تجاوز إلى المحتوى

من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)

فصل في محاسن أهل الوقت

فمن ذلك: قول قاسم بن علي معارضة لأبي عبادة البحتري.

قال البحتري من قصيدة أولها:

بات نديما لي حتى الصباحأغيد مجدول مكان الوشاح
للشاعر البحتري، من قصيدة «بات نديما لي حتى الصباح»

مشبها للثغر:

كأنما يبسم عن لؤلؤمنظم أو برد أو أقاح

وقال القاسم بن علي (الحريري):

نفسي الفداء لثغر راق مبسمهوزانه شنب ناهيك من شنب
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن بردوعن أقاح وعن طلع وعن حبب

فالبحتري شبه الثغر بثلاثة، والقاسم شبهه بخمسة وهذا أكثر ما يمكن في بيت.

وإذا استحسن قول الوأواء:

وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقتوردا وعضت على العناب بالبرد

وفيه خمسة تشبيهات بخمسة مشبهات فأن تستحسن هذه العدة لمشبه واحد أجدر.

والقاسم هذا باهر الفضل، فائق الطبع، غزير الأدب، كثير الملح فمما أعرب فيه عن براعته، وأبان عن بديع صناعته، أنه يمدح الشيء فيحسن في مدحه، ثم يذمه فيكشف عن قبحه، كقوله يمدح الدينار:

أكرم به أصفر راقت صفرته

وحببت إلى الأنام غرته

كم آمر به استتبت إمرته

وجيش هم هزمته كرته

وحق مولى أبدعته فطرته

لولا التقى لقلت: جلت قدرته!

وقوله يذمه:

تبا له من خادع مماذق

أصفر ذي وجهين كالمنافق

وحبه عند ذوي الحقائق

يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق

وشر ما فيه من الخلائق

أن ليس يغني عنك في المضائق

إلا إذا فر فرار الآبق

واها لمن تقذفه من حالق

ومن إذا ناجاه نجوى الوامق

قال له قول المحق الصادق

ولا رأي في وصلك لي، ففارق

وقد جعل هذا الشعر على وجه اللغز، وهو كثير الاستعمال لهذه الطريقة. ومن مليحها ما صنعه على لسان السروجي وولده وقاض تقدما إليه، فالذي نسبه إلى السروجي:

أيد الله القاضي، إنه كانت لي مملوكة رشيقة القد، أسيلة الخد، صبورة على الكد، تخب أحيانا كالنهد، وترقد أطوارا في المهد، ذات كف ببنان، وفم بلا أسنا، مطبوعة على المنفعة، مطواعة في الضيق والسعة، وطالما خدمتك فحملت، ولربما جنت عليك فآلمت وململت، وإن هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته إياها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلفها إلا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثم أعادها وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها.

والذي نسبه إلى الولد: أما الشيخ فأصدق من القطا، وأما الإفضاء ففرط عن خطا، وقد رهنته على أرش ما أوهنته مملوكا لي متناسب الطرفين منتسبا إلى القين، نقيا من الدرن والشين، يقارن محله سواد العين، يغذي الإنسان، ويتحامى اللسان، إن سود جاد، وإن وسم أجاد، وإذا زود وهب الزاد، ومتى استزيد زاد، لا يستقر بمغنى، وقلما ينكح إلا مثنى، يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته.

والذي نسبه إلى القاضي: إما أن تبينا، وإلا فبينا! فقال الولد:

أعارني إبرة لأرفأ أطمارا عفاها البلى وسودها
فانخرمت في يدي على خطأمني لما جذبت مقودها
فاعتاق ميلي رهنا لديه وناهيك بها سبة تزودها
فالعين مرهى لرهنه ويديتقصر عن أن تفك مرودها

وقال الشيخ:

أقسمت بالمشعر الحرام ومنضم من الناسكين خيف منى
لو ساعفتني الأيام لم ترنيمرتهنا ميله الذي رهنا
ولا تصديت أبتغي بدلامن إبرة غالها ولا ثمنا
لكن قوس الخطوب ترشقنيبمصميات من هاهنا وهنا
وخبر حالي كخبر حالتهضرا وبؤسا وغربة وضنا
قد عدل الدهر بيننا فأنانظيره في الشقاء وهو أنا
لا هو يستطيع فك مرودهلما غدا في يدي مرتهنا
ولا مجالي لضيق ذات يديفيه اتساع للعفو حين جنى
فهذه قصتي وقصتهفانظر إلينا وبيننا ولنا!

وقال في وصف كرم الخلق: أنا أراعي الجار ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال، وأستقل الجزيل للنزيل، وأغمر الزميل بالجميل، وأودع معارفي عوارفي، وأولي مرافقي مرافقي، وألين مقالي للقالي، وأديم تسآلي عن السالي، وأقنع من الجزاء، بأقل الأجزاء، ولا أتظلم حين أظلم، ولا أنقم ولو لدغني الأرقم.

وقال في عكس ذلك: أنا لا آتي غير المواتي، ولا أصافي من يأبى إنصافي، ولا أواخي من يلغي الأواخي، ولا أمالي من يخيب آمالي، ولا أداري من جهل مقداري، ولا أبذل ودادي لأضدادي، ولا أدع إبعادي للأعادي، وإلا فلم أعلك وتعلني؟ وأقلك وتستقلني؟ وأجرح لك وتجرحني؟ ومتى أصحب ود بعسف؟ وأي حر رضي بخطة خسف؟

قد كلت للخل كما كال ليعلى وفاء الكيل أو بخسه
ولست بالموجب حقا لمنلا يوجب الحق على نفسه

ومن مليح شعره قوله:

لقد أصبحت موقودابأوجاع وأوجال
وخوان من الإخوان قال لي لإقلالي
فكم أخطر في بالولا أخطر في بال
فمحرابي أحرى بيوأسمالي أسمى لي

فهل حر يرى تخفيف أثقالي بمثقالي

وقوله:

إني امرؤ أبدع بيبعد الوجا والتعب
فزفرتي في صعدوعبرتي في صبب
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «جوهرة عذبني»
وأنتم منتجع الراجيومرمى الطلب
لهاكم منهلةٌولا انهلال السحب
وجاركم في حرمووفركم في حرب
ما لاذ مرتاع بكمفخاف ناب النوب
ولا تستدر آملحباءكم فما حبي!

فأما قوله:

فزفرتي في صعدوعبرتي في صبب
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «جوهرة عذبني»

فمن المعاني التي تصرف فيها الشعراء وتفننوا، وتوسعوا توسعا أجادوا فيه وأحسنوا، فمن ذلك قول ابن أبي سعيد:

شتان في الحالين ما بينناوبيننا في المنظرين اشتباه
يا عجبا من حرقات الهوىتصعد نيرانا وتجري مياه
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

وهذا أصنع من بيت القاسم بن علي، لأن القاسم جعل الزفرة غير العبرة، فهذا في ارتفاع والتهاب، وهذه في انحدار وانصباب، وابن أبي سعيد جعلهما شيئا واحدا إذا صعد كان نارا، وإذا جرى كان ماء، فالنار علة الماء؛ لأن صعودها يجريه.

وقد عكسه الآخر في قوله:

ولم أر مثل الدمع ماء إذا جرىتلهب منه في الأصابع نار

فجعل الماء علة النار، وأن جريانه سبب لتلهبها.

وقد أحسن الصاحب غاية الإحسان في قوله:

لا تحسبن دموعي البض غير دميوإنما نفسي نار تصعد (

ولابن عباد أحد سلاطين الأندلس:

نار وماء صميم القلب أصلهمامتى حوى القلب نيرانا وطو (فانا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «يا غيم عيني أقوى منك تهتانا»
ضدان ألف هذا الدهر بينهمالقد تلون في الدهر ألوا (نا

وأما قول القاسم:

وجاركم في حرمووفركم في حرب

فمعنى متداول أيضا. ومن مليح ما قيل فيه:

لك العرض المباح لمن بغاهمن العافين والعرض المصون
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «بنصرك يدرك الفتح المبين»
وجارك ضد مالك منذ أمامحلك، ذا يعز، وذا يهين
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «بنصرك يدرك الفتح المبين»

وعلى ذكر قاسم، فللقاضي الرشيد محمد بن قاسم - وكتب به إلى صديق له كانت جاريته تزور داره، فجاءت على عادتها، وسألها أهله أن تقيم عندهم - فاستزار مولاها بقوله:

سيدة الروم رام عترتهامقامها عندهم إلى العتمه
فكن صلاة العشاء زائرناوالنون للجمع ليس للعظمه

ولقد ملح ابن قاسم وتظرف، كما تنوع قاسم وتصرف.

الغزالي:

حلت عقارب صدغه في خدهقمرا فجل بها عن التشبيه
للشاعر الغزالي، من قصيدة «حلت عقارب صدغه في خده»
قد كنت أعهده يحل ببرجهافمن العجائب: كيف حلت فيه؟!

ولما أنشد المملوك هذين البيتين ابن مكنسة عمل بديها:

قلتإذ ذرفن الدلا

ل على خده الشعر

هذه آية بهاظهر الحسن واشتهر
للشاعر ابن مكنسة، اقرأ القصيدة
ما رئي قبل صدغهعقرب حلت القمر

وعلى ذكر القمر والعقرب فقد أحسن ابن المغربي في قوله - وقد لسبت العقرب جارية كان يهواها -:

كم تستحم العين فيك بمائهاحتى كأن بها جنون المذهب
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة
إن كان نالك مؤلم من عقربفالبدر ممتحن ببرج العقرب
للشاعر الوزير المغربي، اقرأ القصيدة

وبرج العقرب: هبوط القمر. وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ نهى عن السفر إذا كان القمر في برج العقرب.

ولمحمود بن القاضي الموفق:

لام العواذل مغرمافي حب ملهية وقينه
ولو أنهن رأين تأثير الغرام به وقينه

وهذا تجنيس لفظي خطي تركيب، فأما الخط واللفظ فواضحان، وأما التركيب فالكلمتان في عدته متساويتا، وذلك أن الواو في الأولى عاطفة، وهي في الثانية من أصل الكلمة، والنون في الأولى من أصل الكلمة، وفي الثانية ضمير جماعة المؤنث، فأما الهاء فهي في الأولى تاء التأنيث المبدلة هاء في الخط والوقف، وفي الثانية ضمير المفعول الذي هو المغرم.

وهو يكثر من استعمال هذه الطريقة، وهي من أحسن ضروب التجنيس، فمن ذلك قوله:

وقد كان رأيك ركني الذيعليه اعتمادي وها قد وهى

ومن هذه الأبيات:

ترى الشمس يسمو بها أوجهاإذا قابلت منهم أوجها

والمملوك يختم هذا الجزء ببعض ما لهذا المملوك محمود من الخدم الشريفة، تحريا للصدق الذي لا يشوبه إفك، وعملا بقول الله - عز من قائل -: (ختامه مسك) فمن ذلك قوله من قصيدة:

لي مهجة جفناك قد فتناهاوبغى العدو أذاتها فتناهى
ما كان أفتاها بوصلي رحمةفمن الذي بقطيعتي أفتاها؟
آها لما صنع الهوى بل واهافيه تلذ نفوسنا بلواها
ندية الأردان يفعم نشرهافكأنه أوصاف شاهنشاها
هادي الدعاة الأفضل الملك الذيفخر الزمان بما أتاه وتاها
قد كان عدم العدل أقنط أنفسافجعلتها تقوى على تقواها

وقوله من قصيدة أخرى:

إني لأشكر بدر الخدر حين بداوقد تقارب حيانا فحيانا
يرضي الهوى والتقى والعاذلات فماينفك يجمع إحصانا وإحسانا
إن طالما أوضعت في الغي راحلتيفقد حمانيه وصف الأفضل الآنا
سيف الإمام الذي فخر الملوك بأنغدت تعفر في ناديه تيجانا
يقري العيون جمالا والعفاة جدىملء الأماني والجانين غفرانا
أغليت قيمة هذا النظم فارتفعتوكان كلا على الأذهان إذ هانا
فما يجوز زمان أنت مالكهولا يروعنا ما دمت ترعانا

قد أورد المملوك في رسالته ومختصره ما يدل على عجزه عن مفترط الخدمة الشريفة وحصره، ولا غرو أن يكون اجتهاده متأخرا عما يلزم ويجب، إذ كان المقام الأعظم مما يخفق كل قلب لمهابته ويجب، والله - سبحانه - يحرس عليه رأي مالكه وسلطانه، ويقره من خدمته فيما يليق بمساكن مثله وأوطانه، بجوده السابغ وإحسانه، وفضله الغامر وامتنانه، إن شاء الله ﷿.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأفضليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.