من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)
رسالة مناجاة شهر رمضان
مناجاة شهر رمضان
أيام المواسم مكرمة مفضلة، وأوقاتها مرفوعة أعمالها متقبلة، بدليل فضل شهر رمضان عند من علمه وعرفه، وحصول الإجماع على ما شرف الله تعالى به يوم عرفة، فالصائم إذا نادى لباه الله - سبحانه - وأجابه، والمؤمن إذا ناجى حرم الله رده ومنع حجابه، لأنه كتب على نفسه قبول ما كان له - جل وعلا - فيه رضى، وجعل فاعل ذلك لا يخاف مخالفا فيه ولا معترضا.
ولما أهل شهر رمضان على المقام العالي المالكي السيدي الأجلي الأفضلي الجيوشي، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام الله قدرته، وأعلى كلمته، مؤذنا باتساع قدرة تخدمها الأفلاك، ومبشرا بانفساح مدة تخضع لها الأملاك، وكانت الحضرة العالية المالكة - ثبت الله دولتها، ونصر ألويتها - مخصوصة بالتوفر على الخير والبر، حريصة على الطاعات في الجهر والسر، متحققة أنها الأفعال التي يتقرب بها إلى الله تعالى ويتوصل، والذرائع التي يتحرم بها عنده ويتوسل، والدواعي إلى الثواب الجزيل في العاجلة والعقبى، والمساعي التي من لزمها كان الله حزبا وللشيطان حربا، وقد علمت - خلد الله ملكها، وأدام في أعداء الدين فتكها - أن المجتهدين في الأدعية اثنان: إما سالك في ابتهاله مسلك الطالب الراغب، أو معدد في مناجاته ما لله عنده من المنائح والمواهب، ولا خلاف أن من عدد الإنعام أفضل ممن طلبه، ومن اعترف بالإحسان أشرف ممن رامه وخطبه، وأنه لا حجة لها على الله ﷿ لأنه استخلفها على البسيطة لما كانت أفضل الخلق، وارتضاها لتدبير الخليقة لما هي عليه من العمل بالعدل، والحكم بالحق، وانتضاها محامية عن دينه الحنيف وتوحيده، وشرف اعترافها عن عدول الجاحد ومحيده، فأولى ما ناجته به وصف نعمه التي لا تحصى بعدد، وشرح منحه التي يلزمها ذكرها دون كل أحد، لأنها محظورة على كافة أهل الأرض؛ والناطقين فيها، ومحرمة أن يتفوه بها بشر إلا أن يكون إيرادها من شريف فيها. فلذلك خدم المملوك بهذه المناجاة التي عظم بها القدر عند الله تعالى والجاه، وجعلها مشتملة على تعديد النعمة، واستمطار الكرم والرحمة، والله تعالى يمد عليه ظل مالكه، وينهضه بخدمته، ويديم على الدنيا والدين عز سلطانه، وبهجة دولته، بفضله، وطوله، وحوله، وقدرته.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع