تجاوز إلى المحتوى

من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)

مما أهمله المتقدمون وتركوه، فتيقظ له أدباء هذا الوقت واستدركوه

تضمن كتاب البلاغتين للعسكري نقدا على الفرزدق وابن هرمة، وهو: قال الفرزدق:

وإنك إذ تهجو تميما وترتشيسرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرهسراب أذاعته رياح السمائم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

وقال ابن هرمة:

وإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفي زندا شحاحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

والمنتقد أن ثاني بيت الفرزدق يصلح ثانيا لبيت ابن هرمة، وثاني بيت ابن هرمة يصلح ثانيا لبيت الفرزدق. ولم يزل إصلاح ذلك مهملا إلى أن فاوض المملوك بعض الأدباء فيه، فقال: ينبغي أن يكون قول الفرزدق:

وإنك إذ تهجو تميما وترتشيسرابيل قيس أو سحوق العمائم
كورقاء تعري للسفاهة بيضهاوتستر بيضا غيره بالقوادم

وقول ابن هرمة:

وإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفي زندا شحاحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كمثل الذي يهريق السقاءإذا ما السراب لعينيه لاحا

وهذا مما قنع المتقدمون بانتقاده، وأهملوا إصلاحه وتقويم منآده، حتى هذبه أدباء هذه الأيام الزاهرة، وحرره أنشاء هذه المملكة القاهرة، وذلك لما فاض عليهم من أنوار مالكها فاسترشدوا به في طريق الصناعة ومسالكها.

ذكر الشريف المرتضى في كتاب: طيف الخيال قول البحتري:

هجرتنا يقظى، وكادت على عادتها، في الصدود تهجر وسنى
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما تقضى لبانة عند لبنى»

وحكى كلام الآمدي عليه، وتغليطه للبحتري مع حسن رأيه فيه، ووافقه الشريف على ما ذهب إليه، مما مضمونه أنه يقظى ووسنى حالان من ضميرها، وأنها لا تكون موصالة في وسنها، حتى يقول: كادت تهجر في هذه الحال! وهذا البيت صحيح المعنى، وهو من إحسان البحتري، وذلك أن يقظى جمع يقظان، وهو حال من ضمير المتكلمين، لا من ضميرها، ووسنى جمع وسنان، وهو مفعول تهجر، وتقريبه: هجرتنا في حال يقظتنا، وكادت تهجر قوما ذوي وسن.

فالتأويل الأول يجعل البيت من إساءات البحتري ومعايبه.

والتأويل الثاني يجعله من حسناته وغرائبه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأفضليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.