من «لباب الآداب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
لَبيدُ بن رَبيعة العامري
مخضرم عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام مثلها، وكان عَذبَ المنطق رقيق حواشي الكلام، وفي الخبر: أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد:
أَلاَ كُل شيء ما خَلا اللَهَ بَاطِلُوكلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زائِلُ
سوى جَنَّةِ الفردوسِ إنَ نعيمَهايدومُ فإن الموتَ لا بد نازلُ
وسُئل لبيد عن أشعر الناس فقال: الملك، يعني امرأ القيس، قيل: ثم من؟. قال: الغلام القتيل، يعني طرفة، قيل: ثم من؟. قال: صاحب العُكّاز، يعني الشيخ أبا عقيل وهو نفسه. وسمعَ الفرزدقُ رجلاً ينشد قول لبيد:
وجلا السيولَ عن الطلولِ كأنهازُبُرٌ تجُدُّ مُتُونَها أقلامُها
فسجد فقيل: ما هذا يا أبا فراس؟ فقال: أنتم تعرفون سجدة القرآن وأنا أعرف سجدة الشعر. وروي أنه لما أنشد قصيدته هذه في الجاهلية وبلغ قوله:
يعلو طريقةَ متنِها متواترٌفي ليلةٍ كَفَرَ النجومَ غمامُها
سجد له شعراء زمانه. وقيل لبشار بن برد: أخبرنا عن أجود بيت قالته العرب، فقال: إن تفضيل بيت واحد على الشعرِ كلّه لشديد، ولكنْ أحسن كلَّ الإحسان لبيد في قوله:
أكذِبِ النفسَ إذا حدَّثتَهاإنّ صدقَ النفسِ يُزري بالأملْ
وإذا رُمتَ رحيلاً فارتحلْواعصِ ما يأمُرُ توصيمُ الكَسَلْ
ومن أمثاله السائرة قوله في قصيدة:
وما المالُ والأهلونَ إلاّ وديعةٌولا بدَّ يوماً أن تُردَّ الودائِعُ
وما المرءُ إلا كالشهابِ وضوئِهيجود رَماداً بعدَ إذ هو ساطعُ
ومنها:
أليس ورائي إن تراختْ مَنيتيلزومُ العصا تُحنى عليها الأصابعُ
أُخبِّر أخبارَ القرونِ التي مَضَتْأَدِبُّ كأني كلما قُمتُ راكعُ
لعمرُك ما يدري المسافرُ هل لهنجاحٌ ولا يدري متى هو راجعُ
ومنها:
أتجزعُ مما أحدثَ الدهرُ للفتىوأيُ كريمٍ لم تُصبْه القوارعُ
ومن أمثاله السائرة قوله:
ذَهَب الذين يُعاش في أكنافهموبقيتُ في خلفٍ كجلدِ الأجربِ
وقوله:
فقوما وقولا بالذي قد علمتماولا تخمِشا خدّاً ولا تحلقا الشَّعَرْ
إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكماومن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذرْ
وحكي أنه لم يقل في الإسلام غير بيت واحد وهو:
الحمدُ للَه إذْ لم يأتني أَجَليحتى اكتسيتُ من الإسلام سِرْبالا
وحكى ابن دريد أن لبيداً عاش مائة وخمساً وأربعين سنه: خمساً وخمسين في الإسلام وتسعين في الجاهلية، وقد كان معاوية هَمّ بأن يُنقص عطاءَه، فأرسل إليه: إنما أنا هامة اليوم أو غد فأعرني اسمها فلعلي أن لا أقبضها، فمات قبل أن يقبضها. وكانت ابنتاه تأتيان فجلس أبي جعفر فتؤنبانه، فلا تألوان، فبقيا على ذلك حولاً كاملاً ثم كفتا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع