من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)
فصل
اعلم أن النظر يقتاد كل عاقل مميز، ويضطر كل منتسب إلى العلم متحيز، إلى الإقرار بأنه أشرف الملوك وأكملهم، وأعمهم بضروب الرحمة وأشملهم. وبرهان ذلك أنه إذا تأمل الموجودات متيقظ، ورتبها في مراتبها ... زمن الأهواء متحفظ، فأشرفها بلا مخالفة في ذلك الحيوان، ثم المخصوص بالنطق منه وهو الإنسان، ثم مدبرو المدن الذين عضدتهم القوى الملكوتية، وفاضت عليهم الأنوار الإلهية، ثم الأقرب منهم فالأقرب، والأمثل فالأمثل، ثم الجامع لذلك وهو مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل. وهذا ما لا خفاء به، ولا لبس فيه، ولا ريب يبعده عن محض الحقيقة وينفيه، فهو سيد أهل الأرض مذ فخرت البسيطة بظهوره، وسلطان هذا الخلق مذ استقر في دسته، واستوى على سريره، وظل الله الممدود على كافة المقرين بكلمة التوحيد، وصفوته الثابت علمها من جهة الاستدلال لا من جهة التقليد. فلا سبيل لعاقل أن ينكر ذلك ويجحده، بل الواجب على كل ناطق أن يقول بين يديه وينشده:
من شك أنك مخلوق لتملكهكمثل من شك أن الله خلاق
على أن مقامه الشريف يجعل كل بليغ لكنا، ويعيده حصرا، وقد كان فصيحا لسنا:
هو موقف تغضي العيون مهابةفيه ويعثر بالكلام المنطق
وقد ازدحمت بفنائه ضروب الأمم، وتواصلت إليه ملوك العرب والعجم، وهاجروا نحو بابه راجين مهطعين، وأموا ظله لاجئين إليه منقطعين ولقد ورد منهم اثنان متباعدا الأفقين، متباينا المنطقين وهما ملكا غانة وفرغانة، فأزال من قلب كل منهما أحقاده على الدهر وأضغانه، فاعتبروا يا أولي الأبصار كيف أحسن حتى إلى الدهر فأصلح القلوب له، وجعل ذلك من شكر الله على ما قمصه إياه وسربله. وهذا إشارة إلى القدرة التي خص بها، والعظمة التي استقر في أشرف منصبها. وإذا تأملنا ما سفر فيه البيان وتبرج، وأسفر به صبح الإبداع وتبلج، وأخرجت منه الضمائر جواهر كانت مستترة، ونظمت به الخواطر عقوداً ما زالت منتثرة؛ وجدنا ضروباً من الأقوال متسعة، وأصنافا من المدح متشعبة متنوعة، تدعو الناظر المحرر، والمتأمل المتصور، والعامل بفريضة العدل تعرضا لجزائه، والمناضل عن الحق رغبة في انتسابه إليه واعتزائه، إلى القول إن كل لسان انطلق في أيامه بخدمة ملوكية فما قصد غير مدحه، وكل بيان انبعث في أوصاف حقيقة فما أراد سوى تفصيل ذلك وشرحه، فلله در أبي نواس إذ يقول:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحهلغيرك إنسانا فأنت (الذي نعني
وما أحسن قول ابن الرومي:
إن أسرق الشعراء شعرهمفجزاء ما سرقوا من المجد
سرقوك مجدك وهو مدخرمن قبل أن تلقى إلى المهد
وكسوه قوماً لا يليق بهممن ماجد وسط ومن وغد
فرددت حقك غير معتذرمنهم إلى حر ولا عبد
فعمدنا إلى هذا الباب ذاكرين منه أنموذجاً لنظائره، واقتصرنا عليه إذ لا طمع لنا في ذكر سائره، واعتمدنا على ما لم يبتذله الاشتهار، وقصدنا ما لم يكن للألسن به استهتار، واجتهدنا في إيراد ما لم تخلق الأسماع جدته، وخدمنا بما لم تسلب الرواية رواءه وهجته. وقد يأتي في تضاعيفه ما ليس من شرطه حسب ما يوجبه تفرع التصنيف، ويقضي به تشعب التأليف. وسمينا ذلك رد المظالم لأنه حق لمولانا.
وقد حليت على غير أكفائه عروسه، وأديرت على غير شربه كؤوسه، فافتضت أسماعهم أبكاره، وشربت أفهامهم عقاره. وهذا ظلم من ناظمه وقائله، وتعد من سامعه وقابله.
ومن أقسام سيرته الشريفة العدل في إعادة الحقوق إلى أربابها، واستخلاصها من دار ذلها واغترابها. فاستعملنا بعض سيرته في وصفه، ورجونا الله بذلك في دفع المكروه عنا وصرفه، والله يسعدها ويوفقنا وعليه توكلنا ومعتمدنا.
وهذه بداية الكتاب: قال محمد بن عيسى:
ملك الورى والندى والبأس أنصلههندية وعطاياه هنيدات
وبدر سبع وسبع تستنير به السبع الأقاليم والسبع السماوات
ومن قصد بهذين البيتين وما يجاريهما صفة مولانا فكأنه لقول الحق إنما تلا قرآناً، وهما على الحقيقة كغيرهما من المدائح الشريفة لأنهما لما كان مآلهما إلى العرض بالمقام الأعظم - ثبت الله سلطانه - وكانا يشتملان على بعض صفاته صارا كلتاهما من خدم شعراء المجلس العالي وعفاته. وهذا حكم باب المآل، ونهاية التصانيف للأقوال. قال الله ﷿: (إني أراني أعصر خمرا) والخمر لا يعصر، وإنما يعصر العنب، لكنه لما كان المآل إلى الخمر سمي المعصور خمرا.
ومثله قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وإنما التقطوه ليكون لهم سرورا وولدا، لكنه لما كان مآله إلى العداوة جعل علمه للالتقاط.
قال عبد الله بن محمد بن سنان بن سعيد الخفاجي الحلبي:
لا يدعي الفصحاء فيك غريبةوالبيض تنثر والأسنة تنظم
إن أحسنوا حنك الثناء فإنهانطقت بمدحك قبل أن يتكلموا
عجبا لوجهك كيف بارق بشرهتهمي سحائبه ولا يتغيم
=ومن العجائب أن بيض سيوفه=تبكي دما وكأنها تتبسم فأما الأول فمن مليح التورية وقد أتى بها في قوله:
وصفوا بياض يد الكليم بمعجزفيه وكم لك من يد بيضاء
واستطرفوا إحياء عيسى ميتافردا وجودك باعث الفقراء
وقال:
من القوم صال الدهر إلا عليهموصالوا ببيض الهند حتى على الدهر
أشد احتقاراً بالردى من حسامهوأدنى إلى سر الأعادي على الذعر
له خلق في المحل غيث وفي الصبانسيم وفي جنح الدجى غرة البدر
وقد استعمل تركيب هذا البيت في موضع آخر فقال:
ما هزه طرب العقار وإنماأعطته نشوة كأسها الأخلاق
هي في الهوى وعد الوصال وفي الكرىطيف الخيال وفي الوداع عناق
وهو مأخوذ من قول ابن نباتة:
إنها في السحاب وبل وفي الرْرِيح نسيم ونشوة في الشراب
فأما قوله: أشد احتقارا بالردى من حسامه فهذا الصدر يصلح أن يعجز بقول أبي الطيب:
وأقدم بين الجحفلين من النبل
على أن صدر بيت أبي الطيب مناسب للعجز المذكور؛ لأنه قال:
أقل بلاء بالرزايا من القنا
فبصير هذا العجز مع صدرين.
قال محمد بن عباد بن عمرو:
سميدع يهب الآلاف مبتدئاويستقل عطاياه ويعتذر
له يد كل جبار يقبلهالولا نداها لقلنا: إنها الحجر
ولو أمكنه أن يقول الحجر الأسود لكشف المراد وبينه، وأظهر المعنى وحسنه. وقد اتفق ذلك لمحمود بن القاضي الموفق أحد مماليك مولانا، و (كاتب) إنشاء دولته في قوله يصف كتابا ورده، ويذكر أن الفاتك والناسك يلقياه بالتبجيل، وقابلاه بالتقبيل كأنما قد حل فيه اللمى، أو ذاب فيه الحجر الأسود. على أن ابن مكنسة ذكر الحجر غير موصوف، فلم يشكل المراد فيه. وسبب ذلك ما قرنه به، وضمه إليه، فقال من قصيدة أولها: لمثل ذا اليوم كان السعد ينتظر منها:
كأنك البيت قد طاف الحجيج بهوفي ركابيك حل الركن والحجر
فأما قصيدة محمد المقدم ذكره فإن لعبد الله بن سنان قصيدة على وزنها وفي معناها على تقارب العصرين وتباعد المستقرين، منها ما هو من شرط هذا الكتاب. قال منها:
ملك له سيرة في العدل معجزةلولا الشريعة قلنا إنها سور
قوم إذا طلب الأعداء عيبهمفما يقولون إلا أنهم بشر
تسمو البلاد إذا عدت وقائعهمفيها وتبتسم الدنيا إذا ذكروا
إن الخلافة ما زالت منابرهاإلى سيوفهم في الروع تفتقر
فهم صوارمها والبيض نابيةوشهبها وظلام الخطب معتكر
قال أحمد بن عبد الله:
ترى الدهر إن يبطش فمنكم يمينهوإن تضحك الدنيا فأنتم لها ثغر
عطاء ولا من وحكم ولا هوىوحلم ولا عجز وملك ولا كبر
طريقتكم مثلى وهديكم رضىومذهبكم قصد ونائلكم غمر
وهذا ضد قول العباس بن الأحنف:
وصالكم هجر وحبكم قلىوقربكم بعد وسلمكم حرب
ومن مليح التقسيم قول ابن حيوس:
لعمري لقد بذ الملوك جميعهمبأربعة في غيره لن تألفا
بأمن لمن يخشى وقهر لمن طغىوسبق لمن جارى وعفو لمن هفا
وقوله أيضاً:
قصر السابقون دون مداهاوتملكتها بست خصال
مكرمات مع اعتذار، وعفوباقتدار، وعفة في جمال
وقوله أيضاً:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتهافلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر
ومن مليح ما في هذا البيت ما تضمنه من ذكر الجواب قوله:
وبعد بيت رسول الله ما فخرتبمثل بيتك لا عجم ولا عرب
إن ناضلوا نضلوا، أو فضلواأو حاربوا حربوا، أو خاطبوا خطبوا
وقد أحسن أحمد المقدم ذكره فيما أتى به من ذلك في الغزل فقال:
يا بائعا حظه مني ولو بذلتلي الحياة بحظي منه لم أبع
ته احتمل، واستطل اصبر، وعز أهنوول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع
وهو كثير.
ولأحمد بن عبد الله أيضاً:
يا خير من ركب الجواد وسار في ظل اللواء
لا زلت للدنيا فأنت دواؤها من كل داء
وورثت أعمار العداوقسمتها في الأولياء
وبقيت مفديا بناإن نحن جزنا في الفدا
ومثل هذا لحسن بن عبد الصمد، وقد كانا في عصرن وإن لم يجتمعا في مصر، فلا أدري هل تسارقا أم توافقا:
لا زلت مخفوض العداما عشت مرفوع البنا
تفدى بنا إن كان يرضى المجد أن تفدى بنا
ومن أجود ما في هذه القصيدة:
ما أحسن المال إذاصاحب ذكرا حسنا
ومنها:
لنا الثناء خالصامنه وما يحوي لنا
شاد الذي بنى لهآباؤه ومكنا
عممت بالإحسان منك مضرا واليمنا
ينقاد صعب اللفظ ليسهل القياد مذعنا
كأن في خواطريلكل معنى رسنا
ومن هؤلاء الشعراء من يحسن في كثير مما يتصرف فيه، ويتناول المعنى فيجيده ويستوفيه؛ فمن محاسن أحمد هذا ما كتب به مع تفاح أهداه إلى ابن عباد:
يا من تزينت الرياسة حين ألبس ثوبها
جاءتك جامدة المدامِ فخذ عليها ذوبها
وهذا من قول الخليع:
الراح تفاح جرى ذائباكذلك التفاح راح جمد
فاشرب على جامده ذوبهولا تدع لذة يوم لغد
وقال السري:
وقد أضاءت نجوم مجلسناحتى اكتسى غرة وأوضاحا
لو جمدت راحنا اغتدت ذهباأو ذاب تفاحنا اغتدى راحا
والأصل في ذلك ما يحكى من قول كسرى: لست أدري: هل التفاح خمر جامد، أم الخمر تفاح ذائب؟.
وقد أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد، فمنهم من يجعلها ذوب الذهب كقول الصنوبري:
رأيته والكأس في فيه قدصوبها كالكوكب الصائب
وجسمها من ذهب جامدوروحها من ذهب ذائب
وقول محمد بن عباد:
أبدى لنا من لطيف حكمتهفي جامد الماء ذائب الذهب
ومنهم من جعلها ذوب الورد كقوله:
لاح وفاحت روائح الندمختصر الخصر أهيف القد
وكم سقاني والليل معتكرفي جامد الماء ذائب الورد
وقول الصنوبري:
من ينس لا أنس اتصال زمانناويد السعود على الزمان مساعده
إذ نخبتي راح كورد ذائبوتحيتي ورد كراح جامده
وكل هذا تصرف في قول ابن المعتز:
وزنا لها ذهبا جامدافكالت لنا ذهبا سائلا
وعلى ذكر الذهب وذوبه فحدثني إبراهيم بن شغب أنه ليم فيما أنفقه على جارية له، فقال:
ما الذهب الصامت مستكثراإذ هابه في الذهب الناطق
قال أبو بكر محمد بن عمار:
ملوك مناخ العز في عرصاتهمومثوى المعالي بين تلك المعالم
إذا قصر الروع الخطى نهضت بهمطوال العوالي في طوال المعاصم
وأيد أبت من أن تؤوب ولم تفزبجز النواصي أو بجز الغلاصم
إذا ركبوا فانظروا أول طاعنوإن نزلوا فارصده آخر طاعم
وهذه قطعة اتسع فيها، وأحسن التصرف في معانيها، فقال في صفة الفرس:
خذوا بين إن لم تهدروا كل سابحلريح الصبا في إثره أنف راغم
من العابسات الدهم إلا التفاتةإلى غيره أهدت له ثغر باسم
طوى بي عرض البيد فوق قوائمتوهمته منهن فوق قوادم
ومن جيد ما فيها:
وليل لنا بالسدتين معاطفمن النهر ينساب انسياب الأراقم
بحيث اتخذنا الروض جارا تزورناهداياه في أيدي الرياح النواسم
وبتنا ولا واش يحس كأنناحللنا مكان السر من صدر كاتم
ولأبي بكر هذا:
ملك إذا ازدحم الملوك بموردونحاه لا يردون حتى يصدرا
قداح زند المجد لا ينفك مننار الوغى إلا إلى نار القرى
أيقنت أني من ذراه بجنةلما سقاني من نداه الكوثرا
وقال أيضاً:
جنيت ثمار النصر طيبة الجنىولا شجر غير المثقفة الملد
ببدر ولكن من مطالعه الوغىوليث ولكن من براثنه الهندي
ورب ظلام سرت فيه إلى العداولا نجم إلا ما تطلع من غمد
ومنها في ذكر بلدة افتتحها وأحرقها:
فأرملتها بالسيف ثم أعرتهامن النار أثواب الحداد على الفقد
فيا حسن ذاك السيف في راحة الهدىويا برد تلك النار في كبد المجد
فقوله أرملتها بالسيف، وألبستها حدادا بالنار، من أحسن تركيب وأبدع تشبيه. ولقد ذكر عبد الله بن محمد مثل ذلك، وهو وأبو بكر متقاربا الزمن، متباينا الوطن؛ فهذا بالعدوة الدنيا وهذا بالعدوة القصوى. فقال وأحسن ما شاء:
غادرتها دمنا على أطلاعهايبكى الخليط وتذكر الأشواق
وشرعت دين قراك في عرصاتهافالنار تضرم والدماء تراق
وعلى هذا البيت من البهجة، وحسن الديباجة، ما لا أعلم لأحد مثله. ولقد ذكرت بالنار قول الآخر في حريق جامع دمشق:
فأتته النيران طولا وعرضاعن يمين من قتره ويسار
ثم مرت على حدائق نخلفإذا الجمر موضع الجمار
ومن قول أبي بكر:
كم من شجاع قدته نحو الردىبدم من الأوداج كأرسان
روى ليضرب فابتدهت بطعنهإن الرماح بداية الفرسان
وقال:
وفيت لربك فيمن غدروأنصفت دينك ممن كفر
ولم تتقدم بجيش الرجال حتى تقدم جيش الفكر
فعاقر سيفك حتى انحنىوعربد رمحك حتى انكسر
وكم نبت في حربهم عن عليوناب عن النهروان النهر
وأبو بكر هذا من الأعيان المشهورين، والمجيدين المذكورين، والمحسين في خطاب الملوك، والمطلعين باستعطافهم شمسا آمنة من الدلوك. فمن ذلك ما كتب به إلى أحد السلاطين وهو مزمع على السفر لخوف لحقه منه:
أصدق ظني أم أصيخ إلى صحبيوأمضي عزيمي أم أعوج عن الركب
أخافك للحق الذي لك في دميوأرجوك للحب الذي لك في قلبي
وهذا وإن كان مأخوذاً من قول مهيار في القصيدة التي أولها:
سل الركب إن أعطاك حاجتك الركبمن الكاعب الحسناء تمنعها كعب
أحبك ودا من يخافك طاعةوأعجب شيء خيفة معها حب
فإنه ألذ مسموعا، وأحسن مصوغا. وقد أحسن الآخر في قوله:
تمر سفيهات الرياح بأرضهفترصن إجلالاً له وتوقر
وتشتاق عينيه الكرى وتخافه=فيأتي إلى الأجفان وهو مغرر ومن مليح الوصف بالخوف:
مخوف والصوارم لم تجردولا أخلت مرابطها الخيول
ويكسو الصبح من نقع خضاباكليل والنصول به نصول
وكتب إليه أبو بكر أيضاً:
إني لممن إن دعاه لنصرةيوما بساطا حجة وجلاد
أذكيت دونك للعدى حدق القناوصمت عنك بألسن الأعماد
وهذا من أجزل عبارة، وأجود استعارة. ولله مهيار حيث يقول:
وهل تخفى المقاتل وهي بيضعلى مقل الذوابل وهي زرق
وقد أكثر الناس من الكناية عن السيوف، ومن مليح ما جاء في ذلك قول أبي تمام يصف سحابة:
سيقت ببرق ضرم الزنادكأنه ضمائر الأغماد
وهذا مما جعل منه الفرع أصلا؛ لأن المعتاد أن تشبه السيوف بالبروق، فتكون البروق أصلاً لأنها مشبه بها، وتكون السيوف فرعا لأنها مشبهة، فقلب مبالغة. وقال أبو الطيب: وأترك الغيث في غمدي وأنتجع فأما الأعشى النحوي فجعله جدولاً فقال:
ملك إذا ادرع الدلاص حسبتهلبس الغدير وسل منه جدولا
ومثله قول محمد بن البين:
وجلوا ظلام الليل بالصبح الذيقسموه بين جيادهم أوضاحا
وأتوا بغدران المياه جوامداقد فصلوها ملبسا وسلاحا
وقول محمد بن عثمان:
أنى يهاب ضرابهم وطعانهمصبا بألحاظ العيون طعين
فكأنما بيض الصفاح جداولوكأنما سمر الرماح غصون
وقد سماه قوم سليل الصاعقة، وسماه آخرون طبيب النفاق. وما أحسن قول الكموني:
لما التقى أسد العرين وشادنتحت الإزار وصارم بتار
قالت: أرى بيني وبينك ثالثاولقد عهدتك بالدخيل تغار
أأمنت نشر حديثنا؟ فأجبتهاهذا الذي تطوى به الأسرار
ومن غريب التصرف في وصفه، قول الآخر:
عقرت في سهك التراب خدودهمحتى ظننا أنها تتشيع
وتركت في عفر التراب رؤوسهمفي الأرض تسجد عن سيوف تركع
وقوله أيضاً:
جعلت رؤوس القوم عرس سيوفناتعصفر من أوداجهم وتطيب
إذا وعدتها البيض صادق وعدهابعثت لها البيض الرقاق تكذب
ومن قوله:
إذا سلبته عزمة منك غمدةكسته نجيعا فهو يكسى ويسلب
وإنما أخذه من قول السري:
يكسوه من دمه ثوبا ويسلبهثيابه فهو كاسيه وسالبه
وأخذه السري من قول البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرة فكأنهم لم يسلبوا
وقد جعلها ابن حيوس صوالج، فقال:
لك اليوم الذي شابت قرونبه من بعد أن فنيت قرون
بحيث بنيت مرهفة المواضيصوالج والرؤوس لها كرين
وكرين: جمع كرة؛ لأنه يقال في جمعها كرات وكرين، ولهذا أخذ على القائل في وصف النارنج:
كأن السماء همت بالنضارفصاغت لنا الأرض منه أكر
وعلى أبي نواس قبله في قوله في أرجوزته:
يحدو بحقب كالأكر
قال ابن جني: قد أخطأ في جمع كرة على أكر، فإن كان أراد جمع أكرة وهي الحفرة، فشبه الأتن في استدارتها بالحفر المدورة؛ فقد أحال المعنى. ومن البديع قول ابن حيوس:
قدت الجحافل لم يقد معشارهاكسرى الملوك ولا رآها تبع
قوم إذا راموا ممالك غيرهمحصدوا ببيض الهند ما لم يزرعوا
وقول ابن المحترق:
صيغ من الماء وصيغت لهمن لهب النيران خدان
وهذا نقل بيت ابن نباتة في وصف سكين:
ما أبصر الراؤون من قبلهاماء ونارا جمعا في مكان
على أن المملك قد فعل ما فعله ابن المحترق، فقال في وصف سيف مرصع: سيف تقام الحدود بحده، ويجتمع الماء والنار في غمده، ويتنازع ذوو الوصف في جوهري ترصيعه وفرنده. وقد أخذه حسن بن عبد الصمد، فقال:
فلم أر ماء قبله مترقرقايخالطه ذاك اللظى المتلهب
إلا أن حسنا استعمله في الغزل وهو يصلح صفة للسيف.
ومن الشعر ما يحتمل معنيين، ولم يقصد الشاعر إلا أحدهما، كقول والبة بن الحباب في صفة الورد:
مثل الشموس طلعن في الإصان
ويصلح أن يدخل في باب الغزل.
وقول السري في شبكة صياد:
وهل يفات لحظها أو يسبقوكلها نواظر لا تطرق
وهذا يصلح أن يوصف به فهد، وقد نقله ابن السراج إلى وصفه فقال:
تنافس الليل فيه والنهار معافقمصاه بجلباب من المقل
ومن محاسن هذه القصيدة:
يقصر الغيث عن آثار جودكمفحمرة البرق في قطريه كالخجل
وقد استعمل غيره هذا المعنى فقال:
يجود بالماء غيث الأفق منقطعاوغيث كفك بالأموال متصل
جارى نداك فلم يظفر ببغيتهفذلك البرق في حافاته خجل
ثم أتى بزيادة على ذلك فقال من أخرى:
منعت مكارمه رويتهفنداه طول الدهر مرتجل
جارت نداه السحب فارتجعتعنه ووابل ودقها وشل
فالرعد في أثنائها ضجروالبرق في أرجائها خجل
وقال:
قد قلت إذ قالوا: يداه سحابةسحبت ذيول مجلجل هطال
لا تضربوا مثلا له في جودهفحقيقة الأمثال للأمثال
وأبلغ من هذا قول الآخر:
ضربوا لك الأمثال في أشعارهملكنني بك أضرب الأمثالا
فأما ما تقدم من وصف السيف بالماء والنار فقد نقل وبولغ فيه.
أنشدني ابن مكنسة قوله في الخمر من أبيات:
أيام عودك مطلول بوابلهاوالدهر في عقله من مسها خبل
تنزو إذا قرعتها كف مازجهاكأنما نارها بالماء تشتعل
وقوله في وصف كأس:
وخضيبة بالراح يجلوها عليك خضيب راح
ما زال يقدح نارهافي الكأس بالماء القراح
وقوله من أبيات:
كلما سلط المزاج على نارها اشتعل
وهو من قول الآخر:
كم جوى مثله رسم مثلودم قد طل أثناء طلل
وأدرنا لهبا في ذهبكلما أخمد بالماء اشتعل
وكأن مأخوذ من قول البحتري:
كل جون إذا التقى البرق فيهلمعت للعيون بالماء ناره
وقال محمد بن عيسى يصف أبياتا بعث بها بعض الملوك إليه:
بعثت بها يا واحد الدهر قطعةهي الماء إلا أنها تتلهب
فجئت بها في الحسن ورقاء أيكةولكنها في العدم عنقاء مغرب
ومن مليح ما وصف به الشعر قول الآخر:
وقواف ليست تفارق مغناك على أنها تجوب البلادا
وقبيح أن أدعى الفضل فيهابعد أن أنطقت علا الجمادا
وكتب إليه أبو بكر في يوم غيم وقد احتجب:
تجهم وجه الأفق واعتلت النفسبأن لم يلح للعين أنت ولا الشمس
فإن كان هذا منكما عن توافقوضمكما أنس فيهنيكما العرس
وقال ابن خلصة:
ملك تملك حر الحمد، لا يدهنالت بظلم ولا مالت إلى بخل
لم تدر قبلك عين أنها بصرتبالغيث والليث والرئبال في رجل
يغرهم بكوالآمال كاذبة
ما جمعوا لك من خيل ومن خول
فأما قوله: لا يده نالت بظلم؛ فقد زاد الآخر فيه زيادة حسنة:
إذا هو ذاد الظلم عنا بعدلهغدا ماله في كفه متظلما
يرى الذنب أن تسطو يداه بمذنبويعتد جرما أن يعاقب مجرما
وقوله أيضاً:
تظلم ما تحويه فيك فلم يغثوقد جعلت في راحتيك المظالم
ومن عجب أن تظلم المال وحدهولم يبق في أيامك الغر ظالم
وقوله أيضاً:
يا عادلا في كل ما هو فاعلما بال كفك في اللهى لا تعدل؟
تبقى أحاديث القتيل بسيفهفكأنما يحيي به من يقتل
وهذا البيت من قول ابن نباتة:
تبقى بهم أخبار من غلبوافكأنهم أحيوا وقد قتلوا
وقال أبو الطيب:
وأن دما أجريته بك فاخروأن فؤادا رعته لك حامد
وقال مهيار:
ويستطيل القرن لاقى الردىبهم وما في الموت من طائل
ويشرف السيف بما شامهويفخر المقتول بالقاتل
ومن باب ظلم المال قول الآخر وذكر الخيل:
ما أوردوها قط إلا أصدرتجرحى الصدور سليمة الأكفال
وإذا انجلت عنهم دياجير الوغىعدلوا بفتكهم إلى الأموال
ووصفه الخيل من قول الرضي: (فُجعت بمنصلت) يعرف للقنا=أعناقها ويحصن الأكفالا وهو مأخوذ من قول الببغاء:
يلقى الطعان بصدر منه ليس لهظهر وهادي جواد ماله كفل
وقال محمد بن عثمان في وصف قصر، وهو بصفات مباني مولانا أليق، وأرجه في أرجائها أعطر وأعبق:
هو جنة الدنيا تبوأ نزلهاملك جبلته التقى والدين
راسٍ بحيث النون إلا أنهسام فقبته بحيث النون
فكأنما الرحمن عجله لهليرى بما قد كان ما سيكون
وكأن بانيه سنمار فمايعدوه تحسين ولا تحصين
وجزاؤه فيه خلاف جزائهشتان ما الإحياء والتحيين
ومحمد بن عثمان من المكثرين المبدعين، والمتصرفين التوسعين، ومن مليح تشبيهاته:
والسمر من قلب القلوب مواتحوكأنها موصولة الأشطان
والنبل في حلق الدلاص كأنهاوبل الحيا في مائج الغدران
وقوله أيضاً:
وفويق ذاك الماء من شهب القناحبب ومن خضر الصوارم عرمض
أهواهم وإن استمر قلاهمومن العجائب أن يحب المبغض
وقوله في وصف هام المصلين:
وقد تلم بها الغربان واقعةكأنها فوق مخلوقاتها لم
وقال:
تكاد تغنى إذا شاهدت معتركاعن أن يسل حسام أو يراق دم
وما اجتدى الموت نفساً (من نفوسهمإلا وسيفك كعب الجود أو هرم
وهذا من القول المعجب، والنظم المطرب، والبيت الأول قول مهيار:
ألق السلاح فقد غنيت سعادةعن حمله واضرب بجدك واطعن
وإذا أردت بأن تفل كتيبةلاقيتها فتسم فيها واكتن
وقال الآخر:
أدل بجمعه فكفاك جديفل سعوده الجيش اللهاما
ضربناه بذكرك وهو لفظفكان القلب واليد والحساما
وقال:
وما خيلاء الخيل فيها سجيةولكنها لما امتطيت توائه
فنصرك أيا ما سلكت مسايروفتحك أيا ما اتجهت مواجه
وقال في وصف هذه القصيدة:
ففي أنفس الحساد منها هزاهزوفي ألسن النقاد منها زهازه
وهذا من العكس الذي يطرب له السامع، وتقل فيه المطالع، ومن بديعه قول ابن جاخ:
وتحت البراقع مقلوبهاتدب على ورد خد ند
تسالم من وطئت خدهوتلسع قلب الشجي الأبعد
وللنيلي أحد شعراء اليتيمة:
إذا دهاك الوداع فاصبرولا يروعنك البعاد
وانتظر العود عن قريبفإن قلب الوداع عادوا
وقد أخذه ابن أبي وهب فقال:
قالوا تدانيت من وداعهمولم نر الصبر عنك مغلوبا
فقلت للعلم إنني بغدأسمع لفظ الوداع مقلوبا
ومن ضروب العكس قول البحتري:
ولم ير يوما قادرا غير صافحولا صافحا عن زلة غير قادر
وقول الآخر - وهو على دولاب -:
عبدك يا عبدون في نعمةصافية أذيالها ضافية
نديمتي جارية ساقيةونزهتي ساقية جارية
وعلى ذكر الدولاب فلم أسمع فيه أحسن من قول السلامي
وكأنما الدولاب ضل طريقهفتراه ليس يزول وهو يطوف
وقال أبو الطيب سالكاً مذهب البحتري:
فلا مجد في الدنيا لمن قل مالهولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وقال ابن حيوس:
إذا طلب العلياء لم يهنه الكرىوإن طلب الأعداء لم ينهه الزجر
ثغور العدا إن رمتموهن كالفلاوكل فلاة رمتم منعها ثغر
ومن بديع القلب، ونوعه الغريب الصعب أن يقرأ الكلام من آخره كما يقرأ من أوله، كقوله ﷿: (كل في فلك) وكقولهم: سر فلا كبا بك الفرس. وقد جاء ذلك منظوما قال:
بلغت بلاغتنا مدىدم أنت غالب تغلب
ومثله قول الآخر:
أراهن ناد منه ليس لهووهل ليلهن مدان نهارا
وقول الآخر:
قال بكر للمراديدارم للركب لاق
وذكر أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري من هذا الباب: لم أخامل. كبر رجاء أجر ربك. سكت كل من نم لك تكس.
ومن المنظوم:
أس أرملا إذا عراوارع إذا المرء أسا
أسند أخا نباهةابن إخاء دنسا
اسل جناب غاشممشاغب إن جلسا
وقال محمد يصف سماطا:
سمت السوام به الحمام كأنماأخذت بشأن من ذوي الشنآن
وتبعتها ذات الجناح كأنمافعلت جناحا قبل في الطيران
حتى غدا حمل السماء ونسرهاحذرين مما حل بالحملان
نار بأرجاء المدينة سقطهامزر ببيت النار في أرجان
فلو المجوس تجوس حول ديارناأمت لديك عبادة النيران
وقال:
فلا دولة إلا إليك نزاعهاوما زال يطوى عن سواك لها كشح
إذا خيف أن تشتد شوكة مارقفلا رأي إلا ما رأى السيف والرمح
وقال حسان بن المصيصي:
ملك يظل ثرانا عنده قبلافذو الغواية منا مثل عابدنا
نسقى ونسجد إجلالا لهيبتهفنحن نشرب خسرا في مساجدنا
وقال:
مليك إن دعته الحرب يومالما تعنو لهيبته الأسود
قسا قلبا وسن عليه درعافباطنه وظاهره حديد
وقال مسعود بن محسن:
مليك تحلم الآمال فيماحواه من الطريف أو التلاد
وتزدحم المطامع في نداهلأن عليه أرزاق العباد
وقد أحسن الآخر في قوله:
إن غاض صوب الحيا فاضت أناملهجودا وروضت الدنيا مكارمه
يصرف الأمر في الآفاق خاتمهويصبح الدهر طوعا وهو خادمه
وقال مسعود أيضاً:
وإنا إذا الأرواح ذابت مخافةمتحنا بأشطان الرماح وكاياها
متى ما أردنا أن يذاق حديدناخلقنا بحد المشرفية أفواها
وهذا من باب قول ابن نباتة:
خلقنا بأطراف القنا لظهورهمعيوناً لها وقع السيوف حواجب
ومسعود هذا مقل في شعره، محسن مطرب بغزله مفتن فمن ذلك قوله:
غزال يكون الفهد طوع يمينهولم نر ظبيا قط مستخدما فهدا
ومن أعجب الأشياء أن بات آمنامن الثأر فينا وهو يقتلنا عمدا
وقوله:
حوراء تقتل من رمته بطرفهافكأن سهم لحاظها مسموم
وتصيب أسهمها وليس يرى دمفالقتل منها ظاهر مكتوم
وتكاد تسكر بالحديث لأنهعصرت بحيث يمر فيه كروم
وقال محمد بن عيسى:
وضحت به العليا فمنهج قصدهامنه إلى ظهر المجرة مهيع
يندى عليك وأنت منه خائفوكذاك لج البحر مغن مفزع
وهذا من قول الآخر: هو البحر فيه الغنى والغرق على أن محمد بن عيسى قد ذكر هذا المعنى في موضع آخر، واحتاط للمدوح، فقال وأحسن:
براحته بحر محيط مسخريفاد الغنى فيه ولا يذعر الركب
والذي دعاه إلى البيت العيني قوله بعده:
فأشد ما تلقاه عند ليانهوكذا الأرق من الحسام الأقطع
وقال:
تخللت حتى غابة الأسد الوردوأنزلت حتى ساكن الأبلق الفرد
وجردت دون الدين سيفك فانثنىمن النصر في حلي من الدين في غمد
لقد ضم أمر الملك حتى كأنهنطاق بخصر أو سوار على زند
يغيثك في محل يغيثك في ردىيروعك في روع، يروقك في برد
جمال وإجمال وسبق وصولةكشمس الضحى، كالمزن، كالبرق، كالرعد
ومثل هذا التركيب، وعلى حكمه في الترتيب، قول محمد بن أبي سعيد:
جاور عليا ولا تحفل بحادثةإذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل
سل عنه وانطق به وانظر إليه تجدملء المسامع والأفواه والمقل
وقال محمد بن عيسى أيضاً:
ملك غدا الرزق مبعوثاوظل يجري على أحكامه القدر
يا من قضى الله أن الأرض يملكهاعجل ففي كل قطر أنت منتظر
وقال:
يهوى قناتك قلب من لم تهوهفيكاد فوق سنانها يتقلب
أنت النهار فليس دونك نجعةوالليل أنت فليس دونك مهرب
وفي هذا بيت النابغة وزيادة لأنه قال:
فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقد أجاد ابن أبي الفرات في قوله:
كأن فجاج الأرض كفاك إن يسربها مجرم ضمت عليه الأناملا
فأين يفر المرء عنك بجرمهإذا كان يطوي في يديك المراحلا؟
وقال:
يجري النهار إلى رضاك وليلهوكلاهما متعاقب لا يسأم
فكأنما الإصباح تحتك أشقروكأنما الإظلام تحت أدهم
والخيل كانت تستريح من السرىلو لم يكن فوق البسيطة مجرم
تهوى قناك الطير فهي وراءهاتهوي لتبصر حيث تطعن تطعم
بلغت إلى السمع الأصم صفاتهموأبان فيهن اللسان الأعجم
قوله: تهوى قناك الطير هو المعنى الذي سبق الأفوه الأودي إليه، واتبع جماعة من الشعراء تمثيله فيه واحتذوا عليه. ومن المشهور في ذلك ما جاء للنابغة، ومسلم، وأبي نواس، وأبي تمام وغيرهم، ومن مليح ما أعرفه فيه قول مروان بن أبي الجنوب:
لا تشبع الطير إلا في وقائعهفأينما سار سارت خلقه زمرا
عوارفا أنه في كل معتركلا يغمد السيف حتى يكثر الجزرا
وقول الآخر:
ولست ترى الطير الحوائم وقعامن الأرض إلا حيث كان مواقعا
وقول عبيد الله بن قيس:
والطير إن سار سارت خلف موكبهعوارفا أنه يسطو فيقريها
وقول ابن نباتة:
إذا حومت فوق الجموع عقابهتباشر عقبان بها ونسور
حواجل أو ربد الظهور قشاعمقوانصها للدارعين قبور
وقول الآخر:
كأن النسور نافست فيهم الثرىفقد حصلت أجسامهم في الحواصل
وقوله:
وتطايرت في الجوار رزق أجادلطلبت مطاعمها وزرق نصال
وقول الآخر:
عتادهم خطية قد تكفلتبرزق نسور حوم وخوامع
وقوله أيضاً:
فإن تك أسرى عفت البيض عنهمفمن بعد أن عافت ضباع وأنسر
والبديع كل البديع قول أبي الطيب:
يطمع الطير فيهم طول أكلهمحتى تكاد على أحيائهم تقع
وقال:
سألت أخاه البحر عنه فقال ليشقيقي إلا أنه الساكن العذب
لنا ديمتا ماء ومال فديمتيتماسك أحياناً وديمته سكب
إذا نشأت مالية فله الندىوإن نشأت مائية فلي السحب
أقلوا عليه من سماع صفاتهفإني لأخشى أن يداخله عجب
غفرت ذنوب الدهر لما لقيتهودهر به ألقاه ليس له ذنب
وأبلغ من هذا قول مهيار:
وما ذممت زماني في معاتبةوحجتي بك إلا وهو يخصمني
وقال محمد بن عبادة، فاستعمل أسلوباً غريبا، وركب تركيبا غريبا عجيبا، لأنه خلط بمديحه غزلا وتشبيها:
نفى الحب عن مقلتي الكرىكما قد نفى عن يدي العدم
فقد قرَّ حبك في خاطريكما قرَّ في راحتيه الكرم
وفر سلوك عن فكرتيكما فر عن عريضه كل ذم
فحبي ومفخره باقيانفلا يذهبان بطول القدم
وقد شاب قولي بذكري لهمديح أجل ملوك الأمم
وقال ابن مطرف:
يرى العواقب في أثناء فكرتهكأن أفكاره بالغيب كهان
لا طرفة منه إلا تحتها عملكالدهر لا دورة إلا لها شان
وقال عبد الحميد بن عبد الحميد:
أرح متن المهند والجوادفقد تعبا بجدك في الجهاد
قضيت بعزمة حق العواليفقض براحة حق الجياد
وقال جعفر بن محمد:
وعصرك مثل زمان الربيع لا تهجر الشمس فيه الحمل
تسامت علاك سمو النجوموسارت أياديك سير المثل
وقال آخر:
لعزك ذلت ملوك البشروعفرت تيجانهم في العفر
وأنت ملوك إذا شاجرواأظلتهم من قناهم شجر
بدور تجرد سيف الندىوتغمده في رؤوس البدر
وقال مصعب بن محمد:
مليك يجر الجيش جما عديدهلأرض الأعادي زائر متعبد
يزعزع أقطار البلاد كأنماتحم به الأرض الفضاء فترعد
وقال:
إلى ملك لو لم أحل قلائديبه لم أكن من جوهر الفضل حاليا
ألا إنني لما عددتك أولاختمت وما استثنيت بعدك ثانيا
وهذا المقدار دال على استنباط أمثاله من هذا الأسلوب، ومسهل استخراج أنظاره من هذا الغرض المطلوب، وهاد إلى ما يجب قصده في المدح واعتماده، وباعث على ما يلزم إضماره في الوصف واعتقاده. وقد أوردنا في هذا الجزء أنموذجاً لما يجاريه من بابه، واقتصرنا عليه لتعذر استقصائه واستيعابه. والله تعالى يديم على الأمة ظل مولانا ودولته، ويثبت سلطانه ومملكته، ويجعل تراب أرضه رثما في الشفاه، وغررا في الجباه، ولا زال عفوه كعبة الخائف الجاني، وجوده غاية تسمو إليها همم الأماني، وأيامه المشرقة الزاهرة موسماً للبشائر والتهاني، ويرحم الله عبداً قال آمينا إن شاء الله ﷿.
الحمد لله وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله الطاهرين، وسلم. الله حسب المملوك ونعم الوكيل.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع