من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
والرسالة
"منح الله مولاي صدق النظر، وعرفه جلية الخبر، وأطال مدته، ووصل سلامته وعزته، إذا تدافعت الخصوم_أيد الله المنصور مولاي_في مذاهبها، وتنافرت في مفاخرها، فإليك مفزعها وأنت المقنع في فصل القضية بينها لاستيلائك على المفاخر بأسرها، وعلمك بسرها وجهرها، وقد ذهب البهار والنرجس في وصف محاسنهما، والفخر بمشابههما كل مذهب. وما منهما إلا ذو فضيلة، غير أن فضلي عليهما أوضح من الشمس التي تعلونا، وأعرف من الغمام الذي يسقينا، فإن كانا قد تشبها في شعريهما المرتفعين إلى مولاي_أبقاه الله وأيده_بعض ما في الأرض من جواهر الأرض، ومصابيح السماء وهي من الموات الصامت، فإني أتشبه بأحسن ما زين الله به الإنسان، وهو الحيوان الناطق من أدوات خلقه، وأنفس ما ركب فيه من مواد حياته، مع إني أعطر منهما عطرا، وأحمد خبرا، وأكرم إمتاعا شاهدا وغائبا، ويانعا وذابلا، وكلاهما لا يمتعك إلا ريثما يبدو للعيون، ويسلم من الذبول، ثم تستكره الأنوف شمه، وتستدفع الأكف ضمه، فأين هذه الحال من الاستمتاع [بي] رطبا، وادخاري في خزائن الملوك جافا، وتفضيلي على ألسنة الحكماء، وتصريفي في منافع الأعضاء، وإن فخرا باستقلالها على ساق هي أقوى من ساقي فلا غرو أن الوشي ضعيف، والهوى لطيف، والمسك خفيف:
وليس المجد يدرك بالصراع
كما قال حكيم الشعراء، وقد أودعت_أيد الله المنصور_قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه من وصف مشابههما وحضرت بنفسي لئلا أغيب من حضرتهما. فقديما فضلوا الحاضر وإن كان مفضولا ولهذا قالوا: "ألذ الطعام ما حضر لوقته" و "أشعر الناس من أنت في شعره". ولمولاي_أيد الله_أن يعدل باختيار الصحيح، ويفصل بحكمه العدل إن شاء الله". والشعر:
شهدت لنوار البنفسج ألسنمن لونه الأحوى ومن إيناعه
بمشابه الشعر الأثيث أعارهقمر الجبين الصلت نور شعاعه
ولربما جمد النجيع من الطلىبصوارم المنصور يوم قراعه
فحكاه غير مخالف في لونهلا في روائحه وطيب طباعه
ملك جهلنا قبله سبل العلاحتى وضحن بنهجه وشراعه
أما نداه فهو صنو للحيافي صوبه لم أعن في إقلاعه
في سيفه قصر لطول نجادهوكمال ساعده وفسحة باعه
قال أبو الوليد: ووقع بين الوزير أبي الأصبغ بن عبد العزيز وصاحب الشرطة أبي بكر بن القويطة قطعتان؛ يفضل أبو الأصبغ الخيري، وأبو بكر البنفسج، وقطعة أبي الأصبغ موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_حرس الله حوباءه، وأطال بقاءه_ وهي:
ما للبنفسج يدعي التفضيلامتحاملا ويعد ذاك جميلا
هيهات قد برح الخفاء فعد إلىحكم التناصف واترك التخييلا
الفضل للخيري إلا أنهمجهلوا ولما يحسنوا التأويلا
قهر البنفسج منظرا ويفوقهفي الشم بالمسك الذكي دليلا
ورأى التستر بالنسيم لصبحهظرفا فعطل صبحه تعطيلا
وإذا أتى الليل البهيم بنشرهأبدى به للزائرين قبولا
كمهذب الأخلاق يهجر بالضحىخلا ويدني بالمساء خليلا
أو شارب ترك الصبوح تحفظافإذا أتى ليل أساغ شمولا
هو فاتك الأفعال يدرع السرىوتراه يطلب بالنهار خمولا
والخير في الخيري حتى في اسمههو فاضل فاستأهل التفضيلا
يا أيها القاضي الذي من عدلهأضحى الزمان بغرة محجولا
أنت الشهيد له وعلمك حاكمعدل وحسبك شاهدا مقبولا
فاحكم على من قد تعاطى ظلمهواعقد بما تقضي له تسجيلا
الرأي منك مهذب مستحكموالعلم فيك وتحكم التأويلا
من كان إسماعيل والده الرضىفكفاه فخرا أن يكون سليلا
أنتم حلي للزمان محسنقد كان عطل قبلكم تعطيلا
وقصيدأبي بكر بن القوطية في الرد عليه ممتزج بمدح الحاجب_أطال الله عمره وأبقى علينا ستره_وهو:
نبل البنفسج فاحتوى التفضيلاوكذا البنفسج لن يزال نبيلا
لما شأى نور الربيع بطيبهوحوى من الشرف الصريح أثيلا
فضل النوار فحاز دون جميعهقصب السباق ولم يكن مفضولا
متشبها في سبقه بالحاجب الأعلى عماد الين إسماعيلا
ملك علا غر الملوك المعتلين أبا وجدا في العلا وقبيلا
كم طاولوه في الفخار ففاتهمعرضا إلى المجد التليد وطولا
متشبهين بما يمثله لهملو أحسنوا التشبيه والتمثيلا
كتشبه الخيري بالمزري بهليحوز من تلك الخصال فتيلا
وإذا اعتزى فإلى البنفسج يعتزيوإليه ينسب كي يعز قليلا
ما للكر نبي الخليقة يبتغيفضل الرئيس المعتلي تخييلا
أو ما درى أن البنفسج لم يزلفوق الأكف جلالة محمولا
من أين للخيري اللئيم طلاقة السسمح الكريم ولن يزال بخيلا
متستر طول النهار بعرفهكي لا يرىلنسيمه مسؤولا
حتى إذا طرق الظلام سخا بهإذ لا يرى إلا القليل سؤولا
زهم المشم إذا تقادم قطفهشيئا قليلا أو أحس ذبولا
وإذا قرأت منافع النوار للحكماء أصبح بينها مجهولا
والنفع غضا إن تشأ أو يابساهو للبنفسج كله محصولا
لا يستحيل نسيمه في الحالتين ولا إذا استنشقته معمولا
وذخيرة الخلفاء والأملاك لايخلون منه مجنسا مفصولا
فليحظ بالقدح المعلى فاخراوليرجع الخيري عنه ذليلا
وللوزير أبي عامر بن مسلمة قطعة بديعة مطبوعة أشار فيها إلى تفضيل البهار على النرجس [وهي]:
ونرجس هب يرنوبمقلة ليس تطرف
مثل النجوم تساقطن في رداء مفوف
يحكي البهار ولكنبهارنا منه أصلف
له فضيلة سبقلغيره ليس تعرف
فعج عليه فدتك الننفوس واشرب لتظرف
وللفقيه أبي الحسن بن علي قطعة سرية يفضل فيها الأصفر على النمام وهي:
أرى أصفر الخيري يبدي من الضناتباريح مكلوم الفؤاد سقبمه
ويكذبه سحر بأعين نورهوقضب له تندى بماء نعيمه
وعرف ذكي يقصر المسك دونهولا يبلغ الكافور طيب شميمه
يساجل آفاق السماء بروضةوأنجمها حسن بصفر نجومه
وذي هفوة قد ظن أن شقيقهوحارسه قد بذه بنسيمه
فقلت: اتئد في الظن واسمع لمنصفبصير بتحبير النظام عليمه
أفي القدر مخدوم لديك وخادموذو كرم في المجد مثل لئيمه
وسيان طيبا ليله ونهارهوليس خصوص الخير مثل عمومه
وما تفل في يومه مثل عاطرولا لحق في الفخر مثل صميمه
فقال: بحق قلت وهي مقالتيوللحق نور لائح في أديمه
وللوزير أبي عامر بن مسلمة أبيات محكمة في تفضيله أنشدنيها موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_أدام الله علوه وكتب عدوه_وهي:
أصفر الخيري عنديأرفع الخيري قدرا
فهو لا يمنع عرفاوهو لا يحميك عطرا
مثل لون الذهب الخالص لكن فاق نشرا
وغدا يحكي اليواقيت إذا ما كن صفرا
مثله استوجب منيأبدا شكرا وسكرا
مثلما استوجب قاضي العدل من ذا الخلق شكرا
ملك غرا أياديهـ على
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع