تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار أبي نخيلة ونسبه

ديوان أبو نخيلةفيه ١٧٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أبو نخيلة اسمه لا كنيته، ويكنى أبا الجنيد، ذكر الأصمعي ذلك وأبو عمرو الشيباني وابن حبيب، لا يعرف له اسم غيره، وله كنيتان: أبو الجنيد وأبو العرماس، وهو ابن حزن بن زائدة بن لقيط بن هرم بن يثربيّ، وقيل: بن أثربي بن ظالم بن مجاسر بن حمّاد بن عبد العزى بن كعب بن لؤي بن سعد بن زيد مناة بن تميم.

وكان عاقا بأبيه، فنفاه أبوه عن نفسه، فخرج إلى الشام وأقام هناك إلى أن مات أبوه، ثم عاد ويبقي مشكوكا في نسبه، مطعونا عليه. وكان الأغلب عليه الرجز، وله قصيد ليس بالكبير.

ولما خرج إلى الشأم اتصل بمسلمة بن عبد الملك، فاصطنعه وأحسن إليه وأوصله إلى الخلفاء واحدا بعد واحد، واستماحهم له فأغنوه، وكان بعد ذلك قليل الوفاء لهم. انقطع إلى بني هاشم، ولقّب نفسه شاعر بني هاشم، فمدح الخلفاء من بني العباس، وهجا بني أمية فأكثر.

وكان طمعه، فحمله ذلك على أن قال في المنصور أرجوزة يغريه فيها بخلع عيسى بن موسى وبعقد العهد لابنه محمد المهدي، فوصله المنصور بألفي درهم، وأمره أن ينشدها بحضرة عيسى بن موسى ففعل. فطلبه عيسى فهرب منه؛ وبعث في طلبه مولى له، فأدركه في طريق خراسان، فذبحه وسلخ جلده.

أخبرني هاشم الخزاعي عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمه قال: رأي أبو نخيلة على شبيب حلة فأعجبته، فسأله إياها، فوعده ومطله، فقال فيه:

يا قوم لا تسوّدوا شبيباالخائن ابن الخائن الكذوبا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
هل تلد الذّيبة إلا الذيبا؟

قال: فبلغه ذلك، فبعث إليه بها فقال:

إذا غدت سعد على شبيبهاعلى فتاها وعلى خطيبها
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
من مطلع الشمس إلى مغيبهاعجبت من كثرتها وطيبها
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

حدّثني حبيب بن نصر المهلّبيّ عن عمر بن شبّة، قال: حدّثني الرّعل بن الخطاب قال: بني أبو نخيلة داره، فمرّ به خالد بن صفوان وكان بينهما مداعبة قديمة، ومودة وكيدة، فوقف عليه.

فقال أبو نخيلة: يا بن صفوان، كيف ترى داري؟ قال: رأيتك سألت فيها إلحافا، وأنفقت ما جمعت إسرافا.

جعلت إحدى يديك سطحا، وملأت الأخرى سلحا، فقلت: من وضع في سطحي وإلا ملأته بسلحي، ثم ولّى وتركه.

فقيل له: ألا تهجوه؟ فقال: إذن واللّه يركب بغلته، ويطوف في مجالس البصرة، ويصف أبنيتي بما يعيبها.

وما عسى أن يضرّ الإنسان صفة أبنيته بما يعيبها سنة ثم لا يعيد فيها كلمة.

أخبرني الحسن بن علي الخفّاف عن ابن مهرويه عن أبي مسلم المستملي عن الحرمازي عن يحيى بن نجيم قال: لما انتفى أبو نخيلة من أبيه خرج يطلب الرزق لنفسه، فتأدب بالبادية حتى شعر وقال رجزا كثيرا وقصيدا صالحا وشهر بهما، وسار شعره في البدو والحضر، ورواه الناس.

ثم وفد إلى مسلمة بن عبد الملك فرفع منه، وأعطاه، وشفع له، وأوصله إلى الوليد بن عبد الملك، فمدحه، ولم يزل به حتى أغناه، قال يحيى بن نجيم: فحدّثني أبو نخيلة قال: وردت على مسلمة بن عبد الملك فمدحته، وقلت له:

أمسلم إني يا بن كلّ خليفةويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض
شكرتك إنّ الشكر حبل من التقىوما كل من أوليته نعمة يقضي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وألقيت لما أن أتيتك زائراعليّ لحافا سابغ الطول والعرض
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وأحييت لي ذكرى وما كان خاملاولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

قال: فقال لي مسلمة: ممن أنت؟ فقلت: من بني سعد. فقال: ما لكم يا بني سعد والقصيد وإنما حظكم في الرجز؟ قال: فقلت له: أنا واللّه أرجز العرب، قال: فأنشدني من رجزك، فكأني واللّه لما قال ذلك لم أقل رجزا قط، أنسانيه اللّه كلّه، فما ذكرت منه ولا من غيره شيئا إلا أرجوزة لرؤبة كان قالها في تلك السنة، فظننت أنها لم تبلغ مسلمة، فأنشده إياها، فنكس رأسه وتتعتعت، فرفع رأسه إليّ وقال: لا تتعب نفسك، فأنا أروى لها منك، قال: فانصرفت وأنا أكذب الناس عنده وأخزاهم عند نفسي حتى تلطفت بعد ذلك ومدحته برجز كثير، فعرفني وقرّبني. وما رأيت ذلك أثر فيه، يرحمه اللّه ولا قرّ عني به حتى افترقنا.

وحدّثني أبو نخيلة قال: لما انصرف مسلمة من حرب يزيد بن المهلب تلقيته، فلما عاينته صحت به:

مسلم يا مسلمة الحروبأنت المصفّى من أذى العيوب
مصاصة من كرم وطيبلو لا ثقاف ليس بالتدبيب
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
تفري به عن حجب القلوبلأمست الأمّة شاء الذيب
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

فضحك وضمّني إليه، وأجزل صلتي.

حدّثني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه، وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثني عليّ بن محمد النّوفلي عن أبيه - وقد جمعت روايتهما وأكثر اللفظ للأصمعي، قال: قال أبو نخيلة: وفدت على هشام بن عبد الملك فصادفت مسلمة قد مات، وكنت بأخلاق هشام غرّا وأنا غريب، فسألت عن أخص الناس به، فذكر لي رجلان: أحدهما من قيس، والآخر من اليمن، فعدلت إلى القيسي بالتؤدة فقلت: هو أقربهما إليّ، وأجدرهما بما أحب، فجلست إليه، ثم وضعت يدي على ذراعه وقلت له: إني مسستك لتمسّني رحمك.

أنا رجل غريب شاعر من عشيرتك، وأنا غير عارف بأخلاق هذا الخليفة، وأحببت أن ترشدني إلى ما أعمل فينفعني عنده، وعلى أن تشفع لي وتوصلني إليه، فقال: ذلك كلّه لك عليّ. وفي الرجل شدة، ليس كمن عهدت من أهله، وإذا سئل وخلط مدحه بطلب حرم الطالب، فأخلص له المدح، فإنه أجدر أن ينفعك، واغد إليه غدا فإني منتظرك بالباب حتى أوصلك، واللّه يعينك. فصرت من غد إلى باب هشام، فإذا بالرجل منتظر لي، فأدخلني معه، وإذا بأبي النجم قد سبقني فبدأ فأنشده قوله:

إلى هشام وإلى مروانبيتان ما مثلهما بيتان
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
كفّاك بالجود تباريانكما تبارى فرسا رهان
مال عليّ حدث الزمانوبيع ما يغلو من الغلمان
بالثمن الوكس من الأثمانوالمهر بعد المهر والحصان

قال: فأطال فيها وأكثر المسألة حتى ضجر هشام، وتبينت الكراهة في وجهه، ثم استأذنت فأذن لي، فأنشدته:

لما أتتني بغية كالشّهدوالعسل الممزوج بعد الرقد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
يا بردها لمشتف بالبردرفعت من أطمار مستعدّ
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وقلت للعيس إعتلي وجديفهي تخدّي أبرح التخدي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
كم قد تعسّفت بها من نجدومجرهدّ بعد مجرهدّ
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
قد ادّرعن في مسير سمدليلا كلون الطيلسان الجرد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
إلى أمير المؤمنين المجديربّ معدّ وسوى معدّ
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ممن دعا من أصيد وعبدذي المجد والتشريف بعد المجد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
في وجهه بدر بدا بالسّعدأنت الهمام القرم عند الجد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
طوّقتها مجتمع الأشدفانهلّ لما قمت صوب الرعد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

قال: حتى أتيت عليها وهممت أن اسأله، ثم عزفت نفسي وقلت: قد استنصحت رجلا، وأخشى أن أخالفه فأخطى ء، وحانت مني التفاتة فرأيت وجه هشام منطلقا. فلما فرغت أقبل على جلسائه فقال: الغلام السّعديّ أشعر من الشيخ العجلي، وخرجت. فلما كان بعد أيام أتتنى جائزته، ثم دخلت عليه بعد ذلك، وقد مدحته بقصيدة فأنشدته إياها فألقى عليّ جبّة خز من جبابه مبطنة بسمّور، ثم دخلت عليه يوما آخر، فكساني دوّاجا كان عليه من خز أحمر مبطن بسمّور، ثم دخلت عليه يوما ثالثا فلم يأمر لي بشيء، فحملتني نفسي على أن قلت له:

كسوتنيها فهي كالتّجفافمن خزك المصونة الكثاف
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
كأنني فيها وفي اللّحافمن عبد شمس أو بني مناف
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
والخزّ مشتاق إلى الأفواف

قال، فضحك - وكانت عليه جبة أفواف - وأدخل يده فيها ونزعها ورمى بها إليّ، وقال: خذها، فلا بارك اللّه لك فيها.

قال محمد بن هشام في خبره خاصة: فلما أفضت الخلافة إلى السفاح نقلها إليه وغيّرها وجعلها فيه - يعني الأرجوزة الدالية - فهي الآن تنسب في شعره إلى السفاح.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال: حدّثني أبو عمر الخصاف عن العتبي قال: لما حبس عمر بن هبيرة الفرزدق وهو أمير العراق أبي أن يشفّع فيه أحدا، فدخل عليه أبو نخيلة في يوم فطر، فوقف بين يديه وأنشأ يقول:

أطلقت بالأمس أسير بكرفهل، فداك نفري ووفري
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
من سبب أو حجة أو عذرينجي التميميّ القليل الشكر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
من حلق القيد الثّقال السّمرما زال مجنونا على است الدهر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ذا حسب ينمو وعقل يحريهبه لأخوالك يوم الفطر

قال: فأمر بإطلاقه، وكان قد أطلق قبله رجلا من عجل جيء به من عين التمر قد أفسد، فشفعت فيه بكر بن وائل فأطلقه. وإياه عني أبو نخيلة. فلما أخرج الفرزدق سأل عمن شفع له فأخبر، فرجع إلى الحبس وقال: لا أريمه ولو مت. انطلق قبلي بكري وأخرجت بشفاعة دعيّ، واللّه لا أخرج هكذا ولو من النار. فأخبر ابن هبيرة بذلك فضحك ودعا به فأطلقه، وقال: وهبتك لنفسك. وكان هجاه فحبسه لذلك، فلما عزل ابن هبيرة وحبس مدحه الفرزدق، فقال: ما رأيت أكرم منه، هجاني أميرا ومدحني أسيرا.

وجدت هذا الخبر بخط القاسم بن يوسف، فذكر أن أبا القاسم الحضرميّ حدّثه أن هذه القصة كانت لأبي نخيلة مع يزيد بن عمر بن هبيرة، وأنه أتي بأسيرين من الشّراه أخذا بعين التمر: أحدهما أبو القاسم بن بسطام بن ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، والآخر رجل من بكر بن وائل. فتكلم في البكري قومه فأطلقه، ولم يتكلم في التميميّ أحد، فدخل عليه أبو نخيلة فقال:

الحمد للّه وليّ الأمرهو الّذي أخرج كلّ غمر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وكلّ عوّار وكلّ وغرمن كلّ ذي قلب نقيّ الصدر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
لما أتت من نحو عين التمرستّ أثاف، لا أثافي القدر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
فظلّت القضبان فيهم تجريهبرا هو الهبر وفوق الهبر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
إني لمهد للإمام الغمرشعري ونصح الحب بعد الشعر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

ثم ذكر باقي الأبيات كما ذكرت في الخبر المتقدم.

أخبرني أبو الحسن الأسديّ أحمد بن محمد قال: حدّثني محمد بن صالح بن النّطاح قال: ذكر عن العتبي أن أبا نخيلة حج ومعه جريب من سويق قد حلّاه بقند، فنزل منزلا في طريقه، فأتاه أعرابي من بني تميم وهو يقلب ذلك السويق، واستحيا منه فعرض عليه، فتناول ما أعطاه فأتى عليه، ثم قال: زدني يا بن أخ، فقال أبو نخيلة:

لما نزلنا منزلا ممقوتانريد أن نرحل أو نبيتا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
جئت ولم ندر من أين جيتاإذا سقيت المزبد السّحتيتا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
قلت ألا زدني وقد رويتا

فقام الأعرابيّ وهو يسّبه.

وحدّثني بهذا الخبر هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعيّ قال: حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: كان أبو نخيلة إذا نزل به ضيف هجاه، فنزل به يوما رجل من عشيرته، فسقاه سويقا قد حلّاه، فقال له: زدني، فزاده. فلما رحل هجاه وذكر الأبيات بعينها، وقال في الخبر قال أبو عبيدة: السّحتيت: السويق الدّقاق.

أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابيّ قال: حدّثني ابن عائشة قال: دخل أبو نخيلة على أبي العباس السفاح فسلّم، واستأذن في الإنشاد، فقال له أبو العباس: لا حاجة لنا في شعرك، إنما تنشدنا فضلات بني مروان، فقال: يا أمير المؤمنين:

كنا أناسا نرهب الأملاكاإذ ركبوا الأعناق والأوراكا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
قد ارتجينا زمنا أباكاثم ارتجينا بعده أخاكا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ثم ارتجينا بعده إياكاوكان ما قلت لمن سواكا
زورا فقد كفّر هذا ذاكا

فضحك أبو العباس، وأجازه جائزة سنية، وقال: أجل، إن التوبة لتكفر ما قبلها، وقد كفّر هذا ذاك.

وأخبرنا أبو الفياض سوّار بن أبي شراعة قال: حدّثني أبي عن عبد الصمد بن المعذّل عن أبيه قال: دخل أبو نخيلة على أبي العباس، قال وكان لا يجترىء عليه مع ما يعرفه به من اصطناع مسلمة إياه، وكثرة مديحه لبني مروان حتى علم أنه قد عفا عمّن هو أكبر محلّا من القوم وأعظم جرما منه، فلما وقف بين يديه سلّم عليه، ودعا له وأثنى، ثم استأذنه في الإنشاد، فقال له: ومن أنت؟ قال: عبدك يا أمير المؤمنين أبو نخيلة الحمّاني. فقال: لا حيّاك اللّه، ولا قرّب دارك يا نضو السوء. ألست القائل في مسلمة بن عبد الملك بالأمس:

أمسلم يا من ساد كلّ خليفةويا فارس الهيجا ويا قمر الأرض؟

واللّه لو لا أني قد أمّنت نظراءك لما ارتدّ إليك طرفك حتى أخضبك بدمك. فقال أبو نخيلة: كنّا أناسا نرهب الأملاكا

وذكر الأبيات المتقدمة كلّها مثل ما مضى من ذكرها، فتبسم أبو العباس، ثم قال له: أنت شاعر وطالب خير. وما زال الناس يمدحون الملوك في دولهم، والتوبة تكفر الخطيئة، والظّفر يزيل الحقد. وقد عفونا عنك، واستأنفنا الصنيعة لك. وأنت الآن شاعرنا فاتّسم بذلك فيزول عنك ميسم بني مروان، فقد كفّر هذا ذاك. كما قلت. ثم التفت إلى أبي الخصيب فقال: يا مرزوق، أدخله دار الرقيق فخيّره جارية يأخذها لنفسه، ففعل واختار جارية وطفاء كثيرة اللحم فلم يحمدها، فلما كان من غد دخل على أبي العباس وعلى رأسه وصيفة حسناء تذبّ عنه، فقال له: قد عرفت خبر الجارية الّتي أخذتها بالأمس وهي كذنا كونه فاحتفظ بها، فأنشأ يقول:

إني وجدت الكذنا ذنوّكاغير منيك فابغني منيّكا
حتى إذا حركته تحرّكا

فضحك أبو العباس، وقال: خذ هذه الوصيفة، فإنك إذا خلوت بها تحرّك من غير أن تحركه.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: أدّان أبو نخيلة من بقّال له يقال له: ماعز الكلابيّ باليمامة، وكان يأخذ منه أولا أولا حتى كثر ما عليه وثقل، فطالبه ماعز فمطله، ثم بلغه أنه قد استعدى عليه عامل اليمامة، فارتحل يريد الموصل، وخرج عن اليمامة ليلا، فلم يعلم به ماعز إلّا بعد ثلاث. وقد نجا أبو نخيلة وقال في ذلك:

يا ماعز الكرّاث قد خزيتالقد خدعت ولقد هجيتا
كدت تخصينا فقد خصيتاوكنت ذا حظ فقد محيتا
ويحك لم تعلم بمن صليتاولا بأيّ حجر رميتا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
إذا رأيت المزبد الهبوتايركب شدقا شدقما هريتا
طر بجناحيك فقد أتيتاحرّان حرّان فهيتا هيتا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
والموصل الموصل أو تكريتاحيث تبيع النبط البيوتا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ويأكلون العدس المريتا

وقال أيضا لماعز هذا:

يا ماعز القمل وبيت الذّلّبتناوبات البغل في الإصطبل
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وبات شيطان القوافي يمليعلى امرىء فحل وغير فحل
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
لا خير في علمي ولا في جهليلو كان أودى ماعز بنخلي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ما زال يقليني وعيمي يغليحتى إذا العيم رمى بالجفل
طبّقت تطبيق الجراز النصل

نسخت من كتاب اليوسفيّ.

حدّثني المنمق بن جمّاع عن أبيه قال: كان أبو نخيلة نذلا يرضيه القليل، ويسخطه، وكان الربيع ينزله عنده، ويأمر سائسا يتفقد فرسه، فمدح الربيع بأرجوزة، ومدح فيها معه سائسه فقال:

لو لا أبو الفضل ولو لا فضلهما اسطيع باب لا يسنّي قفله
ومن صلاح راشد إصطبلهنعم الفتى وخير فعل فعله
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
يسمن منه طرفه وبغله

فضحك الربيع، وقال: يا أبا نخيلة أترضى أن تقرن بي السائس في مديح! كأنك لو لم تمدحه معي كان يضيع فرسك.

قال: ونزل أبو نخيلة بسليمان بن صعصعة، فأمر غلامه بتعهده، وكان يغاديه ويراوحه في كل يوم بالخبز واللحم، فقال أبو نخيلة يمدح خبّاز سليمان بن صعصعة:

بارك ربّي فيك من خبازما زلت إذ كنت على أوفاز
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعيّ قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال: حدثنا أحمد بن المعذّل عن عليّ بن أبي نخيلة الحمانيّ قال: دخلت مع أبي إلى أرض له وقد قدم من مكة، فرآها وقد أضرّ بها جفاء القيّم عليها وتهاونه بها، وكلما رآه الذين يسقونها زادوا في العمل والعمارة حتى سمعت نقيض الليف، فقلت: الساعة يقول في هذا شعرا، فلم ألبث أن التفت إليّ وقال:

شاهد مالا ربّ مال فساسهسياسة شهم حازم وابن حازم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
أقام بها العصرين حينا ولم يكنكمن ضنّ عن عمرانها بالدراهم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
كأنّ نقيض الليف عن سعفاتهنقيض رحال الميس فوق العياهم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وأضحت تغالي بالنبات كأنهاعلى متن شيخ من شيوخ الأعاجم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وما الأصل ما رويت مضرب عرقهمن الماء عن إصلاح فرع بنائم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

أخبرني بهذا الخبر محمد بن مزيد عن أبي الأزهر البوشنجيّ قال: حدثنا حماد بن إسحاق الموصليّ عن النضر بن حديد عن أبي محضة عن الأزرق بن الخميس بن أرطاة - وهو ابن أخت أبي نخيلة - فذكر قريبا مما ذكر في الخبر الّذي قبله.

وأخبرني عيسى بن الحسن الورّاق المروزيّ قال: حدثنا عليّ بن محمد النّوفليّ قال: حدّثني أبي قال: ابتاع أبو نخيلة دارا في بني حمّان ليصحح بها نسبه، وسأل في بنائها، فأعطاه الناس اتقاء للسانه وشرّه، فسأل شبيب بن شيبة فلم يعطه شيئا واعتذر إليه، فقال:

يا قوم لا تسوّدوا شبيباالملذان الخائن الكذوبا
هل تلد الذّيبة إلا الذيبا

فقال شبيب: ما كنت لأعطيه على هذا القول شيئا، فإنه قد جعل إحدى يديه سطحا، وملأ الأخرى سلحا، وقال: من وضع شيئا في سطحي وإلا ملأته بسلحي، من أجل دار يريد أن يصحح نسبه بها، فسفر بينهما مشايخ الحيّ يعطيه، فأبى شبيب أن يعطيه شيئا، وحلف أبو نخيلة ألا يكفّ عن عرضه أو يأخذ منه شيئا يستعين به. فلما رأى شبيب ذلك خافه، فبعث إليه بما سأل، وغدا أبو نخيلة عليه وهو جالس في مجلسه مع قومه، فوقف عليهم، ثم أنشأ يقول:

إذا غدت سعد على شبيبهاعلى فتاها وعلى خطيبها
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
من مطلع الشمس إلى مغيبهاعجبت من كثرتها وطيبها
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: دخل أبو نخيلة على عمر بن هبيرة، وعنده رؤبة قد قام من مجلسه فاضطجع خلف ستر، فأنشد أبو نخيلة مديحه له، ثم قال ابن هبيرة: يا أبا نخيلة، أيّ شيء أحدثت بعدنا؟ فاندفع ينشده أرجوزة لرؤبة، فلما توسطها كشف رؤبة الستر، وأخرج رأسه من تحته، فقال له: كيف أنت يا أبا نخيلة؟ فقطع إنشاده وقال: بخير أبا العجاج، فمعذرة إليك ما علمت بمكانك، فقال له رؤبة: ألم ننهك أن تعرض لشعري إذا كنت حاضرا، فإذا ما غبت فشأنك به! فضحك أبو نخيلة، وقال: هل أنا إلا حسنة من حسناتك، وتابع لك، وحامل عنك؟ فعاد رؤبة إلى موضعه فاضطجع، ولم يراجعه حرفا. واللّه أعلم.

أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا دماذ عن أبي عبيدة: أن أبا نخيلة قدم على المهاجر بن عبد اللّه الكلابي - وكان أبو نخيلة أشبه خلق اللّه به وجها وجسما وقامة، لا يكاد الناظر إلى أحدهما أن يفرق بينه وبين الآخر - فدخل عليه فأنشده قوله فيه:

يا دار أمّ مالك ألا اسلميعلى التنائي من مقام وانعمي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
كيف أنا إن أنت لم تكلّميبالوحي أو كيف بأن تجمجمي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
تقول لي بنتي ملام اللّوّميا أبتا إنك يوما مؤتمي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
فقلت كلّا فاعلمي ثم اعلميأني لميقات كتاب محكم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
لو كنت في ظلمة شعب مظلمأو في السماء أرتقي بسلّم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
لا نصبّ مقداري إلى مجرنثميإني وربّ الراقصات الرسّم
وربّ حوض زمزم وزمزملأستبين الخير عند مقدمي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وعند ترحالي عن مخيّميعلى ابن عبد اللّه قرم الأقرم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
فإنني بالعلم ذو ترسّملم أدر ما مهاجر التكرم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
حتى تبينت قضايا الغشّممهاجر يا ذا النوال الخضرم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
أنت إذا انتجعت خير مغنممشترك النائل جمّ الأنعم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ولتميم منك خير مقسمإذا التقوا شتى معا كالهيّم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
قد علم الشأم وكلّ موسمأنك تحلو لي كحلو المعجم
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
طورا وطورا أنت مثل العلقم

قال: فأمر له المهاجر بناقة، فتركها ومضى مغضبا، وقال يهجوه:

إن الكلابيّ اللئيم الأثر ماأعطى على المدحة نابا عرزما
ما جبر العظم ولكن تمّما

فبلغ ذلك المهاجر، فبعث فترضّاه، وقام في أمره بما يحب، ووصله، فقال له أبو نخيلة: هذه صلة المديح، فأين صلة الشّبه؟ فإن التشابه في الناس نسب، فوصله حتى أرضاه، فلم يزل يمدحه بعد ذلك حتى مات، ورثاه بعد وفاته فقال:

خليليّ مالي باليمامة مقعدولا قرّة للعين بعد المهاجر
مضى ما مضى من صالح العيش فاربعاعلى ابن سبيل مزمع البين عابر
فإن تك في ملحودة يا بن وائلفقد كنت زين الوفد زين المنابر
وقد كنت لو لا سلّك السيف لم ينممقيم ولم تأمن سبيل المسافر
لعزّ على الحيّين قيس وخندفتبكّي عليّ والوليد وجابر
هوى قمر من بينهم فكأنماهوى البدر من بين النجوم الزواهر

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: تزوّجت أخت أبي نخيلة برجل يقال له ميار، وكان أبو نخيلة يقوم بمالها مع ماله، ويرعى سوامها مع سوامه، ويستبدّ عليها بأكثر منافعها، فخاصمته يوما من وراء خدرها في ذلك، فأنشأ يقول:

أظلّ أرعى وترا هزيناململما ترى له غضونا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ذا أبن مقوما عثنونايطعن طعنا يقضب الوتينا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ويهتك الأعفاج والرّبينايذهب ميّار وتقعدينا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وتفسدين أو تبذّريناوتمنحين استك آخرينا

أير الحمار في است هذا دينا

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: تزوّج أبو نخيلة امرأة من عشيرته، فولدت له بنتا، فغمه ذلك، فطلقها تطليقة ثم ندم، وعاتبه قومه فراجعها. فبينما هو في بيته يوما إذ سمع صوت ابنته وأمّها تلاعبها، فحرّكه ذلك ورق لها، فقام إليها فأخذها، وجعل ينزيها ويقول:

يا بنت من لم يك يهوى بنتاما كنت إلا خمسة أو ستا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا بنت من لم يك يهوى بنتا»
حتى حللت في الحشي وحتىفتتّ قلبي من جوى فانفتّا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا بنت من لم يك يهوى بنتا»
لأنت خير من غلام أنتايصبح مخمورا ويمسي سبتا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثنا أبو هفان قال: حدّثني أصحابنا الأهتميون قالوا: دخل عقال بن شبة المجاشعيّ على المهديّ فقال له: أيا أبا الشّيظم، ما بقي من حبك بنات آدم؟ وما يعجبك منهن؟ الّتي عصبت عصب الجانّ، وجدلت جدل العنان، واهتزت اهتزاز البان، أم الّتي بدنت فعظمت وكملت فتمت؟ فقال: يا أمير المؤمنين أحبّهما إليّ الّتي وصفها أبو نخيلة، فإنه كانت له جارية صغيرة وهبها له عمّك أبو العباس السفاح، فكان إذا غشيها صغرت عنه، وقلت تحته، فقال:

إني وجدت الكذنا ذنوكاغير منيك فابغني منيّكا
شيئا إذا حرّكته تحركا

قال، فوهب له المهديّ جارية كاملة فائقة متأدبلة ربعة، فلما أصبح عقال غدا على المهديّ متشكرا، فخرج المهديّ وفي يده مشط يسرّح به لحيته وهو يضحك، فدعا له عقال وقال له: يا أمير المؤمنين ممّ تضحك؟ أدام اللّه سرورك. قال: يا أبا الشيظم، إني اغتسلت آنفا من شيء إذا حركته تحرك، وذكرت قولك الآن لما رأيتك، فضحكت.

أخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد قال: حدّثني أحمد بن القاسم العجلي البرتيّ قال: حدّثني أبو هفان قال: حدّثتني رقية بنت حمل عن أبيها قال: كان أبو نخيلة مدّاحا للجنيد بن عبد الرحمن المريّ، وكان الجنيد له محبّا، يكثر رفده ويقرّب مجلسه، ويحسن، إليه فلما مات الجنيد قال أبو نخيلة يرثيه:

لعمري لئن ركب الجنيد تحملواإلى الشأم من مرّ وراحت ركائبه
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
لقد غادر الركب الشآمون خلفهمفتى غطفانيا يعلل جانبه
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
فتى كان يسرى للعدو كأنماسروب القطا في كلّ يوم كتائبه
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وكان كأن البدر تحت لوائهإذا راح في جيش وراحت عصائبه
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثني أحمد بن القاسم قال: حدّثني أبو هفان عن عبد اللّه بن داود عن عليّ بن أبي نخيلة، قال: كان أبي شديد الرقة عليّ معجبا بي، فكان إذا أكل خصني بأطيب الطعام، وإذا نام أضجعني إلى جنبه، فغاظ ذلك امرأته أمّ حماد الحنفية، فجعلت تعذله وتؤنبه، وتقول: قد أقمت في منزلك، وعكفت على هذا الصبيّ، وتركت الطلب لولدك وعيالك. فقال أبي في ذلك:

ولو لا شهوتي شفتي عليّربعت على الصحابة والركاب
ولكنّ الوسائل من عليّخلصن إلى الفؤاد من الحجاب
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

قال، فازدادت غضبا، فقال لها:

وليس كأمّ حمّاد خليلإذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
منعمة أرى فتقرّ عينيوتكفيني خلائقها عتابي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

فرضيت وأمسكت عنا.

حدّثني عمي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني سهل بن زكريا قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد الباهليّ قال: قال أبان بن عبد اللّه النميريّ يوما لجلسائه - وفيهم أبو نخيلة -: واللّه لوددت أنه قيل فيّ ما قيل في جرير بن عبد اللّه:

لو لا جرير هلكت بجيلهنعم الفتى وبئست القبيله

وأنني أثبت على ذلك مالي كله، فقال له أبو نخيلة: هلم الثواب، فقد حضرني من ذلك ما تريد، فأمر له بدراهم، فقال: اسمع يا طالب ما يجزيه:

لو لا أبان هلكت نميرنعم الفتى وليس فيهم خير

أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدثنا سلمة بن خالد المازنيّ عن أبي عبيدة قال: وقف أبو نخيلة على باب أبي جعفر واستأذن، فلم يصل، وجعلت الخراسانية تدخل وتخرج، فتهزأ به، فيرون شيخا أعرابيّا جلفا فيعبثون به، فقال له رجل عرفه: كيف أنت أبا نخيلة؟ فأنشأ يقول:

أصبحت لا يملك بعضي بعضاأشكو العروق الآبضات أبضا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
كما تشكي الأرحبيّ الغرضاكأنما كان شبابي قرضا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

فقال له الرجل: وكيف ترى ما أنت فيه في هذه الدولة؟ فقال:

أكثر خلق اللّه من لا يدرىمن أيّ خلق اللّه حين يلقى
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وحلة تنشر ثم تطوىوطيلسان يشترى فيغلى
لعبد عبد أو لمولى مولىيا ويح بيت المال ماذا يلقى!
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

وبهذا الإسناد عن أبي عبيدة أن أبا نخيلة قدم على أبان بن الوليد فامتدحه، فكساه ووهب له جارية جميلة، فخرج يوما من عنده، فلقى رجل من قومه، فقيل له: كيف وجدت أبان بن الوليد يا أبا نخيلة؟ فقال:

أكثر واللّه أبان ميريومن أبان الخير كلّ خيري
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ثوب لجلدي وحر لأيري

نسخت من كتاب اليوسفيّ.

حدّثني خالد بن حميد عن أبي عمرو الشيبانيّ قال: أقحمت السنة أبا نخيلة فأتى القعقاع بن ضرار - وهو يومئذ على شرطة الكوفة - فمدحه، وأنزله القعقاع بن ضرار وابنيه وعبديه وركابهم في دار، وأقام لهم الأنزال، ولركابهم العلوفة.

وكان طباخ القعقاع يجيئهم في كلّ يوم بأربع قصاع، فيها ألوان مطبوخة من لحوم الغنم، ويأتيهم بتمر وزبد، فقال له يوما القعقاع: كيف منزلك أبا نخيلة؟ فقال:

ما زال عنّا قصعات أربعشهرين دأبا ذوّد ورجع
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
عبداي وابناي وشيخ يرفعكما يقوم الجمل المطبّع
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

قال: وكان أبو نخيلة يكثر الأكل فأصابته تخمة، فدخل على القعقاع فسأله: كيف أصبحت أبا نخيلة؟ فقال: أصبحت واللّه بشما أمرت خبازك فأتاني بهذا الرّقاق الّذي كأنه الثياب المبلولة، قد غمسه في الشحم غمسا، وأتبعه بزبد، كرأس النعجة الخرسية، وتمر كأنه عنز رابضة. إذا أخذت التمرة من موضعها تبعها من الرّبّ كالسلوك الممدودة، فأمعنت في ذلك، وأعجبني حتى بشمت، فهل من أقداح جياد؟ وبين يدي القعقاع حجّام واقف وسفرة موضوعة فيها المواسي، فإذا أتي بشرّاب النبيذ حلق رؤوسهم ولحاهم. فقال له القعقاع: أتطلب مني النّبيذ وأنت ترى ما أصنع بشرّابه؟ عليك بالعسل والماء البارد، فوثب ثم قال:

قد علم المظلّ والمبيتأني من القعقاع فيما شيت
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
إذا أتت مائدة أتيتببدع لست بها غذيت
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ولّيت فاستشفعت واستعديتكأنني كنت الّذي ولّيت
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ولو تمنّيت الّذي أعطيتما ازددت شيئا فوق ما لقيت
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
أيا بن بيت دونه البيوتأقصر فقد فوق القرى قريت
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ما بين شرابي عسل منعوتولا فرات صرد بيّوت
لكنّي في النوم قد أريترطل نبيذ مخفس سقيت
صلبا إذا جاذبته رويت

فغمزه على إسماعيل ابن أخيه، وأومأ إلى إسماعيل، فأخذ بيده ومضى به إلى منزله، فسقاه حتى صلح.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدثنا قعنب بن المحرز وأبو عمرو الباهليّ قالا: حدثنا الأصمعي قال: دخل أبو نخيلة على أبي العباس السفاح، وعنده أبو صفوان إسحاب بن مسلم العقيليّ، فأنشده قوله:

صادتك يوم الرملتين شعفروقد يصيد القانص المزعفر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
يا صورة حسّنها المصوّرللرّيم منها جيدها والمحجر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

يقول فيها في مدح أبي العباس:

حتى إذا ما الأوصياء عسكرواوقام من تبر النببيّ الجوهر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ومن بني العباس نبع أصفرينميه فرع طيّب وعنصر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
أقبل بالناس الهوى المستبهروصاح في الليل نهار أنور
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
أنا الّذي لو قيل إني أشعرجلّي الضباب الرجز المخبّر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
لمّا مضت لي أشهر وأشهرقلت لنفس تزدهى فتصبر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
لا يستخفنّك ركب يصدرلا منجد يمضي ولا مغوّر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وخالفي الأنباء فهي المحشرأو يسمع الخليفة المطهرّ
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
منّي فإني كلّ جنح أحضروإن بالأنبار غيثا يهمر
والغيث يرجى والديار تنضرما كان إلّا أن أتاها العسكر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
حتى زهاما مسجد ومنبرلم يبق من مروان عين تنظر
لا غائب ولا أناس حضرهيهات أودى المنعم المعقّر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وأمست الأنبار دارا تعمروخربت من الشآم أدور
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
حمص وباب التّبن والموقّرودمرّت بعد امتناع تدمر
وواسط لم يبق إلّا القرقرمنها وإلّا الدير بان الأخضر
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

(ومنها) أين أبو الورد وأين الكوثر أبو الورد بن هذيل بن زفر، وكوثر بن الأسود صاحب شرطة مروان.

وأين مروان وأين الأشقروأين فلّ لم يفت محيّر
وأين عاديّكم المجمهروعامر وعامر وأعصر؟

- قال: يعني عامر بن صعصعة، وعامر بن ربيعة، وأعصر باهلة وغنىّ - قال: فغضب إسحاق بن مسلم، وقال:

هؤلاء كلهم في حر أمك أبا نخيلة، فأنكر الخليفة عليه ذلك، فقال: إني واللّه يا أمير المؤمنين قد سمعت منه فيكم شرّا من هذا في مجالس بني مروان. وما له عهد، وما هو بوفيّ ولا كريم. فبان ذلك في وجه أبي العباس، وقال له قولا ضعيفا: إن التوبة تغسل الحوبة، والحسنات يذهبن السيئات، وهذا شاعر بني هاشم. وقام فدخل، وانصرف الناس، ولم يعط أبا نخيلة شيئا.

وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار الثقفيّ حدثنا عليّ بن محمد بن سليمان النوفليّ قال: حدّثني أبي عن عبد اللّه بن أبي سليم مولى عبد اللّه بن الحارث قال: بينا أنا أسير مع أبي الفضل يعني - سليمان بن عبد اللّه - وحدي بين الحيرة والكوفة - وهو يريد المنصور، وقدهمّ بتولية المهدي العهد وخلع عيسى بن موسى، وهو يروض ذلك - إذا هو يأبي نخيلة الشاعر، ومعه ابنان له وعبد، وهم يحملون متاعه. فقال له: يا أبا نخيلة، ما هذا الّذي أرى؟ قال: كنت نازلا على القعقاع بن معبد أحد ولد معبد بن زرارة، فقلت شعرا فيما عزم عليه أمير المؤمنين من تولية المهديّ العهد ونزع عيسى بن موسى، فسألني التحول عنه، لئلا يناله مكروه من عيسى إذ كان صنيعته، فقال سليمان: يا عبد اللّه، اذهب بأب نخيلة فأنزله منزلا وأحسن نزله وبرّه، ففعلت. ودخل سليمان إلى المنصور فأخبره الخبر، فلما كان يوم البيعة جاء بأبي نخيلة فأدخله على المنصور، فقام فأنشد الشعر على رؤوس الناس، وهي قصيدته الّتي يقول فيها:

بل يا أمين الواحد الموحّدإنّ الّذي ولاك ربّ المسجد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ليس وليّ عهدنا بالأسعدعيسى فزحلفها إلى محمد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
من عند عيسى معهدا عن معهدحتى تؤدّى من يد إلى يد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

قال: فأعطاه المنصور عشرة آلاف درهم، قال: وبايع لمحمد بالعهد، فانصرف عيسى بن موسى إلى منزله، قال: فحدّثني داود بن عيسى بن موسى قال: جمعنا أبي فقال: يا بنيّ، قد رأيتم ما جرى، فأيّما أحبّ إليكم: أن يقال لكم: ابني المخلوع، أو يقال لكم: يا بني المفقود؟ فقلنا: لا، بل با بني المخلوع. فقال: وفّقتم بنيّ. وأول هذه الأرجوزة الّتي هذه الأبيات منها:

لم ينسني يا بنة آل معبدذكراك تكرار الليالي العوّد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ولا ذوات العصب المورّدولو طلبن الودّ بالتودّد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ورحن في الدّر وفي الزبرجدهيهات منهن وإن لم تعهدي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
نجدية ذات معان منجدكأنّ ريّاها بعيد المرقد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
ريّا الخزامى في ثرى جعد ندىكيف التصابي فعل من لم يهتد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وقد علتني درة بادي بديورثية تنهض في تشددي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
بعد انتهاضي في الشباب الأملد

يقول فيها:

إلى أمير المؤمنين فاعمدإلى الّذي يندى ولا يندى ندي
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
سيري إلى بحر البحار المزبدإلى الّذي إن نفدت لم ينفد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
أو ثمّدت أشراعها لم يثمد

ويقول في ذكر البيعة لمحمد بعد الأبيات الّتي مضت في صدر الخبر:

فقد رضينا بالغلام الأمردوقد فرغنا غير أن لم نشهد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وغير أنّ العقد لم يؤكدفلو سمعنا قولك امدد امدد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
كانت لنا كزعقة الورد الصدىفناد للبيعة جمعا نحشد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
في يومنا الحاضر هذا أوغدواصنع كما شئت وردّ يردد
وردّه منك رداء يرتدفهو رداء الساق المقلّد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وكان يروي أنها كأن قدعادت ولو قد نقلت لم تردد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
أقول في كرى أحاديث الغدللّه دري من أخ ومنشد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
لو نلت حظّ الحبشيّ الأسود

- يعني أبا دلامة.

فأخبرني عبد اللّه بن محمد الرازيّ قال: حدثنا أحمد بن الحارث قال: حدثنا المدائنيّ - أن أبا نخيلة أظهر هذه القصيدة التسي رواها الخدم والخاصة، وتناشدتها العامة، فبلغت المنصور فدعا به، وعيسى بن موسى عنده جالس عن يمينه، فأنشده إياها، وأنصت له حتى سمعها إلى آخرها. قال أبو نخيلة: فجعلت أرى فيه السرور، ثم قال لعيسى بن موسى: ولئن كان هذا عن رأيك لقد سررت عمك، وبلغت من مرضاته أقصى ما يبلغه الولد البار السارّ. فقال عيسى: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. قال: أبو نخيلة: فلما خرجت لحقني عقال بن شبة فقال: أمّا أنت فقد سررت أمير المؤمنين، ولئن تم الأمر فلعمري لتصبينّ خيرا، ولئن لم يتم فابتغ نفقا في الأرض، أو سلّما في السماء. فقلت له: علقت معالقها وصرّ الجندب

قال المدائني: وحدّثني بعض موالي المنصور قال: لما أراد المنصور أن يعقد للمهديّ أحبّ أن تقول الشعراء في ذلك، فحدّثني عبد الجبار بن عبيد اللّه الحمانيّ قال: حدّثني أبو نخيلة قال: قدمت على أبي جعفر، فأقمت ببابه شهرا لا أصل إليه، فقال لي عبد اللّه بن الربيع الحارثي: يا أبا نخيلة، إن أمير المؤمنين يريد أن يقدّم المهديّ بين يديّ عيسى بن موسى، فلو قلت شيئا على ما يريد. فقلت:

ماذا على شحط النوى عناكاأم ما مرى دمعك من ذكراكا؟
وقد تبكّيت فما أبكاكا

وذكر أرجوزة طويلة يقول فيها:

خليفة اللّه وأنا ذاكاأسند إلى محمد عصاكا
فأحفظ الناس لها أدناكاوابنك ما استكفيته كفاكا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة
وكلّنا منتظر لذاكالو قلت هاتوا قلت هاك هاكا
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

قال: فأنشدته إياها، فوصلني بألفي درهم، وقال لي: احذر عيسى بن موسى، فإني أخافه عليك أن يغتالك.

قال المدائنيّ: وخلع أبو جعفر عيسى بن موسى، فبعث عيسى في طلب أبي نخيلة، فهرب منه، وخرج يريد خراسان، فبلغ عيسى خبره، فجرّد خلفه مولى له يقال له: قطريّ، معه عدّة من مواليه، وقال له: نفسك نفسك أن يفوتك أبو نخيلة، فخرج في طلبه مغذّا للسير، فلحقه في طريقه إلى خراسان، فقتله وسلخ وجهه.

ونسخت من كتاب القاسم بن يوسف عن خالد بن حمل أنّ عليّ بن أبي نخيلة حدّثه أنّ المنصور أمر أبا نخيلة أن يهرب إلى خراسان، فأخذه قطريّ وكتفه فأضجعه، فلما وضع السكين على أوداجه قال: إيه يا بن اللخناء، ألست القائل:

علقت معالقها وصر الجندب

الآن صرّ جندبك. فقال: لعن اللّه ذاك جندبا، ما كان أشأم ذكره! ثم ذبحه، قطري، وسلخ وجهه، وألقى جسمه إلى النّسور، وأقسم لا يريم مكانه حتى تمزّق السباع والطيور لحمه، فأقام حتى لم يبق منه إلا عظامه، ثم انصرف.

أخبرنا جعفر بن قدامة قال: حدثنا أبو حاتم السجستانيّ قال: حدّثني الأصمعي عن سعيد بن سلم عن أبيه قال: قلت لأبي الأبرش: مات أبو نخيلة، قال: حتف أنفه؟ قلت: لا، بل لا، اغتيل فقتل. فقال: الحمد للّه الّذي قطع قلبه، وقبض روحه، وسفك دمه، وأراخى منه، وأحياني بعده.

وكان أبو نخيلة يهاجي الأبرش، فغلبه أبو نخيلة.

صوت

ولقد دخلت على الفتاة الخدر في اليوم المطير
فدفعنها فتدافعتمشي القطاة على الغدير
فلثمتها فتنفستكتنفس الظبي البهير

الشعر للمنخّل اليشكري، والغناء لإبراهيم، ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وأحمد المكيّ.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»