من «الأوائل» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
أول من عاقب على الهجاء
أخبرنا غير واحد ان الزبرقان بن بدر لقى الحطيئة فقال: من أنت؟
فقال: أنا حسب موضوع أبو مليكة، فقال له: الزبرقان إنى أريد وجها فسر
الى منزلى وكن هناك حتى أرجع، ففعل، فأنزلته امرأة الزبرقان وأكرمته، فحسده بنو عمه بنو لأى، فدسوا الى الحطيئة، فقالوا: ان تحولت الينا أعطيناك مائة ناقة، ونشد الى كل طنب من أطناب بيتك حلة هجرية وقالوا لامرأه الزبرقان: إنما قدم الزبرقان هذا الشيخ ليتزوج ابنته، فقدح ذلك فى نفسها، فلما أراد القوم النجعة تخلف الحطيئة، وتغافلت المرأة، فاحتمله القريعيون، ووفوا له بما قالوا، فأخذ فى مدحهم، وهجا الزبرقان فقال:
أزمعت يأسا مبينا من نوالكمولا يرى طاردا للحرّ كالياسى
دع المكارم لا ترحل لبعيتهاواقعد فانّك أنت الطّاعم الكاسى
من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والنّاس
فاستعدى الزبرقان عليه عمر، فحكم عمر حسان، فقال ما هجاه ولكن سلح عليه، فحبس عمر الحطيئة فى بئر، فقال يستعطفه:
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخخمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم فى قعر مظلمةفاغفر عليك سلام الله يا عمر
ما آثروك بها اذ قدّموك لهالكن لأنفسهم كانت بك الأثر
فأخرجه عمر، وجلس على كرسى، وأخذ شفرة وأوهمه أنه يريد قطع لسانه، فصاح وقال: إنى يا أمير المؤمنين، والله قد هجوت أمى وأبى ونفسى وامرأتى، فتبسم عمر وقال: ما الذى قلت؟ لابى وأمى:
ولقد رأيتك فى النّساء فسؤتنىوأبا بنيك فساءنى فى المجلس
وقلت أيضا:
تنحّى فاجلسى منّى بعيداأراح الله منك العالمين
ولم أظهر لك البعضاء منّىولكن لا أخالك تعقلين
أغربا لا اذا استودعت سرّاوكانونا على المتحدّثين
وقد أخذ هذا المعنى من كعب بن زهير حيث يقول:
ولا تمسّك بالوعد الّذى وعدتالا كما يمسك الماء الغرابيل
قال: وقلت لامرأتى:
أطوّف ما أطوّف ثمّ آوىالى بيت قعيدته لكاع
وقلت لنفسى:
أبت شفتاى اليوم الّا تكلّمابسوء فما أدرى لمن أنا قائله
أرى لى وجها شوّه الله خلقهفقبّح من وجه وقبّح حامله
وقد هجا من أحسن اليه فقال:
سمحت ولم تبخل ولم تعط طائلافسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد
فخلى سبيله عمر بعد ان أخذ عليه الا يهجو احدا، وجعل له ثلاثة آلاف درهم اشترى بها منه أعراض المسلمين، فقال يذكر ذلك:
وأخذت أطوار الكلام فلم تدعشتما يضرّ ولا مديحا ينفع
ومنعتنى عرض البخيل فلم يخفشتمى وأصبح آمنا لا يجزع
النص من طبعة دار البشير بطنطا (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع