من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)
رسالة العفو
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ أبو القاسم علي بن منجب بن سليمان الكاتب: هذه الرسائل التي صنفتها منذ الأيام الأفضلية، فأولها رسالة العفو التي ترجمتها استنزال ... مما خدم به المجلس العالي الملكي الأفضلي مملوكه فلان، الحمد لله راحم خلقه وإن عظمت ذنوبهم، وكاشف ضرهم فيما يطرقهم وينوبهم والمتفضل عليهم بنعمة وهم غافلون، والقائل في محكم كتابه: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي شرفه بالقرآن الكريم، ووصفه بالخلق العظيم، وفضله على كافة الأنبياء الذين بعثهم وأرسلهم، وأمره في أصحابه بقوله - عز من قائل -: (فاعف عنهم واستغفر لهم) وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي أجاب إلى الإيمان مسارعاً مبادراً، وصفح عن عدوه وكان عليه قادراً، وأعربت شيمه عن الشرف الصريح، ومنعه كرمه أن يجهز على جريح، وعلى آلهما الطاهرين الذين طهر بهم من الأدناس صلاة دائمة الاتصال، مستمرة في الغدو والآصال، وسلم وكرم ومجد وعظم. أجمعت البرية على اختلاف ألسنتها وألوانها، وتغاير عصورها وأزمانها، وتباين عقولها وآرائها، وتفاوت أغراضها وأهوائها أن أفضل ما اكتسبه المرء في وجوده، وأشرف ما منحه من كرم الله تعالى وجوده ما يوفق له من إصلاح أخلاق النفس وتهذيبها، وتبليغها غاية تجود الخواطر فيها وتهذي بها، وإن من أدرك ذلك فقد نال الرتبة العلية، وحاز السعادة الحقيقية؛ لأنه حصل على فضيلة الذات، ووصل بها إلى أعظم اللذات، وهذه قضية لا تنتقض، ومقدمة لا يخالف أحد فيها ولا يعترض. فأما النتيجة عنها فهي فعل الحسن والمثابرة عليه، والتنزه عن القبيح وإن دعت المكافأة إليه وأفضل الحسن ما بقي ذكر المرء بعده، وجعله بالوصف قريباً وإن أطالت الأيام عهده، إذ كان بقاء ذكر الإنسان عمراً يستجده، وكنزاً يذخره لوارثه ويعده. ومن أمثالهم: (البشر أحد الجودين، والذكر أحد الخلودين، والبيان أحد السحرين، والثناء أحمد العمرين) وما أحسن قول أبي الطيب:
كفل الثناء له برد حياتهلما انطوى فكأنه منشور
وقد سبقه إلى هذا المعنى غيره. قال التيمي:
ردت صنائعه على حياتهفكأنه في طيه منشور
وقال آخر:
طوته المنايا والثناء كفيلهبرد حياة ليس يخلقها الدهر
وبعد أبي الطيب قال مهيار:
أفنى الثراء على الثناء لعلمهأن الفناء مع الثناء خلود
وإذا تؤملت المناقب التي تخلد حسن الذكر، وتمثلت صوراً تستشف في مرآة الفكر؛ وجد أحسنها منظراً، وأشفها جوهراً ما كانت النعمة فيه تتعدى، والآمال تتعرض نحوه وتتصدى، فلذلك عظم رب المنائح والصلات، وفضل المتنفل بالصدقة على المتنفل بالصلاة؛ وذلك (أن) المصلي لا تتجاوزه مثوبة ما صنع، والمتصدق فقد نفع غيره وهو لا محالة قد انتفع. وهذا أمر قائم الدليل، واضح برهان التفضيل. ثم إن هذه النعمة المشتركة بين منعم عليه بها، ومنعم يثاب بسببها، تنقسم في قسمين أيضاً: أحدهما البر المعهود والصدقة المعروفة، والآخر العفو عن الجرائم التي تأبى احتمالها الطباع العزوفة. وتفضيل من يعفو على من يتصدق فرض واجب، وترجيحه عليه أمر متعين وحق لازب؛ لأن المتصدق لا يتجاوز حالاً مختلة يسد خصاصتها وفاقتها، والعافي عن الذنوب فقد يحقن دماء يوجب العدل سفكها وإراقتها. فالأول يولي جميلاً ويحسن صنيعاً، والثاني يحيي نفيساً (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) فبينهما هذا التفاوت الذي لا يخفى قدره، والتباين الذي لا يستتر على ذي تصور أمره، فقد استقر بهذه السياقة أن العفو أكرم الخصال، وأعلى منازل الكمال، وأحمد الأفعال عاقبة في العاجلة والمآل. ومن لطائف الله تعالى بأهل هذا العصر، ومواهبه التي تتعدى مدى الإحصاء والحصر؛ أن جعل هذه الفضيلة التي قام بها البرهان على أنها الأولى في العدد، وارتفع الخلاف في كونها الأولى بتعظيم كل أحد، أغلب الخلال على خلائق مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله ملكه بالتخليد، وشد ببقائه أزر الإيمان والتوحيد، الذي ملأ جماله العيون، وصدق إحسانه الظنون، ووضحت الدلائل على أن مثله لم يكن قط ولن يكون:
هيهات قامت معجزات العلافيه وماتت آية الانفراد
جل عن الناس فما عابهشيء سوى تشبيهه بالعباد
ثم إنه بسط الله اقتداره، وأعز أولياءه وأنصاره لم يعرض من الصفح بما ألف، ولم يقنع من العفو بما عرف مما يجود منه على الجاني ببقاء روحه، ويحول به بين المجرم وبين سكنى ضريحه، حتى أبان من التذاذه بالغفران، وإحسانه إلى من قابل نعمته بالكفران ما جعل المذنبين يتقربون إليه بالجرائر، والمسيئين يتوسلون عنده بالكبائر، فحمدوا خطأهم وما عهدنا الخطأ مع غير كرمه يحمد، وجحدوا براءتهم وما عرفنا البراءة لولا فيض فضله تنكر وتجحد، وصارت إساءتهم من مواتهم إليه وشوافعهم، وجنايتهم من حرماتهم لديه وذرائعهم. فما أصدق ما قال أحد شعراء مجلسه العالي شيد الله مبانيه، وبلغ كلاً من مماليكه آماله وأمانيه:
وسعت مراحمك الجناة بأسرهموأقلت كلاً منهم عثراته
وجزيت مرتكب الكبيرة منهم الحسنى فأصبح شاكراً زلاته
وهذا المعنى وإن كان مجيدو الشعراء قد ألموا به، وأبدعوا فيه، وسلكوا منه مذهبا لا يسلكه غيرهم ولا يقتفيه، كقول مهيار - وهو من المستحسن المختار -:
وإذا الإباء المر قال لك: انتقمقالت خلائقك الكرام: بل احلم
شرع من العفو انفردت بدينهوفضيلة لسواك لم تتقدم
حتى لقد ود البريء بأنهأدلى إليك بفضل جاه المجرم
فإنه في أوصاف مولانا - أدام الله ملكه - صدق وحق، وفي مدائح غيره من الملوك زور ومذق، ولسنا نطلق هذا الحكم خالياً من شاهد يصححه، ولا عاطلاً من قياس يبينه ويوضحه. فنقول: إن كل خلة شريفة، وكل فضيلة لملك أو خليقة، مما يتداول بالروايات، ويتناقل بالأخبار والحكايات، مثل ما اشتهر من عدل كسرى أنوشروان، وانتشر من ورع عمر بن عبد العزيز بن مروان، ومثل ما ذكر من حزامة الجعدي، وشكر من سماحة المهدي، ووصف من صبر المعتمد، وعرف من سياسة المعتضد، إلى غير ذلك من الفضائل التي شهدت لهم بحسن الأثر، وتضمنها ما ثبت من أخبارهم في التواريخ والسير، ولم نعلم أحداً اشتهر بالعفو اشتهار المأمون حتى كأن هذه المنقبة عليه موقوفة، وكأن الأمة مدفوعة عنها مصروفة. وأبهر ما حوته من آياته، وأكثر ما تضمنته من معجزاته، عفوه عن إبراهيم بن المهدي عمه، وتكرمه في تجرع غيظه منه وكظمه، وقد شاع ذلك عنه وذاع، وملأ ذكره ووصفه الأسماع، وإنما هو شخص مفرد، ورجل واحد، وصنو لأبيه. وكل عم أب ووالد. وقد كان استشار فيه من ثبت عنده عقله وفهمه، فقال: يا أمير المؤمنين، أكره أن يقال يوماً: أخوه، ويوماً: عمه. وهذا كلام يرفع القلب له حجابه، ويعلم سامعه صحته وصوابه. فلم انتقم منه لظاهر بالقساوة والعقوق، ولو شفى غيظه لجاهر بالإضاعة للحقوق، وأيضاً فإنه وصل إلى بغداد عقيب استخفاء إبراهيم واستتاره، واستقر بها بعد خمول ذكره وخمود ناره، فما ظفر به حتى انكسرت مغائظه، وتناقصت حقوده وحفائظه، وتمكن له من السلطان ما ترفع معه أن يأتي الانتقام، وحصل له من الاقتدار ما رغبه في ثناء إذا تقضت الأيام ثبت وأقام، ومع ذلك فما كان يقين إبراهيم بعفو المأمون حسناً، ولا اعتقاده في صفحة قوياً من قلبه ولا متمكناً، ومن دلائل ذلك أنه كان عند وثوبه اقترض مالاً كثيراً من التجار، وكان فيه لعبد الملك الزيات والد محمد عشرة آلاف دينار، فلما لم يتم أمره لواهم أموالهم، فعمل محمد بن عبد الملك الزيات قصيدة يخاطب بها المأمون، وقال فيها عند ذكر إبراهيم بن المهدي:
ووالله ما من توبة نزعت بهإليك ولا حب نواه ولا ود
فلا تتركن للناس موضع شبهةفإنك مجزي بحسب الذي تسدي
فكم غلط للناس في نصب مثلهبمن ليس للمنصور بابن ولا المهدي
فكيف بمن قد بايع الناس فالتقتببيعته الركبان غورا إلى نجد
ومن صك تسليم الخلافة سمعهينادى به بين السماطين من بعد
وأي امرئ سمى بها قط نفسهففارقها حتى يغيب في اللحد
فإن قلت قد رام الخلافة غيرهفلم يؤت فيما كان حاول من جد
فلم أجزهإذ خيب الله سعيه
على خطأ قد كان منه ولا عمد
ولم أرض بعد العفو حتى رفدتهوللعم أولى بالتغمد والرفد
فليس سواء خارجي رمى بهإليك سفاه الرأي والرأي قد يردي
وآخر في بيت الخلافة تلتقيبه وبك الآباء في ذروة المجد
وعرضها على إبراهيم، ولم يكن محمد حينئذ من أهل النباهة، ولا من أرباب الوجاهة، فسأله إبراهيم كتمانها، واستحلفه على ذلك، وأدى مال أبيه دون مال جميع التجار. فلو كان واثقاً بعفو المأمون لما التفت إلى هذا الإغراء، ولا عرج على هذا الافتراء، وكيف يثق به وهو لم يخل في أيامه من الترويع، ولا سلم من مخاوف التعنيف والتقريع؟! لا جرم أنه ما أمن حتى قضى المأمون نحبه، ولا اطمأن إلى أن مضى ورضوه ... حتى قال أحدهم في بعض ما خدم به من القصائد:
فإن تعف عنهم فانفهم عن ديارهموإن تنتقم فاضرب مناط القلائد
فخالف - خلد الله ملكه - من أتى بهذا القول مشيراً، وشملهم من العفو بما بدل ناعيهم بشيراً. على أنا ما علمنا ملكاً حرض على محرم فعف، ولا خليفة حمل على مكروه مسيء فتأخر عنه ولا كف. هذا سديف بن ميمون دخل على أبي العباس السفاح وعنده سليمان بن هشام فأنشده:
لا يغرنك ما ترى من أناسإن بين الضلوع داء دويا
فضع السيف وارفع السوط حتىلا ترى فوقها ظهرها (أمويا
فقال سليمان قتلتني يا شيخ، قتلك الله، ونهض أبو العباس فوضع المنديل في عنق سليمان، وقتل من ساعته. ودخل شبل بن عبد الله على عبد الله بن علي فأنشده محرضاً على بني أمية وعنده منهم ثمانون رجلاً:
أصبح الملك ثابت الأساسبالبهاليل من بني العباس
منها:
لا تقيلن عبد شمسٍ عثاراواقطعن كل رقلة وأواسي
ذلها أظهر التودد منهاوبها منكم كحز المواسي
ولقد غاظني وغاظ سوائيقربها من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها اللهـ بدار الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيدوقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أمسىثاوياً بين غربة وتناس
نعم شبل الهراش مولاك شبللو نجا من حبائل الإفلاس
فلما سمع؛ تنكر؛ وأمر بهم فقتلوا، وألقى عليهم البسط، وجلس للغداء، وإن أحدهم ليسمع أنينه لم يمت بعد. وقد قيل: إن المخاطب بهذه الأبيات أبو العباس السفاح، ويروى أنه قال لشبل: لولا أنك خلطت كلامك بالمسألة لأغنمتك جميع أموالهم، ولعقدت لك على جميع موالي بني هاشم. وقال العبدي الشاعر: دخلت على عبد الله بن علي السفاح، وعنده من بني أمية اثنان وثمانون رجلاً، والغمر بن يزيد بن عبد الملك جالس معه على مصلاه، فاستنشدني، فأنشدته قصيدتي الرائية:
وقف المتيم في رسوم ديار
وهو مطرق حتى انتهيت إلى قولي:
أما الدعاة إلى الجنان فهاشموبنو أمية من دعاة النار
أأمي مالك من قرار فالحقيبالجن صاغرة بأرض وبار
ولئن رحلت لترحلن ذميمةوكذا المقام بذلة وصغار
قال: فرفع الغمر رأسه إلي وقال: يا بن الفاعلة، ما دعاك إلى هذا؟ فضرب عبد الله بقلنسوته الأرض، وكانت العلامة بينه وبين أهل خراسان، فوضعوا عليهم العمد حتى ماتوا، وأمر بالغمر فقتل صبراً.
وكان ابن حزم أميراً على المدينة، فتحامل على الأحوص الشاعر تحاملاً شديداً، فشخص إلى الوليد بن عبد الملك، فأنشده قصيدة رائية أيضاً يمتدحه فيها، فلما بلغ منها إلى قوله الذي يشتكي ابن حزم ويظلمه:
لا ترثين لحزمي ظفرت بهيوماً ولو ألقي الحزمي في النار
الناخسين بمروان بذي خشبوالداخلين على عثمان في الدار
فقال له الوليد: صدقت، والله غفلنا عن حزم وآل حزم. ثم كتب عهد عثمان بن حيان المري على المدينة، وعزل ابن حزم، وأمر باستصفاء أمواله وأموال آهل، وإسقاط جميعهم من الديوان.
وهذه الحكايات والأخبار فلها أشباه كثيرة وأنظار لو توضع فيها لطال بابها ولم يضمن مع ذلك استغراقها واستيعابها.
وبعد فكل ملك إذا أخذ أهبة مملكته تكبر، وإذا انتصب في مقر عظمته طغى وتجبر، ومولانا - خلد الله ملكه - إذا علا دسته ورقي سريره رأى الناس أفضل الملوك سيرة، وأحسنهم مع الله سريرة، لا يعجل بالعقاب، ولا يؤجل الثواب، ولا يتجاوز في حكمه الصواب، ولا يمنع أحداً يستقي الحجة ويستوفي الخطاب هذا على انبساط قدرته، واعتلاء شأنه وانتشار هيبته، واتساع سلطانه، وإنه إذا استقر في منصبه، وحف الأكابر والعظماء به، وحضر رسل الملوك وسفراؤهم لديه، ووقف الأماثل سماطين بين يديه، وأذن لمن ببابه من أعيان الوفود، وغصت الأماكن الفسيحة بالعساكر والجنود، وتعرض الخدم لامتثال المراسم، واشتكت إليه الأرض من وقع المياسم؛ رأيت شرف الدنيا وعز الأبد، وسلطاناً عظيماً قوي المدد، وملكاً كثيراً لا ينبغي لأحد، ونظرت الأنوار قد سطعت وأشرقت، والأبصار قد خضعت وأطرقت، وشاهدت مقاماً مهيباًن ومنظراً هائلاً، وألفيت كل لسان معقولاً بالمخافة وقد كان جائلاً قائلاً، وتمثلت ضرورة بقول الله تعالى في محكم الكتاب: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) فالله تعالى يجعل مملكته مخلدة، وسعوده أبداً مجددة، وقلوب الأداني والأقاصي جنوداً في طاعته مجندة بفضله وقدرته وجوده ومشيئته.
وإذ قد قام الدليل على شرف العفو وفضله، وتعين بالواجب تعظيم من كان من أهله؛ فلا بدّ في هذه الرسالة من ذكر شيء مما جاء فيه، وإيراد طرف في الاستعطاف والاسترحام؛ إذ كانا من أسباب ودواعيه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع