من «أدب الخواص» للوزير المغربي (ت ٤١٨هـ)
مقدمة المؤلف
﷽
قال الحسين بن علي: اللهم أنا نستوهبك التأمل، وما فيه من شفاء الجهل، ونستعيذ بك من التقليد وما فيه من إضاعة العقل، ونسألك ان تجعل لنا منك سلطاناً، وتصل بين أفعالنا وبين رضوانك سبباً، ولا يؤثر عنا قولنا إلاّ وله إلى أوامرك منزع ولطف، ولا ينفذ لنا عمل إلاّ وله في طاعتك نسب ولو ضعف، وأن تجعل بمفازة من الضلال والفساد، وعلى متن سبيل من الرشاد والصلاح، وأن تعيننا على مجاهدة العدو الخاص، ومكافحة القِرن اللاصق، من نفس إلى السوء نزوع، ومن لسان بالقول طموح، ومن قول مجذوذ، فليس له فعل يصله، ومن نيةٍ غفل فليس لها موضع تظهر فيه، ومن التجاهل بفضيلة الصمت، والاحتجاج للغو المنطق بغريزة الطبع.
وقد عجب المتأملون من عقل لا يمضي سلطانه على نفسه، وهو يريغ نفاذ أمر من غيره، والإنسان يسفه القاصب له، ويثرب على المولع بسبه، ويزنه بالكذب، ويعزوه إلى قول ما لم يعلم وإلى المؤاخذة على الظنن، وإلى إرسال اليد واللسان قبل اليقين والثَّلج، ولا يحس أنَّ الداء الذي أضرع خصمه للملامة، والحج عدوه في التغليظ والمذمة هو وهي سلطان العقل، وانتقاص الجلد عن صرف اللسان وقد اشرب للقول، وعن حبسه قد تهيأ للبثِّ، وأنه هو قد كان يجب أن يكون من ذلك على أبعد البعد وفي المعرفة بعيبه على أبصر الرأي وأوضح الأمر، لا أن يتعقبه بمثله، ويصل إمداده من فعله، ويستمله من فاعله المذموم عنده، ويصير صدى فيه لخصمه المشنإ إليه، ويروون عن عبد الله بن العباس انه قال: من لم يملك نفسه فليس بأهل أن يملك غيره. وقال بعض الحكماء: العاجز من عجز عن سياسة نفسه. وقال الشاعر:
أبدأ بنفسك فأنهها عن غيهافإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك تسمع إن وعظت ويقتدىبالقول منك، ويقبل التعليم
ويحكون عن عبد الله بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله أبن العباس أنه لما شاع في الفساد في عامة رعيته، شاور نصحاءه، فقال بعضهم: الرأي أن تجمع قوماً فتصلبهم، وقال آخرون: بل تعمر بهم السجون. واختلفوا في القول، فقال: ليس الرأي شيئاً مما قلتم، ولكن الرأي أن أبدأ فأصلح نفسي، فإذا صلحت نفسي صلحت باطني، وإذا صلحت باطني دب الصلاح، وتفشا في رعيتي. قالوا: وفقك الله، وعمل بذلك الرأي فرأى الخير عليه، وقد قال البحتري:
ولست أعجب من عصيان قلبك لييوماً إذا كان قلبي فيك يعصيني
وقريب من قول البحتري شعر انشدنيه أبو مسلم عن هارون بن عبد العزيز بن المعتمد عن تغلب، أو المبردالشك مني:
يهم بحران الجزيرة قلبهوفيها غزال فاتن الطرف فاتره
يوازره قلبي عليّ وليس لييدان بمن قلبي علي يوازره
واللسان جارحة يكمل بها النطق والمذاق، فما على من تكلم بما لا يعنيه وفي غير موقعه أن يتذوق ما لم يحصل في قرارة فمه، وأن يتمطق بالهواء طول دهره، وأن يعاتب ماضغه ويصرف بأنيابه في غير ساعة اغتدائه، على أنه لو استحسن ذلك لما وجب أن يستحسن إدامة الكلام لغير حينه، واللهج من القول بما لا ينفعه في شيء من أمره لأن الأول قبيح وغير ضار، والثاني قبيح وضار وفاحش قتال، وهو أصل المضرة بالأذى، كما هو أصل المضرة بالأذى، وكما هو أصل المضرة بالعيب فهو موجه بالمعرة، ومعهم مخول في المساءة واللسان عضو مثل اليد والرجل، فما على من تكلم عاجزاً عن ملك لسانه، وملقياً إلى التهلكة الخرق والجهل بيده، أن يبعث بأنامله دائماً
لغير بطش، وأن يلبط بقدمه سرمداً لغير سعي، ثم يطرد المقياس عليه بأن ينغض برأسه في جميع أوقاته، وأن يواقح به كل صفات تبدو لعينه. قد علم الله وعلم العالمون أن الآفة ليست شيئاً غير لعجز والتعاجز، وغير أن يعود الخاطر الوكال، ويحل عنه رباط النهضة والاعتزام، وغير الانسياح مع جريه الماء قبل جهد النفس في الخلاص، والميل مع هبّة الريح من غير أعذار بالاستمساك ونعوذ بالله أن نخرق بنعمه فنعيدها نقماً، وأن نفسد مثابته فنجعلها عقاباً، فإن اللسان نعمة من الله على عبده، فإن احسن أيالته ولملك تدبيره وذلل بالرياضة جامحه، وركزه وراء قلبه، وأوطأه اعقاب تمييزه وتدبره، ولم يرسله إلا لخير في الدنيا أو لخير في الآخرة من إحراز نفع، وأنفع العز وإزاحة مضرة، وأقتل الضر الذل، فذاك هو الذي يطب به إحسان بطبه، ويستديم الأنعام بحسن سياسته، وإن أرسله وشأنه، وأعفاه من ولاية العقل عليه، وأجراه في الوعث والخبار، وأنطقه بالصواب والمحال، أكتبه حصائده في النار على وجهه، بعد أن تكسوه في الدنيا ليط عار لا ينسل منه، وتحوش له من العداوات منزعجا لا قرار معه، كما قال أبو عبد الله محمد بن ميسرة وكان بليغاً شاعراً وفقيهاً ناسكاً، وصاحب نظر وتأمل، وبيان وتبحر:
اكثر من الصديقلكل يوم ضيق
من أكثر العدوالم يستطع هدوا
وقال آخر:
وما أودعت أحشاء اللياليأضر عليك من حقد الرجال
وقال طريح بن إسماعيل الثقفي:
لا تأمنن إمرأً أسكنت مهجتهغيضاً وإن قيل: إن الجرح يندمل
وأقبل جميل الذي يبدي وجار بهوليحرسنك من أفعاله الرجل
وقال حريث بن جابر الخنفي:
لا تأمنن الدهر حراً ظلمتهوإن نمت فأعلم أنه غير نائم
إذا كان ذا عودٍ صليب ومرةٍركوباً لإحناء الأمور العظائم
وقال آخر محدث:
نم عن معاداة الرجال فإنها حسك المضاجع
وإذا أذيت فحام عندالضيم مجتهداً، ومانع
وقال آخر في المعنى الأول:
إن كان يعجبك السكوت فإنهقد كان يعجب قبلك الأخيارا
ولئن ندمت على سكوتٍ مرةًفلقد ندمت على الكلام مرارا
كأنه منظم من قول بعض الأوائل: الندم على السكوت خير من الندم على القول. وقال أكثم: رب قولٍ أشد من صول. وقال أيضاً: وأحسن الصمت يكسب المحبة ويروى أن لقمان قال: الصمت حكم وقليل فاعله.
وقال الحسن بن علي ﵇ وقد ليم على كثرة الصمت: إني وجدت لساني سبعاً إن أرسلته أكلني. وقيل لعبد العزيز بن مروان: أنت من أطول الناس لساناً فإذا
رقيت المنبر تكلمت بكلام نزر، فقال: إني لأستحيي من ربي ﷿ إن آمرهم بما لا أفعل فلا جرم أن هذا القول من عبد العزيز صيره إلى أن يقول فيه المادح وهو نصيب مولاهم:
يقول فيحسن القول أبن ليلىويفعل فوق أحسن ما يقول
فتى لا يرزأ الخلان إلاَّمودتهم، ويرزؤه الخليل
وقال بعض الحكماء: من أطلق أمله فلا قنوع له، ومن أطلق لسانه أهدر دمه. وقال آخر منهم. من ضاق قلبه أتسع لسانه، وسب رجل عابداً فقال العابد: لولا أن الله يسمعك لأجبتك. وهذا قول حسن. وقال المجشر بن النعام أحد بني كعب بن مالك بن غياث بن تغلب:
أليس هبلتما ثلباً وزوراًيعد عليكما لو تعقلان؟!
من الرفث الذي لا خير فيهيحش بكل آنسة حصان
وقال شداد بن أوسٍ بن ثابت وهو ابن أخي حسان بن ثابت الشاعر: ما تكلمت بكلمةٍ منذ كذا وكذا حتى أخطمها وأزمها.
وفي ارتهان القائل بقوله، ومحاذرته لعقبى الطغيان منطقه قال الشاعر العنقسي وأحسن:
ألم تر كعباً كعب غورين قد قلامعالي هذا الدهر غير ثمان
فمنهن تقوى الله بالغيب إنهارهينة ما تجني يدي ولساني
هذا البيت الذي يليق باستشهادنا:
ومنهن جري جحفلا لجب الوغاإلى جحفل يوماً فيلتقيان
ومنهن تجريد الأوانس كالدمىللذاتها من كاعب وعوان
ومنهن شربي الكأس وهي لذيذةمن الخمر لم يمزج بماء شنان
ومنهن تقواد الجياد لعازبٍمن الوحش في دكداكة ومتان
في أبيات أكثر من ذلك استوفى فيها عدد الثمان الخصال التي قدم في صدر قوله، ولم نكتبها.
وقوله: من الخمر لم تمزج بماء شنان يشبه أن يكون قد أغار عليه سلم الخاسر وهو سلم بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر بن مولى عبد الله بن جدعان وكان هو يدعي ولاء محمد بن أبي جعفر وفي ذلك يقول من أبيات:
لقد أتتني عن المهدي متعبةتظل من خوفها الأحشاء تضطرب
مولاك مولاك لا تشمت أعديهفليس قبلك لي ذكر ولا نسب
وأما الجماز الشاعر وهو ابن أخي سلم وكان شاعراً ظريفاً وهو الذي يقول في سنان الخصي:
ظبي سنان شريكيفيه وبئس الشريك
فلا سنان يولا يدعني
وهو أعني الجماز الذي أنشد إنساناً مقطعات فقال: ما تزيدني على البيتين والثلاثة؟ فقال له الجماز: أردت أن أنشدك مذارعة؟! وكان يقول: انهم من موالي أبي بكر بن أبي قحافة، وأبو بكر من عبد الله جدعان قريب يجمعهما تيم بن مرة، والله أعلم.
قال سلم في معنى الشعر الأول الذي أوردناه:
أمزج الراح براحواسقني قبل الصباح
ليت لي خمراً بماءٍوفساداً بصلاح
وقد قال غيره من المحدثين:
وبالحيرة لي يومويوم بالأكيراح
إذا ما عزنا الماءمزجنا الراحَ بالراحِ
وقد قال حماد عجرد لمحمد بن أبي العباس السفاح نحواً من هذا القول، وكان استناده لما ولي الكوفة، وذاك أن أبا جعفر كان أنفذه والياً عليها بعد قتل إبراهيم بن حسن ﵏ قالوا فوافاه في أشد القيظ، ولقد لط لحيته بالغالية حتى كأنه خضاب، وصعد المنبر فخطب، ولحيته تقطر على قبائه فسماه أهل البصرة لذلك أبا الدبس فلزمه هذا اللقب حتى هلك، وكان أبو جعفر لما ولاه أنفذ معه الزنادقة والمجان ليلهو ببعضهم، وليبغضه إلى الناس، وكان معه في جملتهم حماد عجرد وهو حماد بن عمر بن يونس أبن كليب مولي بني سواءة بن عامر بن صعصعصة وإنما سمي عجرداً لأنه نزع ثيابه فرآه بدوي فقال: تعجردت يا غلام، العجرد العريان، والعجرد الشديد الغليظ، والعجرد الذهب في غير هذا الموضع، وكان حماد يذكر بترسلٍ وبيان مع شعره، وقد أرتسم بالصناعة، وكتب لجماعة من رؤساء الدولة العباسية، وقد سمي بعجرد قبله، قال الخليل بن أحمد: كان في ربيعة رجل يقال له عجرد، نازع رجلاً في موازنة فوجأه بجمع كفه فقضى عليه، فأخذت عاقلته ديته، وقال شاعرهم:
يا قوم من يعذر من عجردالقاتل المرء على الدانق
لما رأى ميزانه شائلاًوجاه بين الأذن والعاتق
فخر من واجأته ميتاًكأنما دهده من حالق
فبعض هذا الوجء يا عجردماذا على قومك بالرافق؟
فقال محمد يوماً لحماد: أتحب من الأشربات الماء؟ قال: يشكرني فيه الحمار والبعير
قال: أفتحب اللبن؟ قال: لقت استحييت مما رضعت من ثدي أمي. فقال: أفتحب السويق؟ قال: شراب المسافر العجلان ولست منه. قال: فما تقول في الخمر؟ قال: تلك صديقة روحي قال: فضمه إليه، وقال: لا جرم وأنت صديق روحي. وقال له يوماً: أي المواضع أحب إليك أن تشرب عليه؟ قال فقال: إني لأجب ممن لم تحرقه الشمس ولم يؤذه المطر كيف يشرب على شيء غير وجه السماء.
ولم يزل حماد مع محمد، ومن شعره يمدحه، وغنى له فيه حكم الوادي المغني - وهو حكم بن يحيى بن ميمون، وميمون كان حجاماً للوليد بن عبد الملك فأعتقه وإنما قيل له حكم الوادي لأنه كان يخدم عمر الوادي، وهو عمر بن داود مولى عمر بن عثمان بن عفان، ويأخذ عنه الغناء، وكان عمر من أهل وادي القرى:
أرجوك بعد أبي العباس إذ بانايا كرم الناس أعراقاً وعيدانا
فأنت أكرم من يمشي على قدمٍوأنظر الناس عند المحل أغصانا
لو مج عودٌ على قوم غضارتهلمج عودك فينا المسك وألبانا
فأظهر محمد أنه يعشق زينب بنت سلمان بن عبد الله بن العباس وكان يركب إلى المربد كثيراً يتصدى لها ويطمع في النظر إليها. وقال لحماد فصنع على لسن محمد:
يا ساكن المربد هيجت ليشوقاً فما أنفك بالمربد
سوف أوافي جفرتي عاجلاًيا منيتي إن أنت لم تسعدي
وعما له أيضاً - وقد قيل: إنه لمحمد نفسه:
زينب ما ذنبي وماالذي غضبتم فيه، ولم تغضبوا؟
والله ما أعرف لي عندكمذنباً، ففيما العتب يا زينب؟
ومن شعر محمد بن العباس نفسه لم يعنه عليه أحد، أنشده المدائني:
قولاً لزينب: لو رأيتتشوفي لكي وأشترافي
وتلددي كما أراك وكان شخصك غير خاف
ووجدت ريحك ساطعاًكالبيت جمر للطواف
وتركتني وكأنماقلبي يوجأ بالأشافي
وكان محمد هذا قوي ضليعاً، ويحكى أنه كان يلوي العمود ويلقيه إلى أخته ريطة فترده، وعاتبه المهدي يوماً وهو أمير فغمز ركابه حتى ضاق وضغط رجله فلم يقدر على إخراجها حتى رده فأخرجها، فمثل الآن وقايس بين قوة حسه وبين وهن قوى نفسه، وإنخذال روحانية قلبه، وإسفافه لمطمع شائن إذا كان محصولاً، وتعرضه لحرام فاضح لو كان محللاً، وأجعل ذلك - إن شئت شكاً على الأطباء، واعتراضاً على روايتهم عن جالينوس إن قوى النفس تابعة لمزاج البدن، وهو في غير موضع من كتبه، يروم أن يبين أن مزاج البدن تابع لقوى النفس أيضاً.
ثم إن أبا جعفر سمى محمداً على يد خصيب الطبيب، فمات، وكتبت أمه إلى أبي جعفر تشكوه، فأمر بحمله إليه فضربه ثلاثين سوطاً خفافاً، وحبسه أياماً، ثم وهب له ثلاث مائة درهم وأطلقه. وقد قيل أنه استعفى من ولاية البصرة فأعفاه، ووردت "؟ " فمات ببغداد وكان خصيب هذا زنديقاً - فما قيل لا يعتقد شياً ويتظاهر بالنصرانية، وحبسه أبو جعفر لحدث أحدثه، فمات في مطبقه، وكان يقول: لو أسامت كنت رافضياً، وكان من العلماء المبرزين، وأخبرت عنه إنه كان يقول: حبس البول أمرن للمثانة. وقيل له: ما يذهب أكل الطين؟ فقال: لب المر، وفي القولين نظر على قانون الطب. وفي خصيب هذا يقول الحكم بن محمد بن قنبر المازني البصري:
ولقد قلت لأهليإذ أتوني بخصيبٍ:
ليس والله خصيبٌللذي بيّ بطبيبٍ
إنما يعلم طبيمن به مثل الذي بي
ولما مات محمد بن أبي العباس وقد "؟ " الكوفة والبصرة محمد بن سلمان بن علي أخو زينب، طاب حماداً طلباً حثيثاً فاستجار حماد بقبر سلمان بن علي وقال:
إن أكن مذنباً فأنت ابن من كان لمن كان مذنباً غفاراً
يا ابن بنت النبي إني لا اجعلإلا إليك منك الفرارا
غير إني جعلت قبر أبي أيوب لي من حوادث الدهر جارا
لم أجد لي من الأنام مجيراًفاستجرت التراب والأحجارا
فلم ينفعه ذلك شيئاً عند محمد بن سلمان، فكتب إليه:
قل لوجه الخصي ذي العار إنيسوف أهدي لزينب الأشعارا
قد لعمر فررت من شدة الخوف، وأنكرت صاحبي جهارا
وضننت القبور تمنع جاراًفاستجرت التراب والأحجارا
فإذا القبر ليس لي بمجيرٍفحشى الله ذاك القبر نارا
وما أحسبه ظفر به. ونعود فنجدد من شأننا - بتوفيق الله -.
قال صاحب اللواء:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانهفليس على شيء سواه بخزان
وقال أيضاً:
وجرح اللسان كجرح اليد
وتبعه الأخطل فقال:
أفحمت عنكم بني النجار وقد علمتعليا معد، وكانوا طال ما هدروا
حين إستكانوا وهم مني على مضضٍوالقول ينفذ ما لا تنفذ الأبر
وقال غيره - وأحسبه طرفة -:
فإن القوافي يتلجن موالجاًتضايق عنها أن تولجها الأبره
قد ألم بهذا اللفظ دون المعنى أبو نصر بن نباتة، بقية شعراء العراق، وهو مادح أبي وجدي:
فلا تحتقرن عدواً رماكوإن كان في ساعديه قصر
فإن الحسام يقد الرقابويعجز عما تنال الابر
وقال طرفة - واحسن -:
وتقصد عنك مخيلة الرجل العريض، موضحة عن العظم
بحسام سيفك أو لسانك والكلم الرصين كأغرب الكلم
وقال عمر بن عبد العزيز: التقي ملجم. وحدثنا أن يونس ﵇ قيل له من بعد خروجه من بطن الحوت، وقد أطال الصمت: لم لا تتكلم؟ فقال: الكلام صيرني إلى بطن الحوت. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " إن من الكلام عيالا " وأنا أرى أن هذه اللفظة من الكلم التي أعطي رسول الله صلى الله عليه وآله جوامعها لحسنها وبيانها وإيجازها. وقال بعض عامة بلدانا الحلبيين في قصة له: رب كلمه، أزلت نعمة، وقال الشاعر:
إن كان في العي آفات مقدرةففي البلاغة آفات تساويها
وهذا كثير لا ينساه إلا الساهي، وباهر لا يذل عنه إلا المحين، وقد أنشدني منشد من
أبيات بيتاً صحيح القسمة، يعجبني، وهو:
هي الخطوب فمن ماضٍ ومنتظروهو الأنام فمن ساهٍ ومعتبر
ولعلم الله اللسان سبع عقور، ورائد للمنية صدوق، جعله مزموماً مخطوماً، وعن التصرف بذاته عاجزاً مقصوراً، فليس يجري ما لم يجره فارسه من العقل، ولا يفعل ما لم يأمره أميره من الرأي، ولم يجعله كالعين التي ترى ما نحاه اللاحظ بطرفة وما لم ينحه، وكالأذن التي ما قصد السامع لاستماعه وما لم يقصده. وكل ذلك لأنه صاحب الفتك والإمضاء، وينبوع الشر والبلاء، وكان إبراهيم بن أدهم الزاهد الناسك يطيل السكوت فليم في ذلك فقال: الكلام على أربعة وجوه: فمنه كلام ترجوه منفعته وتخشى عاقبته، فالفضل فيه السلامة منه، وكلام لا نرجو منفعته ولا تخشى عاقبته فأقل ما في تركه خفة المؤونة على بدنك ولسانك، وكلام لا ترجو منفعته وتخشى عاقبته، وهذا هو الداء العضال، ومن الكلام كلام ترجو منفعته، ولا تخشى عاقبته، وهو الذي يجب عليك نشره، فإذا به قد بهرج ثلاثة أرباع الكلام، هذا على بلاغة إبراهيم بن أدهم وحكمته وكثرة معارضته أهل البيان، وهو الذي سأل عبد الله بن شبرمة بن طفيل الضبي قاضي أبي جعفر عن مسألة فأسرع الجواب فقال: تأن. فقال له ابن شبرمة: إذا سهل الطريق لم أحتشد وهذا نسيبه يروى لأياس بن معاوية مشهور، وفي إبراهيم بن أدهم يقول محمد بن كناسة، وكان إبراهيم من أخواله بني عجل:
رأيتك لا يكفيك ما دونه الغنىوقد كان يكفي دون ذلك أبن أدهما
وكان يرى الدنيا صغيراً كبيرهاوكان لحق الله فيها معظما
واكثر ما يلفى مع القوم صامتاًوإن قال بذّ القائلين وأحكما
ومحمد بن كناسة هذا شاعر محسن، وأهل النقد يستحسنون قوله:
على حين أن شابت لداتي ولم أشبفمنها لحى مبيضة وقرون
وناصيت رأس الأربعين وأقبلتقساوة جني الشباب تلين
وهو صاحب هذا الشعر والسائر:
في انقباض وحشمة فإذارأيت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتهاوقلت ما قلت، غير محتشم
ومن قوله:
قعدت عن الإخوان عن غير ما قلىعلى غير نقصٍ في الإخاء ولا الود
ولكن أيامي تخرمن مرتيفما أبلغ الحاجات إلا على جهد
ومن قوله يرثى حماداً الرواية - في أبيات معروفة:
فهكذا يفسد الزمان ويفنى العلم فيه، ويذهب الأثر
يرون أن ذلك منظور به قول عبد الله بن العباس وقد دلى زيد بن ثابت في قبره: من سره أن يرى كيف ذهاب العلم فهكذا ذهابه، وهو القائل لما أبغض زوجته ومر بجذع مصلوبٍ:
أيا جذع مصلوب أتى دون صلبهثلاثون حولا كاملاً هل تبادل؟
فما أنت بالحمل الذي قد حملتهبأعرض مني بالذي أنا حامل
وكل هذا حسن، أو واقف بين الحسن والقبيح، فأما الذي يوافق هواي ويصنع في نفسي
صنيع الواعظ الحسن في قلوب المخلصين، وليس يستحق ذلك في حقيقة النقد إلا أني معجب به فقوله في نكبة أبي أيوب المورياني، ولعل استحساني إياه لموافقته شجناً في نفسي في هذا الوقت:
لا ترى زاجراً لهمِّ القلوبكالرضا بالموكَّل المكتوبِ
فاتق الله وارضَ بالقصد حظاًلا تسيلنَّ في سبيل الذنوبِ
لا يغرنَّك الذي غرَّ قوماًشربوا من حتوفهم بذنوببِ
طلعت شمسهم عليهم نهاراًوأتتهم نحوسهم بغروبِ
قد رأيت الذي أدالت ونالتوقعه الدهر من أبي أيوبِ
وعدنا إلى كلام ابن أدهم، وقوا ابن أدهم في تزييف المنطق والمشورة بالصمت نسيب لقولهم: أبلغ الصمت ما يكون الكلام شراً منه، وكان حبيب بن أوس الطائي الشاعر يحكيعن أبي مسهر أحمد بن مروان الرملي النحوي قال: تكلم رجل في مجلس الهيثم بن صالح. فقال له الهيثم: يا هذا بكلام أمثالك رزق الصمت المحبه وقد أحسن الشاعر إذ قال:
سأهجر ما يخاف علي منهوأترك ما هويت لما خشيتُ
لسان المرء ينبي عن حجاهوعيُّ المرء يستره السكوتُ
ومثل البيت الأول قول جامع هذا التعليق:
أطعت العلى في هجر ليلى وإننيلأضمر فيها مثل ما يضمر الرندُ
صريمة عزم لم يكن من رجالهاسوى من العشاق قبل ولا بعدُ
رأيت فراق النفس أهون ضيرةًعليَّ من الفعل الذي يكره المجدُ
وفي نحو من هذا الأقوال المخبرة عن التسلي قول المؤلف أيضاً:
حبيبٌ ملكت الصبر بعد فراقهعلى أنني علقتهُ والفتهُ
محا حسن يأسي شخصه من تذكريفلو أنني لاقيته ما عرفتهُ
وله أيضاً في نحو من ذلك، ولعله مُحَيَّنٌ بذكره، وناطق بالشهادة على تقصيره وعجزه:
ولاعبٍ بالهوى يؤمل أن يظهر لي جفوة وأهواهُ
قلت لقلبي وقد تتبعه:يا قلبُ إما أنا وأما هو!!
وفي المعنى الأول قال قائل مصيب: عيُّ صامتٍ خيرٌ من عيِّ ناطق. ومن هاهنا قال بشار:
وعيُّ القيام كعبيِّ الكلاموفي الصمت عيِّ كعبيِّ القلم
وفي بعض الأحاديث إن ابن آدم إذا أصبح كفرت أعضاؤه للسان، وقالت: اتق الله فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا، وحدثني بعض شيوخنا بإسناد رفعه إلى أبي الدرداء أنه قال: لأن يعثر الرجل حتى يخر لوجهه خير له من أن يعثر بلسانه، وأنشدني هذا الشيخ في منظوم هذا المعنى لبعضهم:
يموتُ الفتى من عَثرَة بلسانهوليس يموت المرءُ من عَثرة الرجلِ
فعثرته من فيه تُودي برأسهِوعثرته بالرِّجل تُوسىَ على مهلِ
وقال أبو الفضل الريعي - من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - حدثني محمد بن ذياد مؤدب المعتز - قال: بينا أنا جالس مع المعتز والزَّبير بن بكار يقرأ عليه أخبار أبي السائب وكان المتوكل قال لي: إذا غضبت عليه فلا تضربه، وقل ليندون الخدم يضربه،
قال: فترك المعتز الزبير، وقام يلعب مع الخدم، وقد كنت ظننت أنه قام لحاجة، فقلت ليندون: أما ترى إلى الأمير ترك شيخاً من قريش جالساً في سواده، وقام يلعب؟! لو كانت يدي مطلقةً عليه لأوجعته ضرباً، فقام إليه يندون ليضربه فهرب منه المعتز، فلم يزل يراوغه حتى سقط في عثرة، فدميت رجله، ففزعنا وبادرنا إليه وقال له الزبير: يا سيدي لو أعلمتني أنك قد ضجرت لقمت ولم أوذك فقال المعتز: لا بأس هوّن عليك وأنشد:
يُصابُ الفتىَ من عَثرةٍ بلسانهوليس يصابُ المرءُ من عثرة الرجلِ
قال أبو الفضل: فحدثت بهذا الحديث أبا عبد الله بن حمدون فقال لي: أنا أحدثك عن أبيه المتوكل بنحوٍ من هذا، كنا عنده في اليوم الذي قتل في ليلته، فقام لحاجة، فلما رجع قمنا، والمنتصر جالس، فلما قرب منه قام، فنظر إليه المتوكل وقال له: اجلس يا محمد، وأقبل علينا فقال:
هُم سَمَّنوا كَلباً ليأكل بعضَهُمولو أخذوا بالحزم ما سمَّنوا كلباً
قال أبو عبد الله: فوالله ما صلينا عتمة من تلك الليلة والمتوكل من أهل الدنيا.
ونرجع إلى ما كنا فيه فنقول: قد كان يجب أن نقدم بين يدي هذا القول الرغبة الى الله في المعافاة من سورة الغضب ومن غشية الأنف، ومن البلوغ في طاعة الحنق إلى ما يردي الحلم، وإلي ما يهزم الرأي، وإلى ما يزين إطلاق اليد واللسان بما يجنى منه الندم بعد ساعة فعله، ويوجد منه الأسف واللهف غب يوم كونه، وقد ينجد على اماتة الغيظ وقتله، وينفع في تَمصُّل الحقد وذوبه أن تكون النفس كاملة وقوراً، وبأمور الزمن عروفاً، وان يكن اللسان حديداً والقلب شديداً، فإن كمال الآلة يحبب الاقالة، وعلوَّ القدرة يزين التكرم والترفع عن المعاقبة، وقد قال قائل مجرب:
كُنْ حاقداً ما دُمتَ ليتَ بقادرفإذا قَدِرْت فخلّ حقدكَ واغفر
واعذُرْ أخاك إذا أساءَ فَرُبَمالجّتْ إساءتهُ إذا لم تَعذُرِ
وكثيراً ما يقطع بالمخاطب عيه فيفزع إلى السّفه، يتل الغبيّ البئ حصره فيطلب إخفاء أمره بالشغب، وذلك أخفض المواقف، والأم الهزائم وقال علقمة بن علاثة في نحو من هذا المعنى: أول العيّ الاختلاط، وأسوء القول الإفراط هاهنا الاضطراب لشدة الغضب، فأما إذا أيقن أنه التام الحسنى، والموفور للعلى فهو عند نفسه البحر الذي يلتهم كل ما ألقي فيه وهو ساج ساكن والطود الذي يحتمل كل ما نيط به وهو قار ثابت فيعود طريقه إلى الاحتمال دميثاً، وعذره في الأعضاء - عند نفسه - واضحاً جميلاً. جعلنا الله ممن يقيم لطبيعته المعاذير في الأقصار عن الرذائل، كما يقيم الحجيج عليها في القصور عن الفضائل، ولا جعلنا ممن يمهد لنفسه العلل في هجران الخير لصعوبة طريقه. ويخرج لها الأسباب في إتيان الشر لإعتنانه، واتفاق عروضه، وقد قال الشاعر:
فلا تعذريني في الإساءة إنهشرار الرجال من يسيء فيعذر
وتجزع نفس المرء من سب مرةٍوتسمع ألفا مثلها ثم تصبر
وقال آخر:
وعذرك في القبائح مستتبوليس الناس كلهم يلام
وقال العبدي:
عذرك عندي لك مبسوطوالذنب عن مثلك محطوط
ليس بمسخوط فعال امرئٍكل الذي يأتيه مسخوط
وينشد أصحاب المعاني:
فخذ القليل من اللئيم وسبهإن اللئيم بما أتى معذور
قالوا: وليس هذا العذر في شيء، وإنما يريد أن اللئيم يسب بما يأتيه فيجعل وسما على وجهه كالعذار وقد يجوز أن يكون من العذر، وتأويله ذم اللئيم فإنه عند نفسه معذور، فذلك أوجب للوم عليه، لأنه لو استقصر فعله لدل على أنه أعطى قليلاً من نية مكثرة لو استطاعت.
وقال المكتفي أبو محمد علي بن أحمد - لما كان كاتبه معه بالري أحمد بن أبي الأصبغ يكاتب عبد الله بن سليمان بن وهب بأخباره، فينهيها إلى أبيه المعتضد، فلما اجتمعا عاتبه المعتضد، قال فلم أزل أقارب وأباعد حتى صدقني عن المخبر له، وزال ما في نفسه، فقالت:
ولما رأيت العذر يظلم وجههولم يبق إلا أن أقول فأكذبا
خلطت بحق باطلا فتشبهاوجئت من الباب الذي كان أصوبا
ونحو من هذا قول علي بن الجهم بن بدر - مولى بني سامة بن لؤى وهو يدعا "؟ " فيهم صميماً:
وفتى ضاقت مذاهبهضاق ذرعاً بالذي صنعا
جعل الإقرار جنتهحين رام العذر فامتنعا
وقال آخر في ذم المعاذير، ونسبها إلى الأكاذيب:
جد لي بغفرانك من قبل أنأخضع بالعذر وأن ارغبا
فالعذر لا يسلم من زخرف الكذب، وما أنشط أن أكذبا
وكتب إلي بعض عمال السلطان معتذراً من تأخر كتابه عني بأن قال: فإن رأيت أن تسامحني بما في غضون اعتذار المعتذر فعلت إن شاء الله تعالى. وقال قائل: زاد على هؤلاء كلهم في حسن القول وجودة المعنى:
إياك والأمر الذي إن توسعتموارده ضاقت عليك المصادر
فلما حسن أن يعذر المرء نفسهوليس من سائر الناس عاذر
وأشعر منه وأحكم كعب الغنوي إذ يقول:
لا تعذرن الدهر صاحب ريبةٍفسان آتٍ أمر سوء، وعاذره
ومن هذا الجنس - وإن لم يكن من النوع نفسه - قول تميم بن أُبيَّ بن مقبل عوف بن حنيف بن العجلان بن عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - وقد أحسن فيه ما شاء:
يا حر أمسى سواد الرأس خالطهشيب القذال اختلاط الصفو بالكدر
يا حر من يعتذر من أن بلم بهريب الزمان فإني غير معتذر
فأما الكلام الذي يستحق قضية الحسن عندي، ولعله كذاك عند غيري فشعر أنشدنيه أبو مسلم عن ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه الأصمعي لبعض القيسيين:
يا سلم لا أقري التعذر نازليوالذم ينزل ساحة المعتذر
ولقد علمت إذا الرياح تناوحتأطناب بيتك في الزمان الأغبر
إني لأبسط للضيوف تحيتيوأشب ضوء النار للمتنور
وتنال بالمال القليل براعتيقحماً تضيق بها ذراع المكثر
وهذا البيت الأخير عجب.
والمعاذير كما قال الله من الأدهان "؟ " ومن الرياء والنفاق وهي مع ذلك ربما أردت، وربما كان الصدق أنجى منها في العاجل، فأما في الآجل فكلما.
وعرض الحجاج قوماً من الخوارج للقتل فقال أحدهم: إن لي عليك حقاً أيها الأمير. قال وما هو؟ قال: آني حفظت غيبك، وذلك أنني كنت في مجلس أبن الأشعث فسبك وذكر أمك فقلت: مهلاً إن أبويه كانا كريمين سريين، ولكن ما شئت فيه فقل. واستشهد برجل من الأسرى، فشهد له، فقال الحجاج للشاهد: فما منعك أن تقول قوله؟ قال: قديم بغضي لك. قال: أطلقوا هذا لحقه، وهذا لصدقه.
فأما البدوي فإنه جعل المعاذير من أفعال المريب فقال:
وربت منطقٍ حسن أحيلتمعايبه فعد من الذنوب
فلا عذري يرد علي شيئاًوكر العذر من فعل المريب
فبذنبي حاضر لا شك في فيهلسامعه، وعذري بالمغيب
وهذا البيت الأخير تمثل به عبد الحميد بن يحيى العامري صاحب البلاغة، ورئيس هذه الصناعة. ويكفيك من مذمة العذر أنهم أشقوا منه اسماً لشكاسة الخلق، ولظهور البخل، فقالوا: رجل عذور إذا كان سيئ الخلق كثير الاعتذار عند المنع، قالت الشاعرة:
إذا نزل الأضياف كان عذوراًعلى الحي حتى تستقل مراجله
وحسبك من نقيصة العذر أنه والملامة مقترنان، وأنه لا يوجد إلا مع التثريب في مكان واللوم الذي هو رديفه ومتكلفه هو الموت عند العقلاء، ولا سيما إذا ورد من العقلاء، ويعجبنيس قول البدوي:
وإني أحب الخلد لو أستطيعهوكالخلد عندي أن أموت ولم ألم
ومثله قول الحادرة:
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكمبأحسابنا إن الثناء هو الخلد
والمعاذير صفو الكذب، كما أن الحجج صفو الحق وذاك أنه ليس يخلص في العذر من الأكاذيب إلا أشبهها بالحق، ولا يخلص في الحجة من الحق إلا أبعده شبهاً من الباطل، هذا إذا كانت حجة على الحقيقة، وكانت نتيجة عن مقدمات صادقة، فأما اللحن بإسكات الخصم واللدد يوم المقامة والحفل، فقد يكون بالحق والباطل كما قال الشاعر - وهو مليح ابن
أم غلاقٍ الأعيوي من أسدٍ، ولها خبر ليس هذا موضعه:
برئت إلى الرحمن من كل صاحبأصاحبه إلا حماس بن ثامل
وظني به يوم السماطين أنهسينجو بحق، أو سينجو بباطل
وحِماس بن ثامل بن الشمردل بن تميم بن برثن بن منقذ بن أعيا - وأسمه الحارث - بن طريف بن عمرو بن الحارث بن ثعلبة هو القائل:
ومستنبح في لجِّ ليلٍ دعوتهبمشبوبةٍ في رأس صمدٍ مقابلِ
فقلت له: أقبل، فإنك راشدوإن على النار الندى وابن ثاملِ
وله شعر كثير، وكان جده الشمردل مذكوراً بحسن الشعر، وسنستقصي ذلك كله في موضعه في كتاب أسد - إن شاء الله.
وقد كنت قلت - وأستغفر الله -:
وأعتسف الخصم الألد بمنطقيفيبلغ ما لا يبلغ الحق باطلي
بحيث جفاني الأقربون وكلهمشهيد، وأضحي ناصري مثل خاذلي
لدى ملك يكمي لخصمي نصرةًوأعيا غلته ختل ثبتٍ مماجلِ
إذا اتصلت آراؤه سهم حجةًتمهل أو يرمي به في المقاتلِ
فلا عند أكثاف الرمية صامتولا في ضجاج اللغو أول قائلِ
ولي أيضاً في نحو ذلك:
يا رب خصم قد تركت ذماءهوكأنما شفت له أرماسهُ
من بعد ما قد كان يطفح قولهبدداً وينغض في المقادم رأسهُ
بجدال ذي غرب ألد، كأنمايذكى بشعلةٍ قوله نبراسهُ
في موقف كالحرب تهتضم الفتىفيه جبانته، وينفع بأسهُ
وقال رسول الله (لرجلين: " لعل أحدكما أن يكون ألحن بحجته من
الآخر، فمن حكمت له بغير حقه فإنما أقطع له قطعةً من النار - أو كما قال (- فخرجا فتراضيا بينهما أراد (أن يؤدب أمته بإشعار المقضي عليه أن ليس مغلوباً من غلبة الحق، وبإعلام المقضي له أن ليس غالباً من غلبه الباطل، وبذلك يقع التباذل، وفي التباذل التناصف، وفي التناصف التصادق، وهو المذهب المحبوب عند الله وأصفيائه - جعلنا الله من المرضيين عنده أقوالاً وأفعالاً، ومن المعفوّ لهم أقوالاً وأفعالاً.
وأعلم - حفظك الله - أن طالب الحق حيث يلاقي مذهبه، ومحب العدل إذا جمع عليه غرضه ليس يحب الحق لذاته، ولا يبغي التناصف على جهته، وإنما يريد موافقة المراد أين سلك، ويحب مواتاة النُّجح كيف سهل، ومورد الحق ومورد الباطل عنده سيان، بعد أن يتناوله آرابه، ويقضي أو طاره، فأبعد من هذا الشك ما استطعت، وأهرب بنفسك من هذا الشوب كيف أردت، وأعلم علماً يقيناً أن الأمر الذي يسرك، والأمر الذي يسؤك إذا كان منزعهما من العدل، ومصدرهما عن حكمة الحكم فكلاهما حق نقي وكلاهما عدل صحيح. وإنهما يسقيان بماء واحد، ويرجعان إلى أصل جامع، فلا تفرق بينهما بالهوى ولا تخرق إلتئامهما بطاعة الغضب، ولا تنسبهما لعلات وهما من الأعيان، ولا تحرمهما فضيلة التشابه وهما صنوان، فقد سمعت الله ﷿ حمد قوماً فقال: (ولم يفرقوا بين أحد من رسله) والحق من كلماته، والعدل من أسمائه، وهو لمفرقهما أشد أرصاحاً "؟ " ومن ممحقهما أبعد رضواناً، لأن الرسل حملة الحق، وبالحق عظموا وبالحق شرفوا، فموضع الإساءة من المسرب أغلظ من موضعها في المشرف، وداعي السخط في المعظِّم أقوى منه في المعظَّم، ولعلي أجمع بتكرير هذا الوعظ بين الأجر في تعريفك، وبين النفع في إذكاري - والتوفيق من الله.
سر - أيدك الله - فينا بسيرتنا، وأقضِ علينا بقضائنا: فأول راض سنةً من يسيرها.
وقد علمت مجازاة عبد الله بن هارون المأمون لسهل بن هارون عن كتابه في البخل، بالبخل عليه، ليريه أنه قدَّ جوابه من مسلَّته، وقد سدَّ مطالع حججه، لأنه منعه في معرض التنويل، وزرى على رأيه في شبه التفضيل، فكذلك فأعمل فينا بالعدل الذي جلوناه، واجعلنا أول من يفوز به منك، وأول من أظهرته فيه من قوى نفسك، وأنظر في هذا الكتاب ذاكراً لهذا الإيصاء، ومعتقداً لهذا الفعل، وهو كتاب صنعناه لكل أديب أحب أن يكون مذهبه خاصاً ومحضره بين أهل العلم مهيباً، وأراد أن يحسن الدلالة على اتساع معلومه، وينقلب عن المجلس إذا ألم به والألسن مشتجرةً بوصفه، وهمم أهل الطلب معقودةً بأثره، فإن الذي تضمنه ثمن للإجلال، وداعية للهيبة ورائد صادق في حسن المعرفة.
وكان باعثي على تصنيفه أني رأيت أشعار العرب، وانتظامها كل مثل الحكيم، وكل معنى بديع، فرأيت أن جمع ذلك وتهذيبه واختياره وتأليفه يجمع بين النفع بما فيه من الأدب الذي يفتق اللسان، ويستقدم الجبان، وبين النفع بما فيه من الدلالة على معجز القرآن، إذ كان يتبحر ألفاظ هؤلاء القوم، والمعرفة بمعادن ألفاظهم، وبمنازع أغراضهم يعلم معجز القرآن علماً حسياً ذاتياً.
وأنا أرى أن علم العالم أن القرآن معجز من طريق القياس والاستدلال، ومن طريق الحس والإدراك أشرف وأعلى من علم العالم بإعجازه من طريق القياس بالتقليد لغيره، والاعتبار بالفصحاء الذين تقدموه وكانوا حجة عليه، ولا أرى أن الإعجاز إنما هو بالصرفة لا غير، كما يعتقده قليل من الناس بل أرى أن الإعجاز إنما هو بنوعية ذلك النظم، وبإعجازه من التمكين والحول، وأن الصرفة أيدته وكانت في الرفد بمنزله الخوافي من القوادم، واستقصاء هذا الشوط من الكلام يطول، ولعل الله أن يوفقنا لتجريد كتاب مفرد في معناه. فعزمت لما رأيت هذا المرآى على كتاب أجمع فيه المختار من أشعار العرب، والمهذب من أخبارها وبلاغتها، فرأيته ينتهي من الطول إلى حد يفيض على لمع المعارف، ويستغرق نكت الفوايد، والكثرة إملال، وكأن الإطالة تقيم عذر المعرض عن العلم، وتبسط حجة التارك لتدبر الكتب، فقصدت إلى هؤلاء الشعراء الأربعة المثبتين في الطبقة الأولى
وهم أمرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فجمعت إلى أسم كل شاعر منهم أسماء من يشاكله، وأخبرت عن قبيلة كل واحد من الأصل والمضاف، بمختار أشعارها ومحاسن أخبارها، فتهيا لي من الشعراء زيِّد على ستين شاعراً، وإذا ورد المختار من أشعار قبائل هؤلاء على وفور عددهم مع ما يتعلق بهم من ملح الأناشيد، وطرف المقاطيع، ومعارف الأخبار، كان جمهور علم العرب من أخبارها وأشعارها وأنسابها مع لهوةٍ من غرائب اللغة التي تجمع بين الأغراب والإحسان، إذ كان الغريب حوشيُّ لا يستعمل، وعاديُّ لا يطلب، ولو أنني اقتصرت على أسماء هؤلاء الشعراء لكان غريباً عجيباً، لأنه لا شيء أحسن ولا آنق من أن يجري ذكر امرئِ القيس فنذكر بضعة عشر شاعراً على هذا الاسم، ونذهب في ملح أخبارهم وبارع أشعارهم، وكذلك في النوابغ والأزاهر، فأما العشو فنحو ثلاثين شاعراً، ولكنني لو فعلت ذلك لما تعديت الدلالة على شدة بحثي وطول استثارتي مدافن هذه العلوم، دون إيراد ما يغزر به إمتاع القارئ ويكون ثروة للحافظ المذاكر، كما صنع أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح ﵀ فإن صنع كتاب " العمرين " فأتى بإشارات دالةٍ على معرفته دون أن يقرن بذلك ما يلذ الناظر بعلمه، ولم أظن أنني بقيت في الاختيار متعللاً، لأنني كنت أختار البارع من أبيات القصيدة، ثم ألقيها جانباً مدة أيام، وأعاود النظر فيها برأي سالم، وباختيار شابِّ واعٍ، فأختار من ذلك المختار ما أرى إيراده، فيكون إبريزنارين.
واعتمادنا في تفسير الغريب موافقة أغراض المتوسط في الأدب، إذ كان المبتدئ إلى غير هذا الكتاب أحوج، إلا في مواضع، رأينا أن تفسيرها وإن كانت معروفة شرك لذكر فائدة لا نرى إدماج ذكرها فنكون في ذلك كما قال البدوي:
وأمضي إلى الأرض التي من ورائكملأعذر في إتيانكم حين أرجع
وكما قال الأخر:
وما بي حب الرمل لكن بي هوىويغريك بالشيء البعيد الحبائب
وكذلك فعلنا في مسارق الشعراء، فأنا لم نعرض منها إلا لما تكون الفائدة في المعرفة به دون المعرفة باستراقه، أو الاستراق منه.
وألغينا الأسانيد خيفة التطويل إلا في أحد ثلاثة مواضع: إما خلاف نورده، وغفل نحضره، فنحتاج إلى إسناد يعضده، وإما أثر شرف روايةً في نفوسنا، وكان من أماثل من أدركناه في زماننا فحسبنا أن التخفيف بحذفه لا يبلغ ثمن العطل من التحلي بذكره، وإما فائدةٍ كان موقعها منَّا لطيفاً، وموردها عندنا غريباً، فرأينا أن الإغماض عن ذكر من أستفدناها منه خلل في المروءة، وشعبة من كفر النعمة، وغمط لإحسان لسنا أغنياء عن أمثاله، ولا مكتفين دون ما نستأنف من أشكاله، فقد حدثني أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ إنه كتب إليه أبو عبد الله النيسابوري أنه سمع أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم يحكي عن العباس أبن محمد الدوري أنه سمع أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: من شكر العلم ذكرك الفائدة منسوبةً إلى من أفادك إياها أو كما قال.
وأغنانا عن سياقة الأسانيد كلها طريقتنا في الإتقان وما نحن من إيثار شدة الصحيح من السقيم.
وينبغي لك يا قارئ الكتاب إن كنت تحب الشعر أن تعتده مختار أشعار القبائل، فإن كنت تحب الأخبار تمثلته مؤلفاً في سير الجاهلية والإسلام ومقصوداً بالأغرب فالأغرب من المعارف والآثار، وإن كنت تحب اللغة تصورته كتاباً مرتبطاً من عقائلها، ومن الشواهد عليها، وإن كنت تحب النسب - وهو أصعب علوم العرب - احتسبته سياقة جماهير الأنساب، وذكر الجمل من معارف الأشراف، وأيقن أنك لو أردت أن تصنف منه مئين من الكتب لأمكنك، لأنك تأتي إلى أخبار إياس بن معاوية - مثلاً - فتجد في بابه من أخباره عند ذكر مزينة ما لو أفردته مؤلفاً لما كان معيباً، على إقراري بالعجز دون الغاية، إذ كانت
الكتب التي جمعها أسلافي ذهبت جميعاً بالشام، وكان مدة إستيافي النظر والجمع إلى حين تصنيف هذا الكتاب يقصر عن الاستيعاب، مع ما استفزع هذه المدة من أيام الصبا، التي عذرتني في قلة الحزم والإصابة، لأن كتبنا ضاعت وسنِيّ عشر سنين، وصنفت هذا الكتاب وأنا مستقبل الخامسة والعشرين.
أسأل الله تعالى أن يرزقني برَّ ما أُصنفه من هذا الكتاب وغيره في تخليده لذكرى، واحتسابه بين أهل العلم غيبي، وقيامه بخلافة لساني ومحضري، ومع ذلك كله فأنا فقير من القارئ إلى بسط العذر، وإصلاح المختل، ولمِّ الشعث، ولعلي أزيد في هذا المصنف على طول الأيام ما امتد العمر، وما أتضل الفراغ وإن أقامت الرغبة وإن ثبتت الدواعي وإن نفقت الصناعة، وإن استقام الأمر، وإن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.
النص من طبعة دار اليمامة بالرياض (١٤٠٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع