تجاوز إلى المحتوى

من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)

في تناوب الأعضاء

وهو مما يدل على تجويد الشاعر وقوة تصرفه، ومضاء خاطره وقلة توقفه، ومن أحسن ما جاء في ذلك قول أبي الطيب:

وجحفل ستر العيون غبارهفكأنما يبصرن بالآذان

وقوله:

كأن الهمام في الهيجا عيونوقد طبعت سيوفك من رقاد

وحكى ابن رشيق قال: جلست يوما إلى ابن حديدة الشاعر وأنا سكران، فسألني عن حال المكان الذي خرجت منه، فوصفته، وأفضى بي الحديث إلى ذكر غلام كان ساقيا، فقلت في درج الكلام:

فشربتها من راحتيهـ كأنها من جنتيه

وقلت: أجز، فقال:

وشممت وردة خدهنظرا ونرجس مقلتيه
للشاعر ابن أبي حديدة، اقرأ القصيدة

فقلت: أحسنت، وجودت شمك بالنظر، كسماع أبي الطيب بالبصر حيث يقول:

خلفت صفاتك في العيون كلامهكالخط يملأ مسمعي من أبصرا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهذا - وإن لم يكن من هذا الباب من كل جهة - فهو من أولى ما أورد معه.

وكذلك قول مهيار:

خان بكاء العين أجفانهفناح، والنوح بكاء الفم
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «عِمي صباحا بعدنا واسلمي»

لأن النوح والبكاء ليسا عضوين.

ولابن رشيق في جواب كتاب:

أسمعت عيني ما اشتهتبلسان هاتيك اليراعة

وقول الشريف الرضي:

عزني أن أرى الديار بعينيفلعلي أرى الديار بسمعي

وكان المملوك يوما مع صديق له وهما سائران في الطريق، فلقيهما ضرير، فلما سمع وقع حوافر الدواب؛ جعل يتوقف ويتحسس، وأخذ يتنصت ويتجسس، فقال المملوك لرفيقه: تأمل هذا الضرير كيف يتبصر بسمعه ولم يكن شيء من هذا الباب حينئذ على ذكره، فاستجاد العبارة، واستحسن الاستعارة.

ولأبي الطيب:

خير أعضائنا الرؤوس ولكنفضلتها لقصدك الأقدام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا افتخار إلا لمن لا يضام»

ولحسن بن عبد الصمد:

تعطي وسمعك بالملام مشنففكأن راحتك الكريمة تسمع

ولابن حيوس:

قواف هي الخمر الحلال وكأسهالساني ولكن بالمسامع تشرب
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «لكم أن تجوروا معرِضين وتغضبوا»

وقد أجاد ابن القمي وزاد بقوله:

ولي سنة لم أدر ما سنة الكرىكأن جفوني مسمعي والكرى العذل

ونظائره كثيرة.

قد قدم المملوك في صدر هذا الجزء اعتذاره في ذكر القليل وإيراده، واحتجاجه على توخي اليسير واعتماده، لما خص به المقام الأعظم - ثبت الله سلطانه - من المهابة التي تحجز عن الإطالة، وتمنع من دواعي السآمة والملالة، ولولا ذلك لتوسع فيما يجمعه، واستكثر مما يصنعه، تقربا إلى مالكه باجتهاده، وحرصا على تطلب الحظ وارتياده، والله تعالى يقضي له بارتضاء خدمه وإن كانت مختصرة لطيفة، ويجعل السعود - أبدا - محدقة بمجلس مالكه مطيفة، ويوزعه شكر النعمة فيما ناله من إحسانه وشمله، ويبلغه في الخدمة الشريفة بغيته ورجاءه وأمله، بمنه وطوله وقدرته وحوله إن شاء الله ﷿.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأفضليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.