من «رسالة التوابع والزوابع» لابن شهيد الأندلسي (ت ٤٢٦هـ)
صاحب أبي الطيب
فقال لي زهير: ومنْ تريد بعد؟ قلت له: خاتمة القوم صاحب أبي الطيّب؛ فقال: اشدُد له حَيازيمك، وعطّر له تسمك، وانثُر عليه نجومك. وأمال عنان الأدهم إلى طريقٍ، فجعل يركض بنا، وزهيرٌ يتأمّل آثار فرسٍ لمحناها هناك؟ فقلت له: ما تتبَّعك لهذه الآثار؟ قال: هي آثار فرس حارثة بن المغلَّس صاحب أبي الطيب، وقصدي هو صاحب قَنص. فلم يزل يتقرّاها حتى دفعنا إلى فارسٍ على فرسٍ بيضاء كأنه قضيبٌ على كثيب، وبيده قناةٌ قد أسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامةٌ حمراء قد أرخى لها عَذَبَةً صفراء. فحيّاه زهير، فأحسن الردّ ناظراً من مقلةٍ شَوساء، قد مُلئت تيهاً وعُجباً. فعرّفه زهيرٌ قصدي، وألقى إليه رغبتي. فقال: بلغني أنه يتناول؛ قلت: للضرورة الدافعة، وإلا فالقريحة غير صادعة، والشفْرة غير قاطعة. قال: فأنشدني؛ وأكبرتُه أن أستنشده، فأنشدته قصيدتي التي أوّلها:
أبرقٌ بدا أمْ لمع أبيضَ قاصِلِ
حتى انتهيت إلى قولي:
ترددَ فيها البرقُ حتى حسبتُهُيشير إلى نجمٍ الرُّبى بالأناملِ
ربىً نسجت أيدي الغَمام للُبسهاغلائلَ صُفراً، فوق بيضِ غلائلِ
سهرتُ بها أرعى النجوم وأنجماًطوالع للراعين، غير أوافلِ
وقد فغرتْ فاها بها كلّ زهرةٍ،إلى كل ضَرعٍ للغَمامة حافلِ
ومرّت جيوش المُزن رَهواً، كأنهاعساكر زَنْجٍ مذهَباتُ المناصِلِ
وحلّقتِ الخضراء في غُرّ شُهبها،كلُجّة بحرٍ كُلّلتْ باليعاللِ
تخال بها زُهر الكواكب نرجِساً،على شطّ وادٍ للمجَرّة سائلِ
وتلمحُ من جَوزائها في غُروبهانساقُطَ عرشٍ واهنِ الدعم مائلِ
وتحسب صقراً واقعاً دَبَرانها،بعُشّ الثريا فوق حمر الحواصلِ
وبَدرَ الدجى فيها غديراً، وحولهنجومٌ كطلعات الحمام النواهلِ
كأن الدجى همّي، ودمعي نجومه،تحدّر إشفاقاً لدهر الأراذلِ
هوتْ أنجم العلياء إلاّ أقلّها،وغِبنَ بما يحظى به كل عاقلِ
وأصبحتُ في خلفٍ إذا ما لمحتُهمتبيّنتُ أن الجهل إحدى الفضائلِ
وما طاب في هذي البريّة أخرٌ،إذا هو لم يُنجدْ بطِيب الأوائلِ
أرى حُمُراً فوق الصواهلِ جمّةً،فأبكي بعَيْني ذُبلّ تلك الصواهلِ
ورُبّتَ كُتّابٍ إذا قيبل: زوِّروا،بكتْ من تأنّيهم صُدورُ الرسائلِ
وناقل فِقْهٍ لم يرَ الله قلبه،يظنّ بأن الدين حِفظُ المسائلِ
وحاملِ رمحٍ راحَ، فوق مَضائه،به كاعباً في الحيّ ذات مغازلِ
حُبُّوا بالمُنى دوني، وغودِرتُ دونهمأرودُ الأماني في رياض الأباطلِ
وما هي إلا همةٌ أشجعيّةٌ،ونفْسٌ أبتْ لي من طِلاب الرذائلِ
وفهمٍ لو البِرجيسُ جئتُ بجدّه،إذاً لتلقّاني بنحْسِ المقاتِلِ
ولمّا طَما بحر البَيان بفطرتي،وأغرقَ قرْن الشمس بعض جداولي
رحلتُ إلى خير الورى كلّ حرّةٍمن المدح، لم تَخمُلْ بِرَعي الخمائلِ
وكدتُ لفضلِ القول أبلُغُ ساكتاً،وإنْ ساء حُسّادي مدى كلّ قائلِ
فلما انتهيتُ قال: أنشدني أشدّ من هذا. فأنشدتُه قصيدتي:
هاتيكَ دارُهُمُ فقِفْ بمَعانِها
فلما انتهيتُ، قال لزهير: إن امتدّ به طلق العُمُر، فلا بدّ أن بنفث بدُرر، وما أُراه إلا سيُحتضَر، بين قريحةٍ كالجمر، وهمّةٍ تضع أخمصه على مفرِقِ البدر.
فقلت:
أهلاَّ وضعتُه على صَلعة النسر? فاستضحك إليّ وقال: اذهب فقد أجزتُك بهذه النُّكتة. فقبّلتُ على رأسه وانصرفنا.
النص من «رسالة التوابع والزوابع» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع