يا صِبغَ رأسي والأُلى رَحَلُوا
الشاعر: ابن نباتة السعدي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر ابن نباتة السعدي، من العصر العباسي، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا صِبغَ رأسي والأُلى رَحَلُوا ... ما منكما عِوَضٌ ولا بَدَلُ
الاَّ الامامُ فكلُّ حادِثَةٍ ... ما أَخطأَتْ حوباءَه جَلَلُ
القادرُ العَافى الذي عَجَزَتْ ... عن سَعْيهِ آباؤُه الأُولُ
وهم الذين على عَنَائِهم ... حَمَلُوا من الاعباءِ ما حَمَلُوا
بلغُوا من الدُّنيا نَهايتَها ... وَجرى بهم في صَرفها المَثَلُ
واذا الرِّجَالُ بغيرهمِ عُرفوا ... لم يُعرفوا الاَّ بما فَعَلُوا
تَبقى بهم أَخبارُ من غَلُبوا ... فكأَنهم أُحُيوا وقد قُتِلُوا
أَلفى أَبو العبَّاس أُلفتَنَا ... شتى وبينَ نظامِنا خَلَلُ
فَتَتَبَّعَ الادواءَ يحْسِمُهَا ... وبالكيِّ حتى ماتَتِ العِلَلُ
نورٌ منَ اللاهوتِ في بَشَرٍ ... لو عِيب عيبَ بأَنَّهـ رَجُلُ
بَهْرَامُ صدعٌ من شَرارته ... وقُلامةٌ من كيده زُحَلُ
نُسِخَتْ به سيرُ الملوكِ كما ... نُسِخَتْ بملةِ أَحمدَ المللُ
لا يشتكي ألماً أَلمَّ بهِ ... فلجُرحهِ من صَبرهِ فَتَلُ
طولُ القناةِ يطولُ ساعدُه ... يَمضي وقد تتعاون الأَسَلُ
من لا يُملُّ عَطاؤُه أبداً ... حتى تَملَّ حُداءَ ها الابِلُ
وله عن اللذاتِ منتدَحٌ ... ومكارمٌ عن شُغْلِهِ شُغُلُ
ومجالسٌ تزكو الحُلُومُ بها ... لا اللهوُ يحضُرُها ولا الغَزَلُ
ونمتك أَطهارٌ مطهرةٌ ... وخلائفٌ آباؤُها الرسُلُ
يَفنى الحديثُ سِوى حديثِهم ... فالدهرُ الاَّ فيهم دُولُ
لهم ببطنِ مِنىً اذا نَزلوا ... زُمَرُ الحجيجِ صَلاتُهم أُصُلُ
ومقامُ ابراهيمَ مبتهلاً ... والركنُ حيث تُبادَر القُبَلُ
لهم وجوه يُستضاءُ بها ... وأَناملٌ يُجنَى بها الأَمَلُ
وصواهلٌ تختالُ انْ ركبوا ... وتُقادُ خاضعةً اذا نزلوا
لهم الرماحُ وكلُّ ذى خَطَلٍ ... الا الرماحَ يَعيبُهُ الخَطَلُ
من كلِّ متَّسَقِ الكُعُوبِ له ... نصلٌ بهِ الأرواحُ تَتَّصِلُ
منقضةُ الاطرافِ تَحسِبُهَا ... طيراً على اللباتِ تَنْتَضِلُ
لا يأمنُ الأعداءُ غيبتَها ... فدنُوها وبعادُها وَهَلُ
شَتى يَردن معا نُحورهُمُ ... وكأنها لِمُضَاحِكٍ نَغَلُ
لهم الدروُع كأَنَّها حَبَبٌ ... لعبتْ بِها النكباءُ والشَّمَلُ
وقواضبٌ رقتْ مضاربُها ... فكأنها لجفونها حِلَلُ
حَسَبوا الثريا من فعالهم ... فَمشوا على الجرباءِ وانعلُوا
ماذا أَقولُ وما يقالُ لهم ... انْ لم يكن كَمَلوا فلا كَمَلوا
ليتَ الذينَ على الغَرام لَحَوا ... يَدرونَ كيفَ لَحُوا وَمَن عَذَلُوا
لي ذمةٌ عَقَدَتْ شرئِطُها ... أَلا يَمُرّ بمهجَتي وَجَلُ
لم أَحسَبِ النوبَ التي ضَمِنَتْ ... الا وفيها الشيبُ والخَبَلُ
أَشكو اليكَ دلالَ غانيةٍ ... في النومِ لا تَجفُو ولا تَصِلُ
كَسَلى يزورُ مع الظلامِ لها ... طيفٌ فأعدى طيفَها الكَسَلُ
بَخِلَتْ بما جادَ الرقادُ بهِ ... ومن الغَواني يَحسُنُ البَخَلُ
في الجيرةِ الغادينَ جاريةٌ ... لا الحليُ زينها ولا العَطَلُ
خودٌ اذا أخفوا محاسنَها ... نَمَّتْ بها الاستارُ والكِلَلُ
كالشَّمْسِ شَارقة وغاربة ... لا الفَجْرُ يكتُمها ولا الطَفَلُ
واذا ارتَدَتْ بالبدرِ وانتقبتْ ... كُسِفَتْ فنالتْ وجهَها المُقَلُ
لولاكَ لم نُرْحَمْ وعاجلَنا ... مَنْ ليسَ في استعجالِه مَهَلُ
أَدركتَ أَرواحاً بها رَمَقٌ ... فنعشتَها ونشاطُها كَسَلُ
والناسُ ينتظرونَ منتظراً ... طالَ التَّمارى فيهِ والجَدَلُ
زَعَموا بأَنَّ العدْلَ آيتُه ... وبكَ الهُدى والعَدْلُ مُعْتَدِلُ
أَجَفَوهُ واحتجوا بِسُنَّتِهِ ... وظهرتَ فاعتلَّتْ بكَ العِلَلُ
يتنصلون بأَوجهٍ مَرضَتْ ... حَسداً فليسَ يَعودها الخَجَلُ
قَدْ بَيَّنَ الداءَ الذي كَتَمَتْ ... تِلكَ القلوبُ أَديمُها النَغِلُ
أَهواؤُهم غَلَبَتْ عقولَهم ... والعَقْلُ بالأَهواءِ يُعْتَقَلُ
قل للذينَ بذُلِّهمْ قَهروا ... بل للذين بعزِهم خُذِلُوا
لمَّاــ تَجافى النَّاسُ كلُّهم ... قُربى وقيلَ لأُمِّكَ الهَبَلُ
بَوَّأْتُ رَحلِي فهو ممتَنِعٌ ... في مَعْشَر جَعَلُوا وما جُعِلُوا
لولا مَحَلّى في ديارهم ... ضاقتْ بى الأقطارُ والسُّبُلُ
فاذا فَزعتُ اليهمُ نَصَروا ... واذا رغبتُ اليهم بَذَلُوا
يُخفونَ عن حالي السؤالَ فهم ... كرماءُ انْ سَأَلوا وانْ سُئلِوا
نِعَمٌ ولكن مالها عددٌ ... ومحاسِنٌ تقصيلُها جُمَلُ
نالُوا ببعض الرفقِ ما طَلَبُوا ... والرَّيثُ انْ أَحْمَدْتَهُ عَجَلُ
باهلْ أَميرَ المؤمنينَ بها ... في الشعرِ من يَحفى ويَنْتَعِلُ
لكَ من ثنائي المدح مقتصراً ... ولغيركَ التَّشبيبُ والغَزَلُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الاعباء: عبأ: العِبْءُ، بالكسرِ: الحِمْل والثِّقلُ مِنْ أَي شيءٍ كَانَ، وَالْجَمْعُ الأَعْباء، وَهِيَ الأَحْمال والأَثْقالُ. وأُنشد لِزُهَيْرٍ: الحامِل العِبْء الثَّقِيل عَنِ الجاني، ... بِغَيرِ يَدٍ وَلَا شُكْرٍ وَيُرْوَى لِغَيْ … (لسان العرب)
- القادر: قدر: القَدِيرُ والقادِرُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونَانِ مِنَ القُدْرَة وَيَكُونَانِ مِنَ التَّقْدِيرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*؛ مِنَ القُدْرة، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ … (لسان العرب)
- بغيرهم: غير: التهذيب: غَيْرٌ من حروف المعاني، تكون نعتاً وتكون بمعنى لا، وله باب على حِدَة. وقوله: ما لكم لا تَناصَرُون؛ المعنى ما لكم غير مُتَناصرين. وقولهم: لا إِلَه غيرُك، مرفوع على خبر التَّبْرِئة، قال: ويجوز لا إِله غيرَك ب … (لسان العرب)
- بلغوا: بلغ: بَلغَ الشيءُ يَبْلُغُ بُلُوغاً وبَلاغاً: وصَلَ وانْتَهَى، وأَبْلَغَه هُوَ إِبْلاغاً وبَلَّغَه تَبْلِيغاً؛ وقولُ أَبي قَيْسِ بنِ الأَسْلَتِ السُّلَمِيِّ: قالَتْ، ولَمْ تَقْصِدْ لِقِيلِ الخَنى: ... مَهْلًا فَقَدْ أَبْ … (لسان العرب)
- جلل: جَلَلَ: اللهُ الجَليلُ سُبْحَانَهُ ذُو الجَلال والإِكرام، جَلَّ جَلال اللَّهِ، وجَلالُ اللَّهِ: عظمتُه، وَلَا يُقَالُ الجَلال إِلا لِلَّهِ. والجَلِيل: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَقَدَّسَ وَتَعَالَى، وَقَدْ يُوصَفُ بِهِ الأَمر … (لسان العرب)
- حملوا: حمل: حَمَلَ الشيءَ يَحْمِلُهُ حَمْلًا وحُمْلاناً فَهُوَ مَحْمول وحَمِيل، واحْتَمَلَه؛ وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: فَحَمَلْتُ بَرَّة واحْتَمَلْتَ فَجَارِ عَبَّر عَنِ البَرَّة بالحَمْل، وَعَنِ الفَجْرة بالاحْتِمَال، لأَن حَمْل … (لسان العرب)
- حوباءه: حبأ: الحَبَأُ عَلَى مِثَالِ نَبَإٍ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: جَلِيسُ المَلِك وخاصَّته، وَالْجَمْعُ أَحْباء، مِثْلُ سَبَبٍ وأَسْبابٍ؛ وَحُكِيَ: هُو منْ حَبَإِ المَلِكِ، أَي مِنْ خاصَّته. الأَزهري، اللَّيْثُ: الحَبَأَةُ: لوْحُ … (لسان العرب)
- خلل: خلل: الخَلُّ: مَعْرُوفٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الخَلُّ مَا حَمُض مِنْ عَصير الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: نِعْمَ الإِدامُ الخَلُ، وَاحِدَتُهُ خَلَّة، يُذهب بِذَلِكَ … (لسان العرب)