من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)
من المحاسن العصرية في المملكة المصرية
قد خدم مجلس مولانا الملك بغرائب من المدح كان البيان بها ضنينا، وأنتج الدهر له من بدائع القول ما لم يزل ف حشاه جنينا، مما استقرت الخدم به عند حفظتها، وحصلت مصونة تحت أيدي خزنتها، من منثور يتناقل في الآفاق ويتهادى، ويحدث لسامعه طربا لم يكن لمثله معتادا:
وقواف ليست تفارق معناهـ على أنها تجوب البلادا
ولولا ذلك لقصر المملوك هذا الفصل منها على الجوهر الشفاف، وأورد من الصفات الشريفة ما ينسب المفرق فيه إلى التقصير إذا نسب غيره إلى الإسراف. فهو يذكر غرراً لا يتحيز إلى فن مفرد، ويورد متخيرا يعرب عن حسن المطلب وجودة المقصد، ويفتتح ذلك بأحق الأشياء بالتقديم، وأولاها بالتشريف والتعظيم.
قال محمود بن القاضي الموفق في مولانا الملك ثبت الله دولته:
مليك تذل الحادثات لعزهيعيد ويبدي والليالي رواغم
فكم كربة يوم النزال تكشفتبحملاته وهي الغواشي الغواشم
تداركنا والمكرمات دواثريصم صداها والمعالي معالم
تشيد بناء الحمد والمجد بيضهوهن لأساس الهوادي هوادم
إذا صدرت عن مورد الموت خلتهابأغمادها وهي العواري العوارم
رقاق الظبى تجري بأرزاق ذا الورىوآجالهم فهي القواسي القواسم
وكان أبو طاهر الأطفيجي العابد اقترح عليه أن يقفه على شيء من منظومه. فعمل هذه القصيدة في مدح مولانا - خلد الله ملكه - وقال فيها مخاطبا للعابد:
صحائف أعداها الشباب بصبغةفهل أنت ماح ما تخط المآثم
إذا قائم السيف انثنى في ملمةولم يغن أغنى وحده وهو قائم
ولا يعلم المملوك شابا مدح شيخا متعبدا، وحدثا اجتدى ناسكا متزهدا بأحسن من هذا. وإذا كان الناس قد أجلبوا بقول حبيب:
يمدون من أيدٍ عواص عواصمٍتصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب
وهو بيت واحد؛ فما الظن بعدة أبيات سالمة من الضعف، بريئة من التسمج في الوصف؛ ألا إن ذلك بسعادة من خدم بها مقامه الأشرف، وإقبال من اتسعت مناقبه فغدا الخاطر يجري في ذكرها ولا يتوقف. وهذا النوع يسمى: التجنيس المركب. وقوم يسمونه: الناقص؛ لأن الحروف الأصلية في إحدى لفظتي التجنيس تنقص عن الأخرى، وقد أراد قوم جمع أقسامه فلم يحيطوا علما بها، وودوا حصر أنواعه لو أمنوا من تفرعها وتشعبها:
ولكنها صوب العقول إذا انجلتسحائب منها أعقبت بسحائب
لأن أدباء كل وقت يحدثون من ذلك ما يقترحون له ألقابا، وعلماء كل عصر يولدون فيه ما يقصدون به تعاطيا وإغرابا. فمن مستحسن ما أتوا به تجنيس التنوين، كقوله:
أنا الذي لا ذو هوىولا شجى ولا شجن
لاقى الذي لاقيت منمحبتي فتى فتن
وفي هذا مناسبة لقول الميكالي:
ليت أجفاني به سعدتفترى الطرف الذي فترا
وقول الصقلي:
نهاك أهلك عنيمن أجل أهلِكِ أهلِك
وقول مجبر أحد شعراء المجلس العالي المالكي ثبت الله سلطانه:
غاروا فغار لحيني فيهم قمرهويته أفلا أبكي وقد أفلا
والمتقدمون يسمون هذا: تجنيس المماثلة، وقوم يعبرون عنه بتجنيس اللفظ والخط، ويجعلون قول أبى نواس في آل الربيع من أحسنه وهو:
عباس عباسٌ إذا حضر الوغىوالفضل فضل والربيع ربيع
ويروى: إذا احتدم الوغى، أي اشتد حره.
والمملوك يقول: إن الأمدح أن يكون إذا اشتد الوغى بساما لا عباسا، فإن قصد بعباس رجلا مشهورا بالشجاعة فهو وجه جيد، ويكون من باب قول الآخر:
حتى كأنك يا عليُّ علي
ومن الشجعان المشهورين: عباس بن مرداس السلمي، ورآه عمر بن معدي كرب فقال: أهذا عباس بن مرداس؟ لقد كنا نفرق به صبياننا في الجاهلية. اللهم إلا أن يكون أبو نواس أراد ما جاء في الحديث من قوله ﵇: (ألقوا الكفار بوجوه مكفهرة) أي غلاظ، فهو وجه، فأما قول الأعشى:
إن تسد الحوص فلم تعدهموعامر ساد بني عامر
فمن علماء الشعر من يجعله مجانسة؛ لأن أحدها رجل والآخر قبيلة، ومنهم من يقول بل معناهما واحد؛ لأنه قال: بني عامر، فأضاف البنين إليه، ولو قال: ساد عامرا، يعني القبيلة؛ لكان تجانسا غير مدفوع. وقد سلم ابن سعيد الحلبي من هذا التأويل في قوله:
آل غني ما لناديكمقد فقد الطارق والسامرا
وما لهذا البيت من عامرلم يبق بيتا للندى عامرا
ومما ولده المحدثون تجنيس التورية، كقول مهيار:
ومدير سيان عيناه والإبريق فتكا وريقه والرحيق
والإبريق هاهنا السيف، وهو من أسمائه. قال أهل اللغة: إذا كان في السيف بريق فهو إبريق. ووجه التورية أنه لما قال: ومدير، ثم ذكر الإبريق حسن أن يعتقد فيه أنه آلة الخمر، ولما كان المعنى على السيف صار موريا عن غرضه بهذه اللفظة المشتركة. وهذا غرور في التجنيس ومثله قوله أيضاً:
فتى لا يريد المجد إلا لنفسهولا المال إلا قسمة ومنائحا
ينازع أزمات الزمان بأنملجوابر للأحوال تسمى جوارحا
فورّى بجوارح ضد جوابر عن الجوارح التي هي الأعضاء، وقصد ههنا الأيدي.
وقول عبد الله بن سعيد:
إذا سكنتم فقلبي زائد القلقوإن رقدتم فطرفي دائم الأرق
سرقت بالنوم وصلا من خيالكمفصار نومي مقطوعا على السرق
فورّى بقوله: مقطوعا الذي هو حكم السارق عن انقطاع نومه الذي هو ذهابه وعدمه.
وقول مجبر بن محمد:
فسقى محل الجزع من محل بهغيث تدور على الربى كاساته
سفح سفحت عليه دمعي في ثرىكالمسك ضاع من القناة فتاته
فقد ورّى بضاع من الضياع عن ضاع من التضوع. كما قال ابن حيوس:
بمدح إذا ما ضاع في القوم نشرهفما الند أهل أن يكون له ند
ومن مليح التورية قول عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلاعمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلتوسهيل إذا استقل يمان
يعني الثريا بنت علي بن عبد لاه بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت نهاية في الحسن والجمال، وسهيل بن عبد الله بن عوف، وكان غاية في القبح والدمامة فمثلها بسمييهما، وأراد بعدهما وتفاوت محليهما. وكل هذا من أبيات المعاني.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع