّ الجواد بهاوالجود بالنّفس أقصى غاية الجود
وهجا رجلا بقبح الوجه والأخلاق فقال:
قبحت مناظره فحين خبرتهحسنت مناظره لقبح المخبر
وتغازل فقال:
هوّى يجدّ وحبيب يلعبأنت لقى بينهما معذّب
فقال المأمون: هذا أشعر من خضتم اليوم في ذكره.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ والحسن بن عليّ الخفّاف، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثني قعنب بن المحرز، وابن النّطّاح، عن القحذميّ، قال: قال يزيد بن مزيد: أرسل إليّ الرّشيد يوما في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي فأتيته لابسا سلاحي، مستعدّا لأمر إن أراده، فلما رآني ضحك إليّ ثم قال: يا يزيد خبّرني من الّذي يقول فيك:
تراه في الأمن في درع مضاعفةلا يأمن الدّهر أن يدعى على عجل
صافي العيان طموح العين همّتهفكّ العناة وأسر الفاتك الخطل
للّه من هاشم في أرضه جبلوأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
فقلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين. قال: سوءة لك من سيّد قوم يمدح بمثل هذا الشّعر ولا تعرف قائله، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله، وهو مسلم بن الوليد. فانصرفت فدعوت به ووصلته وولّيته.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ، والحسن بن عليّ الخفّاف، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثني أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن سليمان الحنفيّ ذو الهدمين، قال: حدّثني أبي، قال: دخل يزيد بن مزيد على الرّشيد فقال له: يا يزيد، من الّذي يقول فيك:
لا يعبق الطّيب خدّيه ومفرقهولا يمسّح عينيه من الكحل
قد عوّد الطّير عادات وثقن بهافهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل
فقال: لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين. فقال له هارون: أيقال فيك مثل هذا الشّعر ولا تعرف قائله! فخرج من عنده خجلا، فلما صار إلى منزله دعا حاجبه فقال له: من بالباب من الشّعراء؟ قال: مسلم بن الوليد، فقال: وكيف حجبته عنّي فلم تعلمني بمكانه؟ قال: أخبرته أنّك مضيق، وأنّه ليس في يديك شيء تعطيه إياه، وسألته الإمساك والمقام أياما إلى أن تتّسع. قال: فأنكر ذلك عليه وقال: أدخله إليّ. فأدخله إليه، فأنشده قوله:
أجررت حبل خليع في الصّبا غزلوشمّرت همم العذّال في عذلي
ردّ البكاء على العين الطّموح هوّىمفرّق بين توديع ومرتحل
أما كفى البين أن أرمى بأسهمهحتى رماني بلحظ الأعين النّجل!
مما جنت لي - وإن كانت منّى صدقت -صبابة خلس التّسليم بالمقل
فقال له: قد أمرنا لك بخمسين ألف درهم، فاقبضها واعذر. فخرج الحاجب فقال لمسلم: قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه على مائة ألف درهم، خمسون ألفا لك وخمسون ألفا لنفقته. وأعطاه إيّاها، وكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرّشيد، فأمر ليزيد بمائتي ألف درهم وقال: اقض الخمسين الّتي أخذها الشّاعر وزده مثلها. وخذ مائة ألف لنفقتك. فافتكّ ضيعته، وأعطى مسلما خمسين ألفا أخرى.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن عبيد الكوفيّ، وعليّ بن الحسن كلاهما، قال: أخبرني عليّ بن عمرو، قال: حدّثني مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغوائي قال: كنت يوما جالسا في دكان خيّاط بإزاء منزلي، إذ رأيت طارقا ببابي، فقمت إليه فإذا هو صديق لي من أهل الكوفة قد قدم من قمّ، فسررت به، وكأنّ إنسانا لطم وجهي، لأنّه لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه، فقمت فسلّمت عليه، وأدخلته منزلي، وأخذت خفّين كانا لي أتجمّل بهما، فدفعتهما إلى جاريتي، وكتبت معهما رقعة إلى بعض معارفي في السّوق، أسأله أن يبيع الخفّين ويشتري لي لحما وخبزا بشيء سمّيته. فمضت الجارية وعادت إليّ وقد اشترى لها ما قد حدّدته له، وقد باع الخفّين بتسعة دراهم، فكأنّها إنما جاءت بخفّين جديدين. فقعدت أنا وضيفي نطبخ، وسألت جارا لي أن يسقينا قارورة نبيذ، فوجّه بها إليّ، وأمرت الجارية بأن تغلق باب الدّار مخافة طارق يجيء فيشركنا فيما نحن فيه، ليبقى لي وله ما نأكله إلى أن ينصرف.
فإنّا لجالسان نطبخ حتى طرق الباب طارق، فقلت لجاريتي: انظري من هذا. فنظرت من شقّ الباب فإذا رجل عليه سواد وشاشيّة ومنطقة ومعه شاكريّ، فخبّرتني بموضعه فأنكرت أمره، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: لست بصاحب دعارة، ولا للسّلطان عليّ سبيل. ففتحت الباب وخرجت إليه، فنزل عن دابّته وقال: أأنت مسلم بن الوليد؟ قلت: نعم. فقال: كيف لي بمعرفتك؟ قلت: الّذي دلّك على منزلي يصحّح لك معرفتي. فقال لغلامه: امض إلى الخيّاط فسله عنه. فمضى فسأله عنّي فقال: نعم هو مسلم بن الوليد. فأخرج إليّ كتابا من خفّه، وقال: هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إليّ، يأمرني ألّا أفضّه إلا عند لقائك، فإذا فيه: إذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع إليه هذه العشرة آلاف درهم، الّتي أنفذتها تكون له في منزله، وادفع ثلاثة آلاف درهم نفقة ليتحمّل بها إلينا. فأخذت الثّلاثة والعشرة، ودخلت إلى منزلي والرّجل معي، فأكلنا ذلك الطعام، وازددت فيه وفي الشّراب، واشتريت فاكهة، واتّسعت ووهبت لضيفي من الدّراهم ما يهدي به هديّة لعياله.
وأخذت في الجهاز، ثم ما زلت معه حتى صرنا إلى الرّقّة إلى باب يزيد، فدخل الرّجل وإذا هو أحد حجّابه، فوجده في الحمّام، فخرج إليّ فجلس معي قليلا، ثم خبّر الحاجب بأنّه قد خرج من الحمّام، فأدخلني إليه، وإذا هو على كرسيّ جالس، وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة، وبيده هو مرآة، ومشط يسرّح لحيته، فقال لي: يا مسلم، ما الّذي بطّأ بك عنّا؟ فقلت: أيّها الأمير، قلّة ذات اليد. قال: فأنشدني. فأنشدته قصيدتي الّتي مدحته فيها:
أجررت حبل خليع في الصّبا غزلوشمّرت همم العذّال في عذلي
فلما صرت إلى قولي:
لا يعبق الطّيب خدّيه ومفرقهولا يمسّح عينيه من الكحل
وضع المرآة في غلافها، وقال للجارية: انصرفي، فقد حرّم علينا مسلم الطّيب. فلما فرغت من القصيدة قال لي: يا مسلم، أتدري ما الّذي حداني إلى أن وجهت إليك؟ فقلت: لا واللّه ما أدري. قال: كنت عند الرّشيد منذ ليال أغمّز رجليه، إذ قال لي: يا يزيد، من القائل فيك:
سلّ الخليفة سيفا من بني مطريمضي فيخترم الأجساد والهاما
كالدّهر لا ينثني عمّا يهمّ بهقد أوسع الناس إنعاما وإرغاما
فقلت: لا واللّه ما أدري. فقال لي الرّشيد: يا سبحان اللّه! أنت مقيم على أعرابيّتك، يقال فيك مثل هذا الشّعر ولا تدري من قائله! فسألت عن قائله، فأخبرت أنّك أنت هو، فقم حتى أدخلك على أمير المؤمنين.
ثم قام فدخل على الرّشيد، فما علمت حتى خرج عليّ الإذن فأذن لي، فدخلت على الرّشيد، فأنشدته ما لي فيه من الشّعر، فأمر لي بمائتي ألف درهم، فلما انصرفت إلى يزيد أمر لي بمائة وتسعين ألفا، وقال: لا يجوز لي أن أعطيك مثل ما أعطاك أمير المؤمنين. وأقطعني إقطاعات تبلغ غلّتها مائتي ألف درهم.
قال مسلم: ثم أفضت بي الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني فهجوته، فشكاني إلى الرّشيد، فدعاني وقال: أتبيعني عرض يزيد؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال لي: بكم؟ فقلت: برغيف خبز. فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كنت على أن أشتريه منك بمال جسيم، ولست أفعل ولا كرامة، فقد علمت إحسانه إليك، وأنا نفيّ من أبي، وو اللّه ثمّ واللّه لئن بلغني أنّك هجوته لأنزعنّ لسانك من بين فكّيك، فأمسكت عنه بعد ذلك، وما ذكرته بخير ولا شرّ.
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه اليعقوبيّ، قال: حدّثني البيدق الرّاوية - وكان من أهل نصيبين - قال: دخلت دار يزيد بن مزيد يوما وفيها الخلق، وإذا فتى شابّ جالس في أفناء النّاس، ولم يكن يزيد عرفه بعد، وإذا هو مسلم بن الوليد، فقال لي: ما في نفسي أن أقول شعرا أبدا، فقلت: ولم؟ قال: لأنّي قد مدحت هذا الرّجل بشعر ما مدح بمثله قطّ، ولست أجد من يوصّله، فقلت له: أنشدني بعضه، فأنشدني منه:
موف على مهج في يوم ذي رهجكأنّه أجل يسعى إلى أمل
يقري السّيوف نفوس النّاكثين بهويجعل الرّوس تيجان القنا الذّبل
لا يعبق الطّيب خدّيه ومفرقهولا يمسّح عينيه من الكحل
إذا انتضى سيفه كانت مسالكهمسالك الموت في الأجسام والقلل
وإن خلت بحديث النّفس فكرتهعاش الرّجاء ومات الخوف من وجل
كاللّيث إن هجته فالموت راحتهلا يستريح إلى الأيّام والدّول
للّه من هاشم في أرضه جبلوأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
صدّقت ظنّي وصدّقت الظّنون بهوحطّ جودك عقد الرّحل عن جملي
قال: فأخذت منها بيتين، ثم قلت له: أنشدني أيضا ما لك فيه، فأنشدني قصيدة أخرى ابتداؤها:
طيف الخيال حمدنا منك إلماماداويت سقما وقد هيّجت أسقاما
يقول فيها:
كالدّهر لا ينثني عمّا يهمّ بهقد أوسع النّاس إنعاما وإرغاما
قال: فأنشدت هذه الأبيات يزيد بن مزيد، فأمر له بخمسمائة درهم. ثم ذكرته بالرّقّة فقلت له: هذا الشّاعر الّذي قد مدحك فأحسن، تقتصر به على خمسمائة درهم! فبعث إليه بخمسمائة درهم أخرى، قال: فقال لي مسلم: جاءتني وقد رهنت طيلساني على رؤوس الإخوان، فوقعت منّي أحسن موقع.
أخبرني محمد بن عمران، قال: حدّثنا العنزيّ، عن محمد بن بدر العجليّ، عن إبراهيم بن سالم، عن أبي فرعون مولى يزيد بن مزيد قال: ركب يزيد يوما إلى الرّشيد فتغلّف بغالية، ثم لم يلبث أن عاد فدعا بطست فغسل الغالية، وقال: كرهت أن أكذّب قول مسلم بن الوليد:
لا يعبق الطّيب خدّيه ومفرقهولا يمسّح عينيه من الكحل
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، قال: كان مسلم بن الوليد جالسا بين يدي يزيد بن مزيد فأتاه كتاب فيه مهمّ له، فقرأه سرّا ووضعه، ثم أعاد قراءته ووضعه، ثم أراد القيام، فقال له مسلم بن الوليد:
الحزم تحريقه إن كنت ذا حذروإنّما الحزم سوء الظّنّ بالنّاس
لقد أتاك وقد أدّى أمانتهفاجعل صيانته في بطن أرماس
قال: فضحك يزيد وقال: صدقت لعمري. وخرّق الكتاب، وأمر بإحراقه.
حدّثني عمّي وجحظة، قالا: حدّثنا عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى، قال: حدّثني أبو محلّم، وحدّثني عمّي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، قال: كان مسلم بن الوليد صديقا ليزيد بن مزيد ومدّاحا له، فلما مات انقطع إلى ابنه محمد بن يزيد، ومدحه كما مدح أباه، فلم يصنع إليه خيرا، ولم يرضه ما فعله به، فهجره وانقطع عنه، فكتب إليه يستحفيه ويلومه على انقطاعه عنه، ويذكّره حقوق أبيه عليه، فكتب إليه مسلم:
لبست عزاء عن لقاء محمدوأعرضت عنه منصفا وودودا
وقلت لنفس قادها الشّوق نحوهفعوّضها حبّ اللّقاء صدودا
هبيه امرأ قد كان أصفاك ودّهفمات وإلّا فاحسبيه يزيدا
لعمري لقد ولّى فلم ألق بعدهوفاء لذي عهد يعدّ حميدا
أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني أحمد بن محمد بن أبي سعد، قال: أهديت إلى يزيد بن مزيد جارية وهو يأكل، فلما رفع الطّعام من بين يديه وطئها فلم ينزل عنها، إلا ميّتا، وهو ببرذعة، فدفن في مقابر برذعة، وكان مسلم معه في صحابته فقال يرثيه:
قبر ببرذعة استسرّ ضريحهخطرا تقاصر دونه الأخطار
أبقى الزّمان على ربيعة بعدهحزنا كعمر الدّهر ليس يعار
سلكت بك العرب السّبيل إلى العلاحتى إذا بلغوا المدى بك حاروا
ويروى:
حتى إذا سبق الرّدى بك حاروا
- هكذا أنشده الأخفش -:
نفضت بك الأحلاس نفض إقامةواسترجعت روّادها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةأثنى عليها السّهل والأوعار
نسخت من كتاب جدّي يحيى بن محمد بن ثوابة: حدّثني الحسن بن سعيد، عن أبيه، قال: كان داود بن يزيد بن حاتم المهلّبيّ يجلس للشّعراء في السّنة مجلسا واحدا فيقصدونه لذلك اليوم وينشدونه، فوجّه إليه مسلم بن الوليد راويته بشعره الّذي يقول فيه:
جعلته حيث ترتاب الرّياح بهوتحسد الطّير فيه أضبع البيد
فقدم عليه يوم جلوسه للشّعراء، ولحقه بعقب خروجهم عنه، فتقدّم إلى الحاجب وحسر لثامه عن وجهه ثم قال له: استأذن لي على الأمير. قال: ومن أنت؟ قال: شاعر. قال: قد انصرم وقتك، وانصرف الشّعراء، وهو على القيام. فقال له: ويحك قد وفدت على الأمير بشعر ما قالت العرب مثله. قال: وكان مع الحاجب أدب يفهم به ما يسمع، فقال: هات حتى أسمع، فإن كان الأمر كما ذكرت أوصلتك إليه. فأنشده بعض القصيدة، فسمع شيئا يقصر الوصف عنه، فدخل على داود فقال له: قد قدم على الأمير شاعر بشعر ما قيل فيه مثله، فقال: أدخل قائله.
فأدخله، فلمّا مثل بين يديه سلّم وقال: قدمت على الأمير - أعزّه اللّه - بمدح يسمعه فيعلم به تقدّمي على غيري ممّن امتدحه. فقال: هات. فلما افتتح القصيدة وقال:
لا تدع بي الشّوق إني غير معمودنهى النّهى عن هوى البيض الرّعاديد
استوى جالسا وأطرق، حتى أتى الرّجل على آخر الشّعر، ثم رفع رأسه إليه ثم قال: أهذا شعرك؟ قال: نعم أعزّ اللّه الأمير، قال: في كم قلته يا فتى؟ قال: في أربعة أشهر، أبقاك اللّه، قال: لو قلته في ثمانية أشهر لكنت محسنا، وقد اتّهمتك لجودة شعرك وخمول ذكرك، فإن كنت قائل هذا الشّعر فقد أنظرتك أربعة أشهر في مثله، وأمرت بالإجراء عليك، فإن جئتنا بمثل هذا الشّعر وهبت لك مائة ألف درهم وإلا حرمتك. فقال: أو الإقالة، أعزّ اللّه الأمير. قال: أقلتك، قال: الشّعر لمسلم بن الوليد، وأنا راويته والوافد عليك بشعره. فقال: أنا ابن حاتم، إنّك لمّا افتتحت شعره فقلت:
لا تدع بي الشّوق إنّي غير معمود
سمعت كلام مسلم يناديني فأجبت نداءه واستويت جالسا. ثم قال: يا غلام، أعطه عشرة آلاف درهم، واحمل السّاعة إلى مسلم مائة ألف درهم.
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني مسعود بن عيسى العبديّ، قال: أخبرني موسى بن عبد اللّه التّميميّ، قال: دخل مسلم بن الوليد الأنصاريّ على الفضل بن سهل لينشده شعرا، فقال له: أيّها الكهل، إنّي أجلّك عن الشّعر فسل حاجتك، قال: بل تسّتتمّ اليد عندي بأن تسمع، فأنشده:
دموعها من حذار البين تنسكبوقلبها مغرم من حرّها يجب
جدّ الرّحيل به عنها ففارقهالبينه اللّهو واللّذّات والطّرب
يهوى المسير إلى مرو ويحزنهفراقها فهو ذو نفسين يرتقب
فقال له الفضل: إني لأجلّك عن الشعر، قال: فأغنني بما أحببت من عملك؛ فولّاه البريد بجرجان.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني الحسين بن أبي السّريّ.
وأخبرني بهذه الأخبار محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد الورّاق، عن الحسين بن أبي السّريّ قال: قيل لمسلم بن الوليد: أيّ شعرك أحبّ إليك؟ قال: إن في شعري لبيتا أخذت معناه من التّوراة، وهو قولي:
دلّت على عيبها الدّنيا وصدّقهاما استرجع الدّهر ممّا كان أعطاني
قال الحسين: وحدّثني جماعة من أهل جرجان أنّ راوية مسلم جاء إليه بعد أن تاب ليعرض عليه شعره، فتغافله مسلم، ثم أخذ منه الدّفتر الّذي في يده، فقذف به في البحر، فلهذا قلّ شعره، فليس في أيدي النّاس منه إلا ما كان بالعراق، وما كان في أيدي الممدوحين من مدائحهم.
لا تدع بي الشّوق إنّي غير معمود
قال: لا تدعني صريع الغواني فلست كذلك؛ وكان يلقّب هذا اللّقب وكان له كارها.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال: عتب عيسى بن داود على مسلم بن الوليد فهجره، وكان إليه محسنا، فكتب إليه مسلم:
شكرتك للنّعمى فلمّا رميتنيبصدّك تأديبا شكرتك في الهجر
فعندي للتّأديب شكر وللنّدىوإن شئت كان العفو أدعى إلى الشّكر
إذا ما اتّقاك المستليم بعذرهفعفوك خير من ملام على عذر
قال: فرضي عنه وعاد له إلى حاله.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن الأشعث، قال: حدّثني دعبل بن عليّ، قال: كان مسلم بن الوليد من أبخل الناس، فرأيته يوما وقد استقبل الرّضا عن غلام له بعد موجدة، فقال له: قد رضيت عنك وأمرت لك بدرهم.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عمرو بن سعيد قال: خرج دعبل إلى خراسان لمّا بلغه حظوة مسلم بن الوليد عند الفضل بن سهل. فصار إلى مرو، وكتب إلى الفضل بن سهل:
لا تعبأن بابن الوليد فإنهيرميك بعد ثلاثة بملال
إنّ الملول وإن تقادم عهدهكانت مودّته كفيء ظلال
قال: فدفع الفضل إلى مسلم الرّقعة وقال له: انظر يا أبا الوليد إلى رقعة دعبل فيك، فلمّا قرأها قال له: هل عرفت لقب دعبل وهو غلام أمرد وهو يفسق به؟ قال: لا، قال: كان يلقّب بميّاس، ثم كتب إليه:
ميّاس قل لي: أين أنت من الورىلا أنت معلوم ولا مجهول!
أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونهوالمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنّهعرض عززت به وأنت ذليل
أخبرني محمد بن الحسين الكنديّ الكوفيّ مؤدّبي، قال: حدّثني أزهر بن محمد، قال: حدّثني الحسين بن دعبل، قال: سمعت أبي يقول: بينا أنا جالس بباب الكرخ إذ مرّت بي جارية لم أر أحسن منها وجها ولا قدّا تتثنّى في مشيها وتنظر في أعطافها، فقلت متعرّضا لها:
دموع عيني بها انبساطونوم عيني به انقباض
فأجابتني بسرعة فقالت:
وذا قليل لمن دهتهبلحظها الأعين المراض
فأدهشتني وعجبت منها فقلت:
فهل لمولاي عطف قلبوللّذي في الحشا انقراض
فأجابتني غير متوقّفة فقالت:
إن كنت تهوى الوداد منافالودّ في ديننا قراض
قال: فما دخل أذني كلام قطّ أحلى من كلامها، ولا رأيت أنضر وجها منها، فعدلت بها عن ذلك الشعر وقلت:
أترى الزّمان يسرّنا بتلاقويضمّ مشتاقا إلى مشتاق
فأجابتني بسرعة فقالت:
ما للزّمان وللتّحكّم بينناأنت الزّمان فسرّنا بتلاق
قال: فمضيت أمامها أؤمّ بها دار مسلم بن الوليد وهي تتبعني، فصرت إلى منزله، فصادفته على عسرة، فدفع إليّ منديلا وقال: اذهب فبعه، وخذ لنا ما نحتاج إليه وعد؛ فمضيت مسرعا. فلما رجعت وجدت مسلما قد خلا بها في سرداب، فلما أحسّ بي وثب إليّ وقال: عرّفك اللّه يا أبا عليّ جميل ما فعلت، ولقّاك ثوابه، وجعله أحسن حسنة لك، فغاظني قوله وطنزه، وجعلت أفكّر أيّ شيء أعمل به، فقال: بحياتي يا أبا عليّ أخبرني من الّذي يقول:
بتّ في درعها وبات رفيقيجنب القلب طاهر الأطراف
فقلت:
من له في حر امّه ألف قرنقد أنافت على علوّ مناف!
وجعلت أشتمه وأثب عليه، فقال لي: يا أحمق، منزلي دخلت، ومنديلي بعت، ودراهمي أنفقت، على من تحرد أنت؟ وأيّ شيء سبب حردك يا قوّاد؟ فقلت له: مهما كذبت عليّ فيه من شيء فما كذبت في الحمق والقيادة.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه والعنزيّ، عن محمد بن عبد اللّه العبديّ، قال: هجا مسلم بن الوليد سعيد بن سلم ويزيد بن مزيد وخزيمة بن خازم فقال:
ديونك لا يقضى الزّمان غريمهاوبخلك بخل الباهليّ سعيد
سعيد بن سلم أبخل النّاس كلّهموما قومه من بخله ببعيد
يزيد له فضل ولكنّ مزيداتدارك فينا بخله بيزيد
خزيمة لا عيب له غير أنهلمطبخه قفل وباب حديد
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة، قال: حدّثنا الأصمعيّ، قال: قال لي سعيد بن سلم: قدمت عليّ امرأة من باهلة من اليمامة، فمدحتني بأبيات، ما تمّ سروي بها حتى نغّصنيها مسلم بن الوليد بهجاء بلغني أنّه هجاني به، فقلت: ما الأبيات الّتي مدحت بها؟ فأنشدني:
قتيبة قيس ساد قيسا وسلمهافلما تولّى ساد قيسا سعيدها
وسيّد قيس سيّد النّاس كلّهاوإن مات من رغم وذلّ حسودها
هم رفعوا كفّيك بالمجد والعلاومن يرفع الأبناء إلا جدودها
إذا مدّ للعليا سعيد يمينهثنت كفّه عنها أكفّا تريدها
قال الأصمعيّ: فقلت له: فبأيّ شيء نغّصها عليك مسلم؟ فضحك وقال: كلّفتني شططا، ثم أنشد:
وأحببت من حبّها الباخلينحتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفا كسا وجههثيابا من النّقع صفرا وسودا
يغار على المال فعل الجوادو تأبى خلائقه أن يجودا
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا الكرانيّ، قال: حدّثني النّوشجانيّ الخليل بن أسد، قال: حدّثني عليّ بن عمرو، قال: وقف بعض الكتّاب على مسلم بن الوليد وهو ينشد شعرا له في محفل، فأطال ثم انصرف، وقال لرجل كان معه: ما أدري أيّ شيء أعجب الخليفة والخاصّة من شعر هذا؟ فو اللّه ما سمعت منه طائلا، فقال مسلم: ردّوا عليّ الرّجل، فردّ إليه، فأقبل عليه ثم قال:
أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونهوالمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنهعرض عززت به وأنت ذليل
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد الورّاق، قال: حدّثني الحسين بن أبي السّريّ، قال: كان مسلم بن الوليد أستاذ دعبل وعنه أخذ، ومن بحره استقى. وحدّثني دعبل أنّه كان لا يزال يقول الشّعر فيعرضه على مسلم، فيقول له: إيّاك أن يكون أوّل ما يظهر لك ساقطا فتعرف به، ثم لو قلت كلّ شيء جيّدا كان الأوّل أشهر عنك، وكنت أبدا لا تزال تعيّر به، حتّى قلت:
أين الشّباب وأيّة سلكا
فلما سمع هذه قال لي: أظهر الآن شعرك كيف شئت.
قال الحسن: وحدّثني أبو تمّام الطّائيّ قال: ما زال دعبل متعصّبا لمسلم، مائلا إليه، معترفا بأستاذيّته حتى ورد عليه جرجان، فجفاه مسلم، وهجره دعبل، فكتب إليه:
أبا مخلد كنّا عقيدي مودّةهوانا وقلبانا جميعا معا معا
أحوطك بالغيب الّذي أنت حائطيوأجزع إشفاقا بأن تتوجّعا
فصيّرتني بعد انتكاثك متهمالنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا
غششت الهوى حتى تداعت أصولهبنا وابتذلت الوصل حتى تقطّعا
وأنزلت من بين الجوانح والحشاذخيرة ودّ طال ما قد تمنّعا
فلا تلحينّي ليس لي فيك مطمعتخرّقت حتى لم أجد لك مرقعا
فهبك يميني استأكلت فقطعتهاوجشّمت قلبي صبره فتشجّعا
قال: ثم تهاجرا بعد ذلك، فما التقيا حتى ماتا.
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا أحمد بن أبي طاهر، قال: أخبرني أحمد بن أبي أميّة، قال: لقي أخي محمد بن أبي أميّة مسلم بن الوليد وهو يتثنّى، ورواته مع بعض أصحابه، فسلّم عليه، ثم قال له: قد حضرني شيء.
فقال: هاته، قال: على أنه مزاح ولا تغضب، قال: هاته ولو كان شتما، فأنشدته:
من رأى فيما خلا رجلاتيهه أربى على جدته
يتمشّى راجلا ولهشاكريّ في قلنسيته
فسكت عنه مسلم ولم يجبه، وضحك ابن أبي أميّة وافترقا.
قال: وكان لمحمد برذون يركبه فنفق، فلقيه مسلم وهو راجل، فقال: ما فعل برذونك؟ قال: نفق، قال: فنجازيك إذا على ما أسلفتناه، ثم أنشده:
قل لابن ميّ لا تكن جازعالن يرجع البرذون باللّيث
طامن أحشاءك فقدانهوكنت فيه عالي الصّوت
وكنت لا تنزل عن ظهرهولو من الحشّ إلى البيت
ما مات من سقم ولكنّهمات من الشّوق إلى الموت
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني أحمد بن سعيد الحريريّ أنّ أبا تمّام حلف ألّا يصلّي حتى يحفظ شعر مسلم وأبي نواس، فمكث شهرين كذلك حتى حفظ شعرهما. قال: ودخلت عليه فرأيت شعرهما بين يديه، فقلت له: ما هذا؟ فقال: اللّات والعزّى وأنا أعبدهما من دون اللّه.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني سمعان بن عبد الصّمد، قال: حدّثني دعبل بن عليّ، قال: كان أبو نواس يسألني أن أجمع بينه وبين مسلم بن الوليد؛ وكان مسلم يسألني أن أجمع بينه وبين أبي نواس، وكان أبو نواس إذا حضر تخلّف مسلم، وإذا حضر مسلم تخلّف أبو نواس، إلى أن اجتمعا، فأنشده أبو نواس:
أجارة بيتينا أبوك غيوروميسور ما يرجى لديك عسير
وأنشده مسلم:
للّه من هاشم في أرضه جبلوأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
فقلت لأبي نواس: كيف رأيت مسلما؟ فقال: هو أشعر النّاس بعدي. وسألت مسلما وقلت: كيف رأيت أبا نواس؟ فقال: هو أشعر الناس وأنا بعده.
أخبرني الحسن، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني إبراهيم بن عبد الخالق الأنصاريّ من ولد النّعمان بن بشير، قال: حدّثني مسلم بن الوليد، قال: وجّه إليّ ذو الرّياستين، فحملت إليه، فقال: أنشدني قولك:
بالغمر من زينب أطلالمرّت بها بعدك أحوال
فأنشدته إيّاها حتّى انتهيت إلى قولي:
وقائل ليست له همّةكلّا ولكن ليس لي مال
وهمّة المقتر أمنيّةهمّ مع الدّهر وأشغال
لا جدة أنهض عزمي بهاوالناس سؤّال وبخّال
فاقعد مع الدّهر إلى دولةترفع فيها حالك الحال
قال: فلمّا أنشدته هذا البيت قال: هذه واللّه الدّولة الّتي ترفع حالك. وأمر لي بمال عظيم وقلّدني - أو قال قبّلني - جوز جرجان.
حدّثني جحظة، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال: كان مسلم بن الوليد قد انحرف عن معن بن زائدة بعد مدحه إياه، لشيء أوحشه منه، فسأله يزيد بن مزيد أن يهبه له، فوعده ولم يفعل، فتركه يزيد خوفا منه، فهجاه هجاء كثيرا، حتى حلف له الرشيد إن عاود هجاءه قطع لسانه، فمن ذلك قوله فيه:
يا معن إنّك لم تزل في خزيةحتى لففت أباك في الأكفان
فاشكر بلاء الموت عندك إنّهأودى بلؤم الحيّ من شيبان
قال: وهجا أيضا يزيد بن مزيد بعد مدحه إياه فقال:
أيزيد يا مغرور ألأم من مشىترجو الفلاح وأنت نطفة مزيد
إن كنت تنكر منطقي فاصرخ بهيوم العروبة عند باب المسجد
في من يزيد فإن أصبت بمزيدفلسا فهاك على مخاطرة يدي
هكذا روى جحظة في هذا الخبر، والشّعران جميعا في يزيد بن مزيد، فالأوّل منهما أوّله:
أيزيد إنّك لم تزل في خزية
وهكذا هو في شعر مسلم. ولم يلق مسلم معن بن زائدة، ولا له فيه مدح ولا هجاء.
أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن جشم، قال: كان يزيد بن مزيد قد سأل مسلم بن الوليد عما يكفيه ويكفي عياله، فأخبره فجعله جراية له، ثم قال: ليس هذا مما تحاسب به بدلا من جائزة أو ثواب مديح. فكان يبعث به إليه في كلّ سنة، فلمّا مات يزيد رثاه مسلم فقال:
أحقّا أنّه أودى يزيدتبيّن أيّها النّاعي المشيد!
أتدري من نعيت وكيف دارتبه شفتاك دار بها الصّعيد
أحامي المجد والإسلام أودىفما للأرض ويحك لا تميد!
تأمّل هل ترى الإسلام مالتدعائمه وهل شاب الوليد
وهل شيمت سيوف بني نزاروهل وضعت عن الخيل اللّبود
وهل تسقي البلاد عشار مزنبدرّتها وهل يخضرّ عود
أما هدّت لمصرعه نزاربلى وتقوّض المجد المشيد
وحلّ ضريحه إذ حلّ فيهطريف المجد والحسب التّليد
أما واللّه ما تنفكّ عينيعليك بدمعها أبدا تجود
وإن تجمد دموع لئيم قومفليس لدمع ذي حسب جمود
أبعد يزيد تختزن البواكيدموعا أو تصان لها خدود
لتبكك قبّة الإسلام لمّاوهت أطنابها ووهى العمود
ويبكك شاعر لم يبق دهرله نشبا وقد كسد القصيد
فإن يهلك يزيد فكلّ حيّفريس للمنيّة أو طريد
هكذا في الخبر، والقصيدة للتّيميّ.
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدّثنا الهشاميّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن عمرو، قال: حدّثني موسى بن عبد اللّه التّميميّ، قال: دخل مسلم بن الوليد على الفضل بن سهل، فأنشده قوله فيه:
لو نطق الناس أو أنبوا بعلمهمونبّهت عن معالي دهرك الكتب
لم يبلغوا منك أدنى ما تمتّ بهإذا تفاخرت الأملاك وانتسبوا
فأمر له عن كلّ بيت من هذه القصيدة بألف درهم.
ثم قتل الفضل فقال يرثيه:
ذهلت فلم أنقع غليلا بعبرةوأكبرت أن ألقى بيومك ناعيا
فلمّا بدا لي أنّه لاعج الأسىوأن ليس إلا الدّمع للحزن شافيا
أقمت لك الأنواح ترتدّ بينهامآتم تندبن النّدى والمعاليا
وما كان منعى الفضل منعاة واحدولكنّ منعى الفضل كان مناعيا
أللبأس أم للجود أم لمقاوممن الملك يزحمن الجبال الرّواسيا!
عفت بعدك الأيّام لا بل تبدّلتوكنّ كأعياد فعدن مباكيا
فلم أر إلّا قبل يومك ضاحكاولم أر إلا بعد يومك باكيا
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ، قال: حدّثنا محمد بن عجلان، قال: حدّثنا يعقوب بن السّكّيت، قال: أخبرني محمد بن المهنّأ، قال: كان العبّاس بن الأحنف مع إخوان له على شراب، فذكروا مسلم بن الوليد، فقال بعضهم: صريع الغواني، فقال العبّاس: ذاك ينبغي أن يسمّى صريع الغيلان لا صريع الغواني، وبلغ ذلك مسلما فقال يهجوه:
بنو حنيفة لا يرضى الدّعيّ بهمفاترك حنيفة واطلب غيرها نسبا
فاذهب فأنت طليق الحلم مرتهنبسورة الجهل ما لم أملك الغضبا
اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهمإني أرى لك خلقا يشبه العربا
منّيت منّي وقد جدّ الجراء بنابغاية منعتك الفوت والطّلبا
أخبرني محمد بن يزيد، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن جدّه، قال: قلت لمسلم بن الوليد: ويحك! أما استحييت من النّاس حين تهجو خزيمة بن خازم، ولا استحييت منا ونحن إخوانك، وقد علمت أنّا نتولّاه وهو من تعرف فضلا وجودا؟ فضحك، وقال لي: يا أبا إسحاق، لغيرك الجهل، أما تعلم أنّ الهجاء آخذ بضبع الشّاعر وأجدّى عليه من المديح المضرع؟ وما ظلمت مع ذلك منهم أحدا، ما مضى فلا سبيل إلى ردّه، ولكن قد وهبت لك عرض خزيمة بعد هذا. قال: ثم أنشدني قوله في سعيد بن سلم:
ديونك لا يقضى الزّمان غريمهاوبخلك بخل الباهليّ سعيد
سعيد بن سلم أبخل الناس كلّهموما قومه من بخله ببعيد
فقلت له: وسعيد بن سلم صديقي أيضا، فهبه لي، فقال: إن أقبلت على ما يعنيك، وإلا رجعت فيما وهبت لك من خزيمة، فأمسكت عنه راضيا بالكفاف.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني عبد اللّه بن محمد بن موسى بن عمر بن حمزة بن بزيع، قال: حدّثني عبد اللّه بن الحسن اللّهبيّ، قال: كان مسلم بن الوليد مدّاحا ليزيد بن مزيد، وكان يؤثره ويقدّمه ويجزل صلته، فلما مات وفد على ابنه محمد، فمدحه وعزّاه عن أبيه، وأقام ببابه أيّاما فلم ير منه ما يحبّ، فانصرف عنه وقال فيه:
لبست عزاء عن لقاء محمدوأعرضت عنه منصفا وودودا
وقلت لنفس قادها الشّوق نحوهفعوّضها منه اللّقاء صدودا
هبيه امرأ قد كان أصفاك ودّهومات وإلا فاحسبيه يزيدا
لعمري لقد ولّى فلم ألق بعدهوفاء لذي عهد يعدّ حميدا
أخبرني حبيب بن نصر، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود، قال: دخل مسلم بن الوليد يوما على الفضل بن يحيى، وقد كان أتاه خبر مسيره، فجلس للشّعراء فمدحوه وأثابهم، ونظر في حوائج النّاس فقضاها، وتفرّق النّاس عنه، وجلس للشّرب، ومسلم غير حاضر لذلك، وإنّما بلغه حين انقضى المجلس، فجاءه فأدخل إليه فاستأذن في الإنشاد، فأذن له، فأنشده قوله فيه:
أتتك المطايا تهتدي بمطيّةعليها فتى كالنّصل مؤنسه النّصل
يقول فيها:
وردت رواق الفضل آمل فضلهفحطّ الثّناء الجزل نائله الجزل
فتى ترتعي الآمال مزنة جودهإذا كان مرعاها الأمانيّ والمطل
تساقط يمناه النّدى وشماله الرّدى وعيون القول منطقه الفصل
ألحّ على الأيام يفري خطوبهاعلى منهج ألفى أباه به قبل
أناف به العلياء يحيى وخالدفليس له مثل ولا لهما مثل
فروع أصابت مغرسا متمكّناوأصلا فطابت حيث وجّهها الأصل
بكفّ أبي العبّاس يستمطر الغنىوتستنزل النّعمى ويسترعف النّصل
قال: فطرب الفضل طربا شديدا، وأمر بأن تعدّ الأبيات، فعدّت فكانت ثمانين بيتا فأمر له بثمانين ألف درهم، وقال: لو لا أنّها أكثر ما وصل به الشّعراء لزدتك، ولكنّه شأو لا يمكنني أن أتجاوزه - يعني أنّ الرشيد رسمه لمروان بن أبي حفصة - وأمره بالجلوس معه والمقام عنده لمنادمته، فأقام عنده، وشرب معه، وكان على رأس الفضل وصيفة تسقيه كأنها لؤلؤة، فلمح الفضل مسلما ينظر إليها، فقال: قد - وحياتي يا أبا الوليد - أعجبتك، فقل فيها أبياتا حتى أهبها لك، فقال:
إن كنت تسقين غير الرّاح فاسقينيكأسا ألذّ بها من فيك تشفيني
عيناك راحي، وريحاني حديثك لي،ولون خدّيك لون الورد يكفيني
إذا نهاني عن شرب الطّلا حرجفخمر عينيك يغنيني ويجزيني
لو لا علامات شيب لو أتت وعظتلقد صحوت ولكن سوف تأتيني
أرضي الشّباب فإن أهلك فعن قدروإن بقيت فإن الشّيب يشقيني
فقال له: خذها بورك لك فيها. وأمر بتوجيهها مع بعض خدمها إليه.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن إبراهيم، قال: كانت لمسلم بن الوليد زوجة من أهله، كانت تكفيه أمره وتسرّه فيما تليه له منه، فماتت فجزع عليها جزعا شديدا، وتنسّك مدّة طويلة، وعزم على ملازمة ذلك، فأقسم عليه بعض إخوانه ذات يوم أن يزوره ففعل، فأكلوا وقدّموا الشّراب، فامتنع منه مسلم وأباه، وأنشأ يقول:
بكاء وكأس، كيف يتّفقان؟سبيلاهما في القلب مختلفان
دعاني وإفراط البكاء فإنّنيأرى اليوم فيه غير ما تريان
غدت والثّرى أولى بها من وليّهاإلى منزل ناء لعينك دان
فلا حزن حتى تذرف العين ماءهاوتعترف الأحشاء للخفقان
وكيف بدفع اليأس للوجد بعدهاوسهماهما في القلب يعتلجان!
أخبرني حبيب بن نصر، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني عليّ بن الصّبّاح، قال: حدّثني مالك بن إبراهيم، قال: كان مسلم بن الوليد يهاجي الحكم بن قنبر المازنيّ، فغلب عليه ابن قنبر مدة وأخرسه، ثم أثاب مسلم بعد أن انخزل وأفحم، فهتك ابن قنبر حتى كفّ عن مناقضته، فكان يهرب منه، فإذا لقيه مسلم قبض عليه وهجاه وأنشده ما قاله فيه فيمسك عن إجابته؛ ثم جاءه ابن قنبر إلى منزله واعتذر إليه ممّا سلف، وتحمّل عليه بأهله وسأله الإمساك، فوعده بذلك، فقال فيه:
حلم ابن قنبر حين أقصر جهلههل كان يحلم شاعر عن شاعر؟
ما أنت بالحكم الّذي سمّيتهغالتك حلمك هفوة من قاهر
لو لا اعتذارك لارتمى بك زاخرمرح العباب يفوت طرف النّاظر
لا ترتعن لحمى لسانك بعدهاإنّي أخاف عليك شفرة جازر
واستغنم العفو الّذي أوتيتهلا تأمننّ عقوبة من قادر
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه أبو بكر العبديّ، قال: رأيت مسلم بن الوليد وابن قنبر في مسجد الرّصافة في يوم جمعة، وكل واحد منهما بإزاء صاحبه، وكانا يتهاجيان، فبدأ مسلم فقال:
أنا النّار في أحجارها مستكنّةفإن كنت ممن يقدح النّار فاقدح
فأجابه ابن قنبر فقال:
قد كنت تهوي وما قوسي بموترةفكيف ظنّك بي والقوس في الوتر
قال: فوثب إليه مسلم وتواخزا وتواثبا، وحجز الناس بينهما فتفرّقا.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن عبيد الكوفيّ، قال: حدّثني عليّ بن عمروس الأنصاريّ، قال: جاء رجل من الأنصار ثم من الخزرج إلى مسلم بن الوليد فقال له: ويلك ما لنا ولك، قد فضحتنا وأخزيتنا، تعرّضت لابن قنبر فهاجيته، حتى إذا أمكنته من أعراضنا انخزلت عنه وأرعيته لحومنا، فلا أنت سكتّ ووسعك ما وسع غيرك، ولا أنت لمّا انتصرت انتصفت. فقال له مسلم: فما أصنع؟ فأنا أصبر عليه، فإن كفّ وإلا تحمّلت عليه بإخوانه، فإن كفّ وإلا وكلته إلى بغيه، ولنا شيخ يصوم الدهر ويقوم الليل، فإن أقام على ما هو عليه سألته أن يسهر له ليلة يدعو اللّه عليه فيها فإنها تهلكه، فقال له الأنصاريّ: سخنت عينك! أو بهذا تنتصف ممن هجاك؟ ثم قال له:
قد لاذ من خوف ابن قنبر مسلمبدعاء والده مع الأسحار
ورأيت شرّ وعيده أن يشتكيما قد عراه إلى أخ أو جار
ثكلتك أمّك قد هتكت حريمناوفضحت أسرتنا بني النجار
عمّمت خزرجنا ومعشر أوسناخزيا جنيت به على الأنصار
فعليك من مولّى وناصر أسرةوعشيرة غضب الإله الباري
قال: فكاد مسلم أن يموت غمّا وبكاء وقال له: أنت شرّ عليّ من ابن قنبر. ثم أثاب وحمي، فهتك ابن قنبر ومزّقه حتى تركه، وتحمّل عليه بابنه وأهله حتى أعفاه من المهاجاة.
رجع الحديث عما وقع بينه وبين ابن قنبر
ونسخت هذا الخبر من كتاب جدّي يحيى بن محمد بن ثوابة بخطه، قال: حدّثني الحسن بن سعيد، قال: حدّثني منصور بن جمهور قال: لما هجا ابن قنبر مسلم بن الوليد أمسك عنه مسلم بعد أن أشلى عليه لسانه قال: فجاءه عمّ له فقال له: يا هذا الرجل، إنك عند الناس فوق ابن قنبر في عمود الشعر، وقد بعث عليك لسانه ثم أمسكت عنه، فإما أن قارعته أو سالمته. فقال له مسلم: إن لنا شيخا وله مسجد يتهجّد فيه، وله بين ذلك دعوات يدعو بهنّ، ونحن نسأله أن يجعله من بعض دعواته، فإنا نكفاه، فأطرق الرجل ساعة ثم قال:
غلب ابن قنبر واللئيم مغلّبلما اتّقيت هجاءه بدعاء
ما زال يقذف بالهجاء ولذعهحتى اتّقوه بدعوة الآباء!
قال: فقال له مسلم: واللّه ما كان ابن قنبر يبلغ مني هذا كلّه، فأمسك لسانك عني، وتعرّف خبره بعد هذا.
قال: فبعث - واللّه - عليه من لسان مسلم ما أسكته. هكذا جاء في الأخبار.
وقد حدّثني بخبر مناقضته ابن قنبر جماعة ذكروا قصائدهما جميعا، فوجدت في الشعر الفضل لابن قنبر عليه، لأن له عدة قصائد لا نقائض لها، يذكر فيها تعريده عن الجواب، وقصائد يذكر فيها أنّ مسلما فخر على قريش وعلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورماه بأشياء تبيح دمه، فكفّ مسلم عن مناقضته خوفا منها، وجحد أشياء كان قالها فيه.
فمن أخبرني بذلك هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن الوليد مولى الأنصار، وكان عالما بشعر مسلم بن الوليد وأخباره، قال:
كان سبب المهاجاة بين مسلم بن الوليد والحكم بن قنبر أنّ الطّرمّاح بن حكيم قد كان هجا بني تميم بقصيدته الّتي يقول فيها:
لا عزّ نصر امرىء أضحى له فرسعلى تميم يريد النصر من أحد
إذا دعا بشعار الأزد نفّرهمكما ينفّر صوت الليث بالنّقد
لو حان ورد تميم ثم قيل لهم:حوض الرسول عليه الأزد، لم ترد
أو أنزل اللّه وحيا أن يعذّبهاإن لم تعد لقتال الأزد، لم تعد
وهي قصيدة طويلة، وكان الفرزدق أجاب الطّرماح عنها، ثم إن ابن قنبر المازنيّ قال بعد خبر طويل يرد على الطّرمّاح:
يا عاويا هاج ليثا بالعواء لهشئن البراثن ورد اللون ذا لبد
أيّ الموارد هابت جمّ غمرتهبنو تميم على حال فلم ترد
ألم ترد يوم قندابيل معلمةبالخيل تضبر نحو الأزد كالأسد
بفتية لم تنازعها فتطبعهابلؤمها طيّىء ثديا ولم تلد
خاضت إلى الأزد بحرا ذا غوارب منسمر طوال وبحرا من قنا قصد
فأوردتها مناياها بمرهفةملس المضارب لم تفلل ولم تكد
وهي قصيدة طويلة. وقد كان الطّرمّاح قال أيضا:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطاولو سلكت طرق المكارم ضلّت
أرى الليل يجلوه النهار ولا أرىعظام المخازي عن تميم تجلّت
وقد كان الفرزدق أيضا أجابه عنها، وقال ابن قنبر ينقضها:
لعمرك ما ضلّت تميم ولا جرتعلى إثر أشياخ عن المجد ضلّت
ولا جبنت بل أقدمت يوم كسّرتلها الأزد أغماد السّيوف وسلّت
بغائط قندابيل والموت خائضعليها بآجال لها قد أظلّت
فما برحت تسقى كؤوس حمامهاإذا نهلت كرّوا عليها فعلّت
إلى أن أبادتهم تميم وأكذبتأمانيّ للشّيطان عنها اضمحلّت
وحان فراق منهم كلّ خدلةمفارقة بعلا به قد تملّت
وهي أيضا طويلة قال: فبلغ مسلم بن الوليد هجاء ابن قنبر للأزد وطيّى وردّه على الطّرمّاح بعد موته.
فغضب من ذلك. وقال: ما المعنى في مناقضة رجل ميّت وإثارة الشّرّ بذكر القبائل، لا سيّما وقد أجابه الفرزدق عن قوله؟ فأبى ابن قنبر إلا تماديا في مناقضته، فقال مسلم قصيدته الّتي أولها:
آيات أطلال برامة درّسهجن الصّبابة إذ ذكرت معرّسي
أوحت إلى درر الدّموع فأسبلتواستفهمتها غير أن لم تنبس
يقول فيها يصف الخمر:
صفراء من حلب الكروم كسوتهابيضاء من حلب الغيوم البجّس
طارت ولاوذها الحباب فحاكهافكأن حليتها جنيّ النّرجس
ويقول فيها يصف السّيوف:
وتفارق الأغماد تبدو تارةحمرا وتخفى تارة في الأرؤس
حرب يكون وقودها أبناءهالقحت على عقر ولمّا تنفس
من هارب ركب النّجاء ومقعصجثمت منيّته على المتنفّس
غصبته أطراف الأسنّة نفسهفثوى فريسة ولّغ أو نهّس
إن كنت نازلة اليفاع فنكّبيدار الرّباب وخزرجي أو أوّسي
وتجنّبي الجعراء إنّ سيوفهمحدث وإن قناتهم لم تضرس
هل طيّىء الأجبال شاكرة امرىءذاد القوافي عن حماها مردس
أحمي - أبا نفر - عظام حفيرةدرست وباقي غرسها لم يدرس
كافأت نعمتها بضعف بلائهاثم انفردت بمنصب لم يدنس
وإذا افتخرت عددت سعي مآثرقصرت على الإغضاء طرف الأشوس
رفعت بنو النّجّار حلفي فيهمثم انفردت فأفسحوا عن مجلسي
فاعقل لسانك عن شتائم قومنالا يعلقّنك خادر من مأنس
أخلفت فخرك من أبيك وجئتنيبأب جديد بعد طول تلمّس
أخذت عليه المحكمات طريقهافغدا يهاجي أعظما في مرمس
قال: فلم يجبه ابن قنبر عن هذه بشيء، ثم التقيا فتعاتبا، واعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال مسلم يهجوه:
حلم ابن قنبر حين قصّر شعرههل كان يحلم شاعر عن شاعر
وقد مضت هذه الأبيات متقدّما. قال: ومكث ابن قنبر حينا لا يجيبه عن هذا ولا عن غيره بشيء طلبا للكفاف، ثم هجا مسلم قريشا وفخر بالأنصار فقال:
قل لمن تاه إذ بنا عزّ جهلاليس بالتّيه يفخر الأحرار
فتناهوا وأقصروا فلقد جارت عن القصد فيكم الأنصار
أيّكم حاط ذا جوار بعزّقبل أن تحتويه منّا الدّار
أو رجا أن يفوت قوما بوترلم تزل تمتطيهم الأوتار
لم يكن ذاك فيكم فدعوا الفخر بما لا يسوغ فيه افتخار
ونزارا ففاخروا تفضلوهمودعوا من له عبيدا نزار
فبنا عزّ منكم الذّلّ والدّهر عليكم بريبة كرّار
حاذروا دولة الزّمان عليكمإنّه بين أهله أطوار
فتردّوا ونحن للحالة الأولي وللأوحد الأذلّ الصّغار
فاخرتنا لمّا بسطنا لها الفخر قريش وفخرها مستعار
ذكرت عزّها وما كان فيهاقبل أن يستجيرنا مستجار
إنّما كان عزّها في جبالترتقيها كما ترقّى الوبار
أيّها الفاخرون بالعزّ، والعزّ لقوم سواهم والفخار
أخبرونا من الأعزّ أألمنصور حتى اعتلى أم الأنصار؟
فلنا العزّ قبل عزّ قريشوقريش تلك الدّهور تجار
قال: فانبرى له ابن قنبر يجيبه فقال:
ألا أمثل أمير المؤمنين بمسلموأفلق به الأحشاء من كل مجرم
ولا ترجعن عن قتله باستتابةفما هو عن شتم النّبي بمحرم
ولا عن مساواة له ولقومهقريش بأصداء لعاد وجرهم
ويفخر بالأنصار جهلا على الّذيبنصرته فازوا بحظّ ومغنم
وسمّوا به الأنصار لا عزّ قائلأراد قريشا بالمقال المذمّم
ومنهم رسول اللّه أزكى من انتمىإلى نسب زاك ومجد مقدّم
وما كانت الأنصار قبل اعتصامهابنصر قريش في المحلّ المعظّم
ولا بالألى يعلون أقدار قومهمصداء وخولان ولخم وسلهم
ولكنّهم باللّه عاذوا ونصرهمقريشا ومن يستعصم اللّه يعصم
فعزّوا وقد كانوا وفطيون فيهممن الذلّ في باب من العز مبهم
يسومهم الفطيون ما لا يسامهكريم ومن لا ينكر الظّلم يظلم
وإنّ قريشا بالمآثر فضّلتعلى الخلق طرّا من فصيح وأعجم
فما بال هذا العلج ضلّ ضلالهيمدّ إليهم كفّ أجذم أعسم
يسامي قريشا مسلم وهم همبمولى يمانيّ وبيت مهدّم
إذا قام فيه غيرهم لم يكن لهمقام به من لؤم مبنى ومدعم
جعاسيس أشباه القرود لو أنّهميباعون ما ابتيعوا جميعا بدرهم
وما مسلم من هؤلاء ولا ألىولكنّه من نسل علج ملكّم
تولّى زمانا غيرهم ثمّت ادّعىإليهم فلم يكرم ولم يتكرّم
فإن يك منهم فالنّضير ولفّهممواليه لا من يدّعي بالتّزعّم
وإن تدعه الأنصار مولى أسمهمبقافية تستكره الجلد بالدّم
عقابا لهم في إفكهم وادّعائهملأقلف منقوش الذراع موشّم
فلا تدّعوه وانتفوا منه تسلموابنفيكموه من مقام ومأثم
وإلا فغضّوا الطّرف وانتظروا الرّدىإذا اختلفت فيكم صوارد أسهمي
ولم تجدوا منها مجنّا يجنّكمإذا ذلعت من كلّ فجّ ومعلم
وأنتم بنو أذناب من أنتم لهولستم بأبناء السّنام المقدّم
ولا ببني الرأس الرفيع محلّهفيسمو بكم مولّى مسام وينتمي
فكيف رضيتم أن يسامى نبيّكمببيتكم الرّثّ القصير المهدّم
سأحطم من سامى النبيّ تطاولاعليه وأكوي منتماه بميسم
أيعدل بيت يثربيّ بكعبةثوتها قريش في المكان المحرّم
قريش خيار اللّه واللّه خصّهمبذلك فاقعس أيّها العلج وارغم
ومن يدّعي منه الولاء مؤخّرإذا قيل للجاري إلى المجد أقدم
قال: وكان مسلم قال هذه القصيدة في قريش وكتمها، فوقعت إلى ابن قنبر، وأجابه عنها، واستعلى عليه وهتكه، وأغرى به السّلطان، فلم يكن عند مسلم في هذا جواب أكثر من الانتفاء منها، ونسبتها إلى ابن قنبر، والادّعاء عليه أنّه ألصقها به ونسبها إليه، ليعرّضه للسّلطان، وخافه فقال ينتفي من هذه القصيدة ويهجو تميما:
دعوت أمير المؤمنين ولم تكنهناك، ولكن من يخف يتجسّم
وإنّك إذ تدعو الخليفة ناصرالكالمترقّي في السماء بسلّم
كذاك الصّدى تدعو من حيث لا ترىوإن تتوهّمه تمت في التّوهّم
هجوت قريشا عامدا ونحلتنيرويدك يظهر ما تقول فيعلم
إذا كان مثلي في قبيلي فإنّهعلى ابني لؤيّ قصرة غير متهم
سيكشفك التّعديل عمّا قرفتنيبه فتأخّر عارفا أو تقدّم
فإنّ قريشا لا تغيّر ودّهاولا يستمال عهدها بالتّزعّم
مضى سلف منهم وصلّى بعقبهملنا سلف في الأوّل المتقدّم
جروا فجرينا سابقين بسبقهمكما اتّبعت كفّ نواشر معصم
وإنّ الّذي يسعى ليقطع بينناكملتمس اليربوع في جحر أرقم
أضلّك قدع الآبدات طريقهافأصبحت من عميائها في تهيّم
وخانتك عند الجري - لمّا اتّبعتها -تميم فحاولت العلا بالتقحّم
فأصبحت ترميني بسهمي وتتّقىيدي بيدي، أصليت نارك فاضرم
قال: ثم هجاه ابن قنبر بقصيدة أوّلها:
قل لعبد النّضير مسلم الوغد الدّنيّ اللئيم شيخ النّصاب
اخس يا كلب إذ نبحت فإنّيلست ممن يجيب نبح الكلاب
أفأرضى ومنصبي منصب العزّوبيتي في ذروة الأحساب
أن أحطّ الرّفيع من سمك بيتيبمهاجاة أوشب الأوشاب
من إذا سيل: من أبوه؟ بدا منهحياء يحميه رجع الجواب
وإذا قيل حين يقبل: منأنت ومن تعتزيه في الأنساب
قلت: هاجي ابن قنبر، فتسربلت بذكري فخرا لدى النّسّاب
وهي قصيدة طويلة، فلم يجبه مسلم عنها بشيء، فقال فيه ابن قنبر أيضا:
لست أنفيك إن سواي نفاكاعن أبيك الّذي له منتماكا
ولماذا أنفيك يا بن وليدمن أب إن ذكرته أخزاكا
ولو أنّي طلبت ألأم منهلم أجده إن لم تكن أنت ذاكا
لو سواه أباك كان جعلناه إن الناس طاوعونا أباكا
حاك دهرا بغير حذق لبردوتحوك الأشعار أنت كذاكا
وهي طويلة، فلم يجبه مسلم عنها بشيء، فقال ابن قنبر أيضا يهجوه:
فخر العبد عبد قنّ اليهودبضعيف من فخره مردود
فاخر الغرّ من قريش بإخوان خنازير من يثرب والقرود
يتولّى بني النّضير ويدعوبهم الفخر من مكان بعيد
وبني الأوس والخزرج أهل الذّلّ في سالف الزّمان التّليد
إذ رضوا بافتضاض فطيون منهمكلّ بكر ريّا الرّوادف رود
وبنو عمّها شهود لما يفعل فطيون قبّحوا من شهود
خلف باب الفطيون والبغل منهملا بذي غيرة ولا بنجيد
فإذا ما قضى اليهوديّ منهانحبه قنّعوا بخزي جديد
قال: فلما أفحش في هذه القصيدة وفي عدّة قصائد قالها، ومسلم لا يجيبه، مشى إليه قوم من مشيخة الأنصار، واستعانوا بمشيخة من قرّاء تميم وذوي العلم والفضل منهم، فمشوا معهم إليه فقالوا له: ألا تستحي من أن تهجو من لا يجيبك؟ أنت بدأت الرّجل فأجابك، ثم عدت فكفّ، وتجاوزت ذلك إلى ذكر أعراض الأنصار الّتي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحميها ويذبّ عنها ويصونها، لغير حال أحلّت لك ذلك منهم، فما زالوا يعظونه ويقولون له كل قول حتى أمسك عن المناقضة لمسلم، فانقطعت.
صوت
ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتهمشمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
يحكي أفاعيله في كلّ نائبةالغيث والليث والصّمصامة الذّكر
الشّعر لمحمد بن وهيب، والغناء لعلّويه ثقيل أول بالوسطى، وفيه لإبراهيم بن المهديّ ثقيل أول آخر عن الهشاميّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع