من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
شهادة الخيري الأصفر
النثر: الحمد لله الذي عصمني من تلك الدنية، ولم يخيبني عن هذه النية، وبها بقيت غضارتي، وتأكدت نضارتي، ووهب لي الذهب الإبريز ملبسا، والمسك النفيس نفسا.
والنظم له:
أصفر الخيري يشهدأن عقد الورد قد رد
ويرى أن البهار المنتقى أعلى وأمجد
ماك يقظان يأتيوصنوف النور هجد
هذا يا مولاي ما استطعت عليه، وانتهت مقدرتي إليه، فإن وافقك فبفضلك المشهور، أو كانت الأخرى فبالباع المنزور. ولك المن على الوجهين، والطول في الحالتين. أبقاك الله لأحوالنا تصلحها، ولآمالنا تنجحها، وصنع لك، وبلغك أملك. ولأبي جعفر بن الأبار في عدة من الأنوار أوصاف ساطعة الأنوار في رسالة كتب بها إلى صاحب الشرطة أبي الوليد بن العثماني، وكان سببها أني خرجت متنزها في فصل الربيع لأشرف على منظره البديع، وكان أبو جعفر بن الأبار في جملة من صحبني، وخاصة من تبعني، وتخلف أبو الوليد لعذر لحقه أوجب تخلفه.
فلما انصرفنا سال أبا جعفر وصف نزاهتنا، وذكر راحتنا، وإبراد ما اطلعنا عليه، ونظرنا إليه، مما تأسف على البعد منه، والانتزاح عنه.
فكتب إليه بهذه الرسالة وفيها فنون الرقة والجزالة، ووصلها بمدح الحاجب_وصل الله حرمته وأدام عزته_ وهي بعد مصدرها: "كتبت تسألني_لا خاب سائلك ولا حرم آملك_كيف كان تنزهنا وتوجهنا مع أبي الوليد شاكر خلتك، وحامد صحبتك. أراد_أبقاه الله ووقاه_التنزه إلى بعض ضياعه في فصل الربيع عندما أشفق من انصرامه وضياعه، وكنت في جملة من اصطحب، لا في صفوة من انتخب. فأمكنت من السير غرته، والصبح قد شدخت غرته، وجبين الجو طلق، وغلائل السماء زرق، وحاجب الشمس متطلع، وجيد الأنس متتلع، وريع العيش خصر، وبرد الأرض خضر، قد فوف من الزهر، بمثل الأنجم الزهر، والرياض راضية من الحيا متبرجة بعد الحياء، أهدت لها المزن دررها، فأبدت يواقيتها ودررها، وخشيت بالكتم عقوقها، فاستنفدت زمردها وعقيقها. إن حيتك بالشقائق فكاللدات الشقائق، مغلفات العصائب، منشرات الذوائب. أو بالنرجس والورد فكالعيون النواظر إلى الخدود النواضر، بل ذاك صبح مشتمل على شمس أصيل، وهذا خجل مستول على أسيل، أو سفرت عن البفسج الأنيق، فكلابس ثوب المسك الفتيق، وكأنما كسته لعسها الشفاه، فإذا تنسمه أو توسمه المحزون، قد شرقت بالطل مقلها، وضمخت بالمسك حللها، فما زلنا في أحسن مراد، وأقرب غاية مراد، من التماح يانع ذلك الزهر، حتى احتللنا قرية بشاطئ النهر، ولسان الهجير قائلة: لا تخطئكم بها القائلة، فأرحنا الجياد من البهر، ونمنا بها إلى صلاة الظهر، ثم قضينا الفرض، وشددنا الغرض، نؤم جانب الشرف متيامنين، ونقصد سمته متبادرين، حتى أرتنا غرته جمالها، وكستنا أشجاره ظلالها، فما زلنا نستعرض قراه إلى أن دعانا إلى قراه بواسطة منه، ومقللة الشمس غضيضة، وحشاشتها مريضة، فأجبناه إلى رغبته وحللنا بعقوته، وبتنا نتفدى بالنفوس، ونتعاطى نخب الكؤوس، من مدام الآداب، لا من مدام الأعناب، يتضوع عنها خلوق الشيم، ويضحك عليها حباب الكرم، وربما مزجناها بماء المزاح من غير لغو ولا جناح، فما زلنا نأخذها بالأذهان، حتى تبسم الليل عن صبحه، وقص جناح جنحه، فاشتملنا برد الائتلاف، واتفقت أراؤنا على الانصراف إلى حضرة المجد العليا، مقر عماد الدين والدينا إسماعيل بن محمد بن عباد، خير واطئ الصعيد، ومرو للصعاد، من بخل نداه، وقيد البرق مداه، وضمخ الآفاق ثناؤه، وبهر العيون سناؤه، ورجح بالجبال حلمه، وأحاط بالليل علمه، أدام الله له العز، ووصل له التأييد والحرز".
قوله: "متتلع" متفعل، من التلع وهو الإشراف يقال: تلع جيد الظبي إذا أشرف. وقوله: "من الحيا وبعد الحياء"، الأول منهما مقصور والثاني ممدود وهو الاستحياء. وقوله: "من البهر" البهر: الكلل. واتدعنا: افتعلنا من الدعة، وقوله: "مرو للصعاد" الصعاد، جمع صعدة: وهي القناة النابتة مستقيمة.
قال أبو الوليد: ومما يصلح أن يكون في هذا الباب ما وقع في النواوير من تفضيل وتغليب، أو جرى بينها من تفاضل وتفاخر، فإن تلك القطع تشتمل على مدح نور، وذم آخر، فهما موصوفان، ولم تتفرد القطعة بنور وإنما اشتملت على نورين، وتضمنت وصف شيئين، وأكثر ما وقع هذا قديما في الورد والبهار وأنا أذكر ما وقع إلي في ذلك من المختار، وقد وقع إلي في غيرهما قليل، وكله يقع هنا إن شاء الله.
فما وقع إلي في الرد على ابن الرومي في تفضيله البهار على الورد قول أبي عثمان سعيد بن فرج الجياني، وقول ابن الرومي في ذلك كثير، ومذهبه مشهور، وقصيد أبي عثمان رد على قصيد ابن الرومي الذي أوله:
خجلت خدود الورد من تفضيلهخجلا، توردها عليه شاهد
وهو من أوله إلى آخره، أني قصيد أبي عثمان:
عني إليك فما القياس الفاسدإلا الذي أدى العيان الشاهد
أزعمت أن الورد من تفضيلهخجل "وناحله الفضيلة عاند"
إن كان يستحيي لفضل جمالهفحياؤه فيه جمال زائد
والنرجس المصفر أعظم ريبةمن أن يحول عليه لون واحد
لبس البياض لصفرة في وجههصفة كما وصف الحزين الفاقد
والآن فاسمع للبراهين التيقطعت فليس يحيد عنها حائد
الورد تيجان الربيع فأيما اختار الفخار متوج أو ساجد
ولمن يكون الفضل في حكم العلا الموعود عنه أو النديم الواعد
مهلا فما هو بالتقدم قائدكلا ولا ذا بالتأخر طارد
وانظر إذا اعتدل الزمان وغنت الأطيار فهو لشجوهن مساعد
موف على الغصن النضير كأنهفي منبر بين الدائق قاعد
والنرجس المنحط إما راكعذلا إلى عفر الثرى أو ساجد
وجعلت للأسماء حظا زائدامهلا فما هذا سبيل قاصد
اسم الذي فضلت إن فتشتهوخرمت أوله فرجس راكد
والورد كيف خرمته وخبنتهود تود به ورد عائد
ودع البقاء فما ترى من جملةإلا وأفضلها يكون البائد
يفنى خيار الخلق في الدنيا وماشيء سوى إبليس فيها خالد
والضد كل الضد قولك إنهينهى النديم بلحظه ويساعد
فأعرته عين الرقيب فللعمىوالسمل طرف للأحبة راصد
وإذا فخرت على الخدود بمقلةيرقانها باد فأصلك فاسد
ولو أن فعلا للكواكب في الثرىربى الرياض كما يربى الوالد
وتنازع النوار شبه صفاتهاما كان غير الورد فيها الماجد
الورد وقاد التوقد ناضروالنجم ناري مضيء واقد
وقوله: "ولمن يكون الفضل في حكم العلا.." البيت رد على قول ابن الرومي:
شتان بين اثنين هذا موعدبتسلب الدنيا وهذا واعد
فجعل الورد لتأخره موعدا بانقضاء الربيع والبهار لتبكيره واعدا به، ورد الجياني عليه مقنع لأن الموعود به أجل من النذير الواعد عنه: وقوله: "يفنى خيار الناس.." البيت، رد على قوله:
وإذا احتفظت به فأمتع صاحبببقائه لو أن حيا خالد
لأن البهار يبقى بنضرته أياما، والورد أسرع ذبولا. وقول الجياني: "وجعلت للأسماء حظا زائدا.." رد على ابن الرومي: في قوله:
اطلب بعيشك في الملاح سميهأبدا فإنك لا محالة واجد
جعل من محاسنه التسمي به عندهم، فنرجس في أسمائهم كثير. وذلك لا حجة له ولا عيه، وقوله: "ولو آن فعلا للكواكب في الثرى.." الأبيات رد على بيتي ابن الرومي وهما:
هذي النجوم هي التي ربتهمابحيا السحاب كما يربي الوالد
فانظر إلى الأخوين من أدناهماشبها بوالده فذاك الماجد
شبه البهار بالنجوم. ولصاحب الشرطة أبي بكر بن القويطة في المعنى والقافية، قصيد مستول على غاية الكمال، مستوف نهاية الجمال موصول بمدح ذي الوزارتين القاضي الأجل، الرفيع المحل. وهو من أوله إلى آخره:
كسفت خدود النرجس المصفر منحسد، وقد يذوي العدو الحاسد
واصفر حتى كاد أن يقضي أسىلما رأى الورد الذي هو وارد
هيهات للورد الفضائل كلهاوإن ادعى التكذيب فيه معاند
فصل القضية أن هذا ممتعفصل الربيع، وكل نور بائد
يأتي ونوار الثرى متزحزحوكذا الرئيس من المشابه واحد
هذا مقر للسماء بفضلهافيما غذته به وهذا جاحد
وترى تباين ذاك في وجهيهماباللون والنشر الذي هو شاهد
كم بين مصطنعين: هذا كافرإفضال سيده، وهذا حامد
هذا له خلق العجوز وهذهعذراء في حمر المجاسد ناهد
وكفى افتخارا أن هذا نافقغضا ومبتذلا، وهذا كاسد
لو لم يكن للورد إلا أنهيفنى ويبقى ماؤه المتعاهد
وله منافع لا تجمل كثرةومرافق مشكورة وفوائد
والنرجس المصفر ليس بنافعميتا ولا في الروض إذ هو وافد
هذا عقيم لا يشاد بذكرهأبدا وعقب الورد باق خالد
أخوان مقرونان لم يتنازعاشبها، وبينهما إخاء تالد
هذا يبشر بالحياة وذاك ينذر بالممات إذ أتاه العائد
"أين الحياة من الممات نفاسةورياسة لولا القياس الفاسد"
ومن هنا دخل إلى مدح ذي الوزارتين القاضي الجليل فقال:
يا أيها القاضي المصفى جوهراوالسيد الندب الشريف الماجد
احكم فإن العدل شيمتك التيأوصى بها جد إليك ووالد
فغدوت طفلا في المهاد وأنت للحكم الذي أعيى البرية ماهد
قوله: "أين الحياة من الممات.." البيت هو لابن الرومي وأتقن الرد عليه فيه، وبيت ابن الرومي:
أين العيون من الخدود نفاسةورياسة لولا القياس الفاسد
وأنشد لنفسه الشيخ أبو عبد الله بن مسعود قطعة بديعة تضمنت أوصافا مطبوعة يصف البهار، ويفضل الورد عليه وهي:
ولا بس ثوب الضنىمن حسد قد اكتأب
كأنما أحداقهأقداح تبر منتخب
من الحيا مترعةأجل مشروب شرب
يسعى بها محتسبابلا أدى ولا نصب
ساق على ساق لهتزهى بمخضر قصب
زبرجد مبتهجيكاد لينا ينقضب
إذا الصبا غنت لهوماس عن ثقل الحبب
صبا لبعض بعضهفيلتقي ويصطحب
يقول للورد: أنابر حبيب يقترب
قال له الورد: لقدأخطأت يا من لم يصب
أنت إذا ما صحفواوأنصفوا بيت خرب
أنا الذي لم أختلقما قلته ولم أحب
أشبه شيء بالخدود والزهر ريعت من كثب
وأنت عين دهرهافي مثل دهر قد كلب
فانشعبت أسرابهخوفا بدمع منسرب
واصفر من هم كمايفعل مخصوم غلب
الفضل للورد وإنأبى علي وحرب
طيب وطب وشذاومنظر ينفي الكرب
سلطان الآنوار علىرغم الغبي المضطرب
كما ابن عباد حمى الإسلام سلطان العرب
قوله: "بر حبيب" هو تصحيف نرجس، و "بيت خرب" تصحيفه مقلوبا أيضا. "وإن أبى علي" هو ابن الرومي لما فضل البهار على الورد. وحرب مثل غضب، ومنه قيل: ليث محرب، أي مغضب. وقوله: طيب وطب وشذا، الشذا: العرف والريح الطيبة. وقال بعض الأندلسيين يرد ابن الرومي بيتيه الطائيين وأحدهما:
وقائل لم هجوت الورد معتمدا؟فقلت: من قبح ما فيه ومن عمطه
ويقبح ذكر البيت الثاني وهو مشهور، والرد عليه للأندلسي:
لعائب الورد قل ما أنت من نمطهقد قلت هجرا فتب في القول من غلطه
الورد خد حبيب حين تلثمهفيغتدي أثر الأسنان في وسطه
ولأبي جعفر بن الأبار في إقرار البهار بفضل الورد حسنة بمدح ذي الوزارتين القاضي سيف الحق الماضي وهي:
طلع النرجس في أكفانهقائلا للورد: قد برحت بي
لم تزل تورث جسمي سقمامبكيا عيني بدمع الحبب
كيف خلطت وغلبت علىسيد الأنوار يا للعجب
إنما اسمي تحت شكواي فلاتوقعوني تحت ريب الريب
أنا لولا طمعي أن نلتقيما أقلتني حينا قضبي
فضله فضل ابن عباد أبي القاسم القاضي قريع العرب
ملك لو لم يمجد بالثناقال للعالم حسبي حسبي
قوله: "وإنما اسمي تحت شكواي" يعني برحت بي لأن برحت بي تصحيف نرجس. وله أيضا في تصفيحه مفضلا للورد بيتان استولى فيهما على غاية الإحسان وهما:
الورد أحسن ورديروى به لحظ عين
ونرجس الروض مهماصحفته برح بين
هذا ما انتهى إليه ذكري في التفاضل بين البهار والورد. وكتب الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري إلى المنصور بن أبي عامر_رحمه الله_عن بنفسج العامرية يوم الأضحى سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة، رسالة موصولة بشعر، جمالها باهر، وكمالها ظاهر، احتج له فيهما احتجاجا طريفا، عضده به عضدا ظريفا، وآثره على النرجس والبهار بإشارات جليلة المقدار.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع