تجاوز إلى المحتوى

من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)

رسالة سماها التدلي على التسلي

من دلائل تفرد الله بتدبير بريته، وشواهد جري الأمور على إرادته ومشيئته، وحجج وحدانيته التي من جحدها أبان جهلا وعنتا، وبراهين ما أخبر به في قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أنه سبحانه يحمد على ما يسلبه كما يحمد على ما يهبه، ويشكر على ما يزعج ويضر كما يشكر على ما يبهج ويسر، فجئ القلوب ما يحدث فيها انصداعا، ودهم العقول ما يكاد يطيرها شعاعا، لم يلفتها الجزع عن حمده - جل وعز وعلا - ولم يمنعها الوله من الرضى بقضائه، وإن تحملت منه باهظا مثقلا. فالحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه، ولا يخرج شيء من مصنوعاته عن الشهادة له بأنه إله، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي حباه الشرف الباهر، وآتاه الفضائل الجمة والمفاخر، وأحسن العزاء لأمته في قوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر). وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي تولى من رسول الله - صلّى الله عليه - ما أبان به عن حسن صبره، واعتزل أمور الدنيا جانبا إلى أن واراه ﵇ في قبره، مع ما تداخل النفوس يومئذ من الحسرات، وفجعت به من الطوارق المستنكرات، حتى غدا ذوو الجلد في قبضة الهلع موثقين أسارى، وظلوا كما قال الله - عز من قائل -: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) وعلى آلهما الأئمة الأبرار، الذي اهتضموا حيث حلوا من الأرض وكانوا، وظلموا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، إلى أن استثمروا من الصبر استعادة حقهم، وضيقوا على أعدائهم مسالك طرقهم، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم تشريفا وتكريما وتعظيما.

وإن من حكمة الله - تعالى - وقدرته، وخفي علمه في تدبير خليقته، أن جعل أهل الدنيا فيها متفاضلين، وعند فراقها متساوين متماثلين، إذا نزل بهم حدث الموت لم يتميز فيه قوي من ضعيف، وإذا تجرعوا كأسه لم يختص بمر مذاقها مشروف دون شريف، وذلك يقين لا مجال للشك فيه، وحق لا يطور الباطل بناحية من نواحيه، وقد أخلدت النفوس إلى صحته وركنت، واطمأنت القلوب إلى حقيقته وسكنت، لأنه أمر حتم قد علم بالفطرة، وغامض من غوامض الحكمة، وسر من أسرار القدرة، وفي الصبر على ألمه الموجع، وترك الجزع الذي هو غير نافع ولا منجع، إيضاح للتذلل والخشوع، وإظهار للتضرع والخضوع، وإبانة عن الإخبات لله - جل وعز - فيما شاءه، ودلالة على رضى المخلوق بحكم خالقه فيما سره وساءه، وذلك موصل إلى السلوة بأقوى الأسباب وداع إلى نيلها مع إحراز الأجر الجزيل والثواب. ومن أبى في الرزء إلا الأسى كان بكاه منتهى جهده. وما أحسن قول الحسن البصري: (الحمد لله الذي كلفنا ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته، وآجرنا على ما لا بدّ لنا منه).

يقول: كلفنا الصبر، وأكلفنا الجزع، لم يمكنا أن نقيم عليه وأجرنا على الصبر ولا بدّ من الرجوع إليه.

ثم إن التأسي يسهل المصاعب، ويهون المصائب، فلله ابن دريد في قوله: وفي خطوب الناس للناس أسى وإن كانت الخنساء قد غلبت على هذا الباب في المشهور من قولها:

ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»
وما يبكون مثل أخي ولكنأعزي النفس عنه بالتأسي
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

وقد جعلت الغدر في تركها قتل نفسها كثرة الباكين حولها. وأين هذا من قول الآخر:

ولقد هممت بقتل نفسي بعدهأسفا عليه فخفت ألا نلتقي

فذكر أن علة ما هم به من قتل نفسه الأسف على من فقده، على أن ذلك في قوة قول الخنساء. وإن علة الامتناع ما جاء في الحديث من أن قاتل نفسه في النار. وقد وثق بحصول من فقده في الجنة، وطمع بها إذا لحقه غير قاتل نفسه. وهذا العذر أشرف من عذر الخنساء؛ لأنه للمخافة من عدم اللقاء في المآل، وعذر الخنساء إنما هو للتأسي.

فأما قول ابن الرومي مناقضا لهذا الباب، وذاكرا أن التأسي غير مخفف للمصاب:

وما راحة المرزوء في رزء غيرهأيحمل عنه بعض ما يتحمل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خليليّ قد علَّلتماني بالأسى»
وضرب من الظلم الخفي مكانهتعزيك بالمرزوء حين تأمل
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «خليلي قد عللتماني بالأسى»
لأنك يأسوك الذي هو كلمهبلا سبب لو أن رأيك يعدل

وقوله:

ومعز عن الشباب مؤسبمشيب اللدات والأصحاب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا شبابي وأين مني شبابي»
قلتلما انتحى يعد أساه

من مصاب شبابه فمصاب

ليس تأسو كلوم غيري كلوميما به ما به، وما بي ما بي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا شبابي وأين مني شبابي»

وقول الآخر:

رأيت التأسي مما يهيجعلى المرء ساكن أوصابه
وما نال ذو أسوة سلوةولكن أتى الحزن من بابه
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
تذكر في مثله أو رآهفأذكره ما به ما به

فذاك من تمويه الفصيح وخدعه، وتصرف البليغ وتنوعه، وإلا فالأول هو الصحيح الذي جاء في الكتاب والسنة. قال الله - تعالى -: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) وقال: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة).

ولولا أن الاجتماع يخفف كل ما ينوء، والاشتراك يهون صعب ما يسوء، لما قال الله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) لأنه نفى عنهم الانتفاع بالاشتراك في العذاب تغليظا عليهم لما قدموه من الظلم.

وقال رسول الله ﷺ: (تأسوا في مصائبكم بي).

وذلك في كلام البلغاء، ونظم الشعراء أكثر من أن يحاط به.

معلوم أن مالكنا الملك السيّد الأجل الأفضل، ونعوته والدعاء له ( ...) سيد ملوك الزمن، ومن فاز بجزيل ثواب الله في حالتي المسرة والحزن. أما المسرة؛ فلأنه يشمل بها جميع عبيده ورعيته، ويستخلص دعاء كل منهم بكريم فعله وجميل نيته، وأما في الحزن؛ فإنه يستعمل حسن الصبر في الأمور التي لا حيلة في دفعها، ويدل بذلك على استحقاقه ما خصه الله به من إعلاء المنزلة عنده ورفعها، لا يرى في العظائم إلا صابرا مسترجعا، ولا ينفك وجهه إلا مسفرا وإن كان متوجعا متفجعا، إذا نازله هم لقيه من الرضى والتسليم بالجيش اللجب المجر، وإذا سما إليه خطب عرف شرف ما يناله في الصبر عليه من جزيل الأجر، على أن محله أعلى وأعظم من أن يكون من الأقدار إلا مخدوما، ومكانه من الله - جل وعز - يكاد يجعله من الأمور الحتمية موقى معصوما. ولما طرق - خلد الله ملكه - بالحادث الجلل، ودهم بالرزء الذي لولاه لرمي عرش المملكة بالثلل، من وفاة أخيه من جهة نسبته، وولده لكفالته إياه وتربيته:

ومن كان يستعفي الإله إذا اشتكىمن الأجر في الشكوى وإن عظم الأجر

الأجل المظفر، سيف الإمام، جلال الإسلام، شرف الأنام، ناصر الدين، خليل أمير المؤمنين، الذي حلت وفاته من كل عين عقد وكائها، وأجرى فقده سواد النواظر في نجيع بكائها، وبغت القضاء فيه بأجور حكمه، وأنكر فعله، وشوهد من يومه الأنكد الشنيع ما لم تتمخض المنون بمثله:

ما إن سمعنا بطود قبله طفقتأنامل تتهاداه وراحات
تنافست أعين الباكين حين بكواكأنما أعين الباكين ضرات

ولقد عفت منيته سبيل التماسك والجلد، وأتت غبطته بما لم يجر في الخاطر ولا جال في الخلد، لأنه - قدس الله روحه - صار إلى رحمة الله ورضوانه، وانتقل إلى جواره وسكنى جنانه، وهو في ريعان عمره وأوله، وشرخ شبابه ومستقبله، مع حسن تركيبه وبنيته، والحكماء في خدمته وتدبير صحته:

بنفسي مولى أسلمته عبيدهومرتحل لم ينتظر أن يودعا
لقد راضه الموت الكريه مذاقهولو لم يرض لم يرض بالأرض مضجعا
ولا اتخذ الغبراء دار إقامةوقد كان مثواه من النجم أرفعا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «لصرف الليالي أن يصول ونخضعا»

فلست ترى إلا مختنقا بعبرته، متنفسا عن نار حسرته، عادما لسكونه وصبره، باكيا على انقطاع أمله، وانفصام ظهره:

والناس مأتمهم عليه واحدفي كل دار رنة وزفير

فما يغتبط بدنياه من تأمل هذا الحين، ولا يأمن فيظ النفس إلا من طمع بالصبر وأين وأين؟

وكل أسى لا تذهب النفس بعدهفما هو إلا من قبيل التصنع
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة

ولئن مضى إلى جوار الله الكريم، وانتقل إلى ما أعد له من النعيم المقيم؛ فللكافة ما مالكها - ثبت الله دولته - من دوام ظله مسل عن كل موال، وبقاؤه محسن الخلف عن كل من مضى وسلف:

لم يستحق الدهر كونكما معافيه فعوض قاطنا بمودع

والله يجعل كل الأعمار زيادة في مدته وعمره، ويجيب فيه ما يرفعه الحريص في سره وجهره. بكرمه، وطوله، وقدرته وفضله.

ولما كانت خدمة مجلسه العالي - ثبت الله سلطانه - فرضا على عبيد مملكته، وحقا لا عذر في التخلف عن تأديته، وقد صنع شعراء المقام الأشرف - ضاعف الله سعوده، ونصر أحزابه وجنوده - في هذا الباب ما أربوا فيه على من سبقهم، وآيسوا غيرهم من أن يلحقهم؛ بادر المملوك بهذه الخدمة، وأنشأ ما يأتي ذكره في هذه الحادثة الملمة على ما هو عليه من الحال التي ضلت معها العقول، وحجزت الأحزان فيها بين القائل والمقول.

والذي صنعه المملوك: إن كان الدهر قد فجئ بفادح المصيبة، ورمى بسهامه المصمية المصيبة، وبالغ في الفجيعة الفظيعة، وسعى بين الأرواح والأجسام بالفراق والقطيعة، وطرق من المصاب بالأجل المظفر - كرم الله مثواه - بما منع الطرف وسنه، وفتح من الصبر مستحسنه؛ فما حكم مداه إلا في مفاصله، ولا مكن ظباه إلا من مقاتله، ولا سطا إلا على قمره المنير فأخفاه، ولا عدا إلا على رونقه المونق فطمسه وعفاه:

إن خان فيه الدهر عندي إنمافي نقصه وعلى محاسنه سعى
في كل يوم عثرة من صرفهلا تستقال بأن يقال لها: لعا
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «عاتبت دهري في الجناية لو وعى»

فيا لله! ما أعجب فعله، وأبين جهله، وأقبح إساءته إلى نفسه، وأشنع سواد يومه بعد بياض أمسه:

يوم أظل بغمة لا يشتفيفيها الهدى وبغمة لا تنجلي

وأعجب من ذلك انطلاق الأيدي بعده - شرف الله ضريحه - بتحقيق خبر فقده، والإقدام على التعزية عنه وقد عدمت العقول من بعده، فوا لهفاه على مضيه وذهابه! ووا أسفاه على ما فعله الدهر، ودهى به! ووا حسرتاه! ما أمر العيش لما مر! ووا حرباه! لقد أساء القدر فيه بعدما سر:

لئن حسنت فيه المراثي وذكرهالقد حسنت

من قبل

فيه المدائح

ولله مطيع بن إياس في قوله:

يا أهل، بكوا لقلبي القرحوللدموع الهوامل السفح
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة
يا خير من يحسن البكاء له اليوم وإن كان أمس للمدح
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة

ومع هذه الحال فليس إلا التسليم والرضى، والتقبل لما حكم الله به وقضى، والتصبر وإن كان عمن لا تجد النفوس منه عوضا. على أن النعمة بالمقام الأعظم المالكي - ثبت الله سلطانه - قد ألانت قلوبا على الدهر قاسية، والموهبة في امتداد ظله قد غدت مصلحة لهذا الكلم آسية:

صبرنا على حكم الزمان الذي سطاعلى أنه لولاك لم يمكن الصبر
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «كفى الدين عزا ما قضاه لك الدهر»
عرانا ببؤسى لا يماثلها الأسىوإنك نعم لا يقوم بها الشكر
فأوجبت الأولى الملام فلم يلموأنى له لوم وأنت له عذر!

فالحمد لله الذي جعل المقام المالكي الأفضلي مستقيما للذماء، مجددا ملابس النعماء، مستقرة به الرأفة في الأرض كما استقرت الأدعية في السماء، وضاعف الله للأمة بتخليد ملكه ضروب المنن، وجعله من حوادث الدهر في أمنع المعاقل وأحصن الجنن. بمنه، وطوله، وقدرته، وحوله.

والمملوك يتبع ذلك بلمعة من أحسن ما يرويه للمتأخرين في باب التعازي نظما ونثرا. على أن منها ما يلهب في الضلوع نارا، ثم يستخرجها من العيون أدمعا غزارا:

يا عجبا من حرقات الجوىتصعد نيرانا وتجري مياه!

والناس - وإن رغبوا في التسلي، وحثوا على حسن التعزي؛ عالمون أن في إفاضة الكئيب لدمعته ما يذهب من لوعته، وفي إرساله لعبرته ما يعينه على سلوته.

يروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال - عند موت ابنه أيوب - لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين، وعليك بالصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة - كالمستريح إلى مشورته - فقال رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين فما بذاك من بأس؛ فقد دمعت عينا رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون. فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا، ثم أقبل عليهما، فقال: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم لم يبك بعدها، لكنه لما دفنه، وحثا عليه التراب قال: يا غلام، دابتي، ثم التفت إلى قبره، فقال متمثلا:

وقفت على قبر مقيم بقفرةمناخ قليل من حبيب مفارق

فمن مليح هذا الباب قول الشريف الرضي:

خبر تمخض بالأجنة ذكرهقتل النفوس وأسلف البلبا (لا
الشك أبرد للحشى في مثلهيا ليت شكي دام فيه وطا (لا

ينظر إلى هذا المعنى قول مهيار:

كم قد تعللت المنى بك تارةأمن، وطورا خيفة وحذار
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «من حاكم وخصومي الأقدار»
وتخالفت فيك الرواة فسرنيوتلونت بحديثك الأخبار
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «من حاكم وخصومي الأقدار»
ولقد ظننت بها وراء لثامهاخيرا، فكشف قبحها الإسفار
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «من حاكم وخصومي الأقدار»
ما كنت أول كوكب نزل الدناوسما إلى نظرائه فتعالى
لا رزء أعظم من مصابك إنهوصل الدموع وقطع الأوصالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»
ألا أقالتك الليالي عثرةيا من إذا عثر لازمان أقالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»
لمن الصوارم عريت أمطاؤهاحول الخيام تنازع الأطوالا
بدلن من لبس الشكيم مقاودامربوطة ومن السروج جلالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»
فجعت بمنصلت يعرض للقناأعناقها، ويحصن الأكفالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»

وهذا من قول أبي الفرج الببغاء:

يلقى الطعان بصدر منه ليس لهظهر وهادي جواد ما له كفل
إن طوح الفعال دهر ظالمفلقد أقام وخلد الأفعالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»
طلبوا التراث فلم يروا من بعدهإلا على وفضائلا وجلالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»
هيهات فاتهم تراث مخاطرحفظ الثناء وضيع الأموالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»
قد كان أعرف بالزمان وصرفهمن أن يثمر أو يجمع مالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»
وأرى الكمال جنى عليه لأنهغرض النوائب من أعير كمالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»
صلى الإله عليك من متوسدبعد المهاد جنادلا ورمالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»
طرح الرجال لك العمائم حسرةلما رأوك تسير، أو إجلالا
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أكذا المنون تقنطر الأبطالا»

يريد: حسرة وإجلالا، وأو هاهنا بمعنى الواو؛ قال الله - تعالى -: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا)، وقال الشاعر:

أتى الخلافة أو كانت له قدراكما أتى ربه موسى على قدر

وقال آخر:

وقد زعمت ليلى بأني أحبهالنفسي تقاها أو عليها فجورها

وقال مهيار:

كنت خبيئاً ترقب الأيام فيظهوره الميقات أو تراصد
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «جم لها الوادي وعز الذائد»

ولا يصح الوزن بالواو؛ لأن الكف لا يجوز في الرجز.

قالواوقد فجئوا بنعشك سائرا

من ميل الجبل العظيم فمالا

وهو يكثر من هذا المعنى كقوله:

أتنظر كيف تسفع بالنواصيليالبنا وتعثر بالجبال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نغالب ثم تغلبنا الليالي»

وقوله:

جبل هوى لو خر في البحر اغتدىمن وقعه متتابع الإزباد
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أعلمت من حملوا على الأعواد»
ما كنت أحسب قبل حطك في الثرىأن الثرى يعلو على الأطواد

وقوله:

إن كان ذا الطود خر فبعدما استعلى طويلا

وقوله دعاء لمريض:

لا زعزعتك الخطوب يا جبل.

وقوله:

أي طود لك من أي جباللقحت أرض به بعد حيال
ما رأى حيا نزار قبلهجبلا سار على أيدي الرجال

ومن مليح ما في هذه القطعة:

عجبا أصبحت للضيم ومانثر الطعن أنابيب العوالي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أي طود دك من أي جبال»
لا أرى الدمع كفاء للجوىليس أن الدمع من بعدك غالي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أي طود دك من أي جبال»
وبرغمي أن كسوناك الثرىوفرشناك زرابي الرمال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أي طود دك من أي جبال»
وهجرناك على ضن الهوىرب هجران على غير تقال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أي طود دك من أي جبال»
كل مأسور يرجى فكهغير من أصبح في قد الليالي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أي طود دك من أي جبال»
لا تقل تلك قبور إنماهي أصداف على غر لآلي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أي طود دك من أي جبال»

وقوله أيضا:

أرواحنا دين وما أنفاسناإلا قضاء والزمان غريمها
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هي ما علمت فهل ترد همومها»
لم يشفع الدهر الخؤون لمهجةفي العمر إلا عاد وهو خصيمها
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هي ما علمت فهل ترد همومها»
يا دهر كم أسهرت لي من ليلةقد كنت قبل؛ أنامها وأنيمها
إن كان رزؤك ذا جسيما فالذيينمي إليك من الأمور جسيمها
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هي ما علمت فهل ترد همومها»
فتعز، إن من العزاء شجاعةوأجل ما عزى نفوسا خيمها

وقوله أيضا:

إن المنايا معدات لأنفسناوإن أمدت بأعوام وأعوام
نسعى بأقدامنا عنها فتدركناسبق الجياد وما تسعى بأقدام
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هل كان يومك إلا بعد أيام»
ما لي بطي الليالي غير مكترثوما ورائي منها كان قدامي؟!
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هل كان يومك إلا بعد أيام»
إن الحياة وإن عزت مخائلهاظل، وإن المنى أضغاث أحلام
نامي البقاء إلى الذاوي تراجعهكلا، وما يرجع الذاوي إلى النامي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «هل كان يومك إلا بعد أيام»

وقوله:

نغالب ثم تغلبنا اللياليوكم يبقى الرمي على النبال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نغالب ثم تغلبنا الليالي»
ونطمع أن يمل من التقاضيغريم ليس يضجر بالمطال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نغالب ثم تغلبنا الليالي»
يحط السيل ذروة كل طودويهون بالجنادل والرمال
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نغالب ثم تغلبنا الليالي»
هي الأيام جائرة القضاياوملحقة الأواخر بالأوالي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «نغالب ثم تغلبنا الليالي»

ولأبي الفرج الببغاء:

خلف المدائح بعدك التأبينعن أي حادثة يعزى الدين
للشاعر الببغاء، من قصيدة «خلف المدائح بعدك التأبين»
ما كان في الدنيا كيومك مشهدبهر العقول، ولا أراه يكون
للشاعر الببغاء، من قصيدة «خلف المدائح بعدك التأبين»
لم يبق محذورا فكل مصيبةجلل لديه، وكل خطب دون
للشاعر الببغاء، من قصيدة «خلف المدائح بعدك التأبين»
قرت عيون المشركين وطالماقرت به للمسلمين عيون

ولابن معلى الأندلسي:

أمعتنق الصعيد وكان يغدوعليه وهو معتقل الصعاد
للشاعر ابن معلّى البريّاني، اقرأ القصيدة
أرى لبس الحداد عليك ممايشق على المهندة الحداد
للشاعر ابن معلّى البريّاني، اقرأ القصيدة

ومن كلام الوزير أبي القاسم بن المغربي: ولقد سمعت نبأ من هذا الحادث الرائع، وذروا من هذا الخبر المكروه الطلائع، فكنت كالظبي أفزعه القناص، وكالهارب لاحت له الأشخاص، فدافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه، فلما صرح مخض الاستخبار عن محض الحذار؛ فقدت الحس فلا أدعي ألما، وذقت سكون الموت فما أشتكي سقما، وغرقت في أمواج الوساوس، وضعت بين أجبال الهواجس، فلقد كنت يومئذ - وكل يوم يومئذ - عجبا لمعتبر، ومثلا لمفتكر.

فأما قوله: دافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه؛ فهو من قول أبي الطيب:

طوى الجزيرة حتى جائني خبرفزعت فيه بآمالي إلى الكذب

وقد أخذه ابن سعيد الحلبي، فقال، وأحسن:

أتاني وعرض البيد بيني وبينهحديث لأسرار الدموع مذيع
تصاممت عن راويه حتى أربتهوإني على ما غالني لسميع
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة

ولما سمع ابن مكنسة إذاعة سر الدموق قال:

دعوها تفض بعد دمع نجيعانهاها النهى فأبت أن تطيعا
وسر تبدد في عبرةوكنت جمعت عليه الضلوعا

ومن قطعة ابن سعيد:

فلهفي على الآمال فيك فإنهاثوابت لم يقدر لهن شروع
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
وعز على ساري الدجى أن يجوبهوما لك من بين النجوم طلوع
ألوم عليك الوجد وهو مبرحوأعتب فيك الدمع وهو نجيع
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
وأعلم أني ما منحتك طائلاوهل هي إلا زفرة ودموع
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة

وقول الوزير: فلقد كنت يومئذ _وكل يوم يومئذ - فالأصل فيه قول الأضبط بن قريع - وكان سيد بني سعد، وكانوا يؤذونه، فلما انتقل عنهم رأى غيرهم يفعل فعلهم، فقال-: بكل واد بنو سعيد. فذهبت مثلا.

وأخذ هذا المعنى متمم بن نويرة، فقال يرثى أخاه مالكا:

وقالوا: أتبكي كل قبر رأيتهلقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت لهم: إن الأسى تبعث الأسىدعوني؛ فهذا كله قبر مالك

وقال الحجاج في خطبة له: يا أيها الرجل - وكلكم ذلك الرجل_ ...

ولأبي تمام في هذا المعنى:

فلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدهاسجية نفس كل غانية هند

وللبحتري:

بلوتهم واحدا واحدافكلهم ذلك الواحد

ومن أحسن ما خوطب به المعزى قول أحمد بن سليمان:

جاءك هذا الصبر مستجدياأجرك في الصبر فلا تجده
سلم إلى الله فكل الذيساءك أو سرك من عنده
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «سلم إلى الله فكل الذي»

إن الذي الوحشة في داره تؤنسه الرحمة في لحده

ولمهيار:

كلح الصباح بموته عن ليلةنفضت على وجه الصباح ظلامها
فلئن مضى بعلاه دهر صانهافلقد أتى برداه يوم ضامها

وتصرف في معنى البيت الأول، فقال:

صبغت وفاتك فيه أبيض فجرهيا للعيون من الصباح الأسود
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أقريش لا فلم أراك ولا يد»

ثم قال:

ولئن غمزت من الزمان بلينعن عجم مثلك أو عضضت بأدرد
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أقريش لا فلم أراك ولا يد»
فالسيف يأخذ حكمه من مغفروطلى، ويأخذ منه سن المبرد
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أقريش لا فلم أراك ولا يد»

وأخذ هذا المعنى الخفاجي فقال:

لتطل ليالي الدهر بعدك إنهسيان بين صباحه وظلامه
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
سودته في ناظري كأنماخلعت لياليه على أيامه
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة

وقال:

أشكو فراقك ثم أعلم عندهأن السبيل إلى لحاقك مهيع
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
وألوم طول الليل أرقب فجرهأو ما ظلام الليل بعدك أسفع

وقال:

قد سألنا أطلالكم فأجابتومن الصمت واعظ ونذير
يا سواد الهموم صرت على الأيام لما ضاقت عليك الصدور
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة

ولمهيار مما لا يجوز أن يتمثل بثانيه إلا شاعر:

أبكيك لا ما تستحق وجهد ماتسع الصبابة أن تسيل محاجري
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «خدع الزمان مودة من ثائر»
وأشارك النواح فيك بأننيأبكيك، والتأبين نوح الشاعر

وهذا المعنى أيضا مما تصرف فيه فقال:

خان بكاء العين أجفانهفناح، والنوح بكاء الفم
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «عِمي صباحا بعدنا واسلمي»

وقال:

خان بكاء العين أجفانهفناح، والنوح بكاء الفم
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «عِمي صباحا بعدنا واسلمي»

وقال:

إن أنفدت عيني عليك دموعهافليبكينك بالقوافي مقولي

وما أحسن قوله في هذه القصيدة:

ما كنت أحسبوالزمان مقاتلي

يرمي ويخطئ

أن يومك مقتلي

وقال:

أمر بفي عليك الزلالوآلم جلدي وقع الشفوف
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «مشين لنا بين ميل وهيف»
أتحمل فقدك ذاك العظيمجوارح جسمي هذا الضعيف؟!
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «مشين لنا بين ميل وهيف»

وهذا ينشد مطلقا ومقيدا؛ فإذا أطلق كان من الأول من المتقارب، وإذا قيد كان من الثاني منه.

وقال:

نعم! هذه يا دهر أم المصائبفلا توعدني بعدها بالنوائب
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «نعم هذه يا دهر أم المصائب»
هتك بها ستر المجامل بينناولم تلتفت فيها لقينا المراقب
سددت طريق الفضل من كل وجهةوملت على العلياء من كل جانب
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «نعم هذه يا دهر أم المصائب»
أمن بعده يا دهر أحظى براجعمن العيش أو آسى على إثر ذاهب؟
تنافث عن جمر الغضا ناد باتهكأن فؤادي في حلوق النوادب
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «نعم هذه يا دهر أم المصائب»
بكت أدمعا بيضا ودمت جباههافتحسبها تبكي دما بالحواجب
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «نعم هذه يا دهر أم المصائب»
متى دنس الحزن السلو غسلتهفعاد جديدا بالدموع السواكب

وهذا تصرف في معنى قول ابن المعتز: إذا دنس الليل أثوابها=غدت في ثياب صباح جديد وقال:

ذهب الذي كانت تجاملني له الدْدُنيا وتسقط دوني الأخطار
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «من حاكم وخصومي الأقدار»
عجبا، يكون الجو بعدك ساكناواليوم أبيض ما عليه غبار
وكأن كفك لم تبن في ظهرهاقبل الملوك وتشهد الآثار
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «من حاكم وخصومي الأقدار»
ويخف بين بنانها إن حملتضبط الحسام ويثقل الدينار
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «من حاكم وخصومي الأقدار»

وقال:

بكر النعي فسك فيه مسامعيوأعاد صبحي جنح ليل أليل

الغاية في هذا المعنى قول أبي تمام: أصم بك الناعي وإن كان أسمعا

رحل الحمام بها غنيمة فائزما ثار قط بمثلها عن منزل
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «ما بعد يومك سلوة لمعلل»
كانت يد الدين الحنيف وسيفهفلأبكين على الأشل الأعزل
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «ما بعد يومك سلوة لمعلل»

ولابن حيوس:

وليس يعلو قرى الغبراء من أحدولا يكون لأضياف المنون قرى
حوادث لم تميز في تصرفهامن ضيع الحزم ممن أكثر الحذرا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «لو أن شامخ قدر دافع قدرا»
قضى وما إن قضى من لذة وطراوكم قضت منه آمال الورى وطرا

ومن كلام حسن بن عبد الصمد المعروف بابن أبي الخشباء: غي بدع من الزمان أن تنتكث حباله، وتصرد نباله، وتفهق بالغدر فجاجه، ويجدح بالسم أجاكه، وتراش في قصد الكرام سهامه، ويثار في قبض النفوس عجامه، ولذلك عرفت النفوس مواقع نكره، وأنست بغرائب غدره ومكره، واطمأنت الضلوع وقد أصمت صوائبه، وهجعت العيون وقد استيقظت نوائبه، ولما طرق الحادث بمن لا أسميه تفاديا من تحقيق الخبر بمصرعه، وصونا له عن مورد الحمام ومشرعه؛ رأيت المحامد ذات نور خامد، والمآثر ذات عقد متناثر، والقمر وقد سئم هالته، والصبح وقد خلع الليل عليه غلالته. وشاهدت الفضل وقد أسودت سحنته، واشتدت على الزمان إحنته؛ إذ طرق بما يتجاوز القدر ويوحش الأضالع من صحبة الصدر. هذا - والله - هو المصاب الذي تستعذب فيه الحلوم هفواتها، وتفارق له القلوب سويداواتها، وتستخف النوفس فيه حمل الأوزار، وتأنف العيون من لقائه بغير الدموع الغزار، حتى تجعل ذلك دابها، وتخضب بالنجيع أهدابها، إلا أنه نزل بمن لا يصبح الجزع مالكه، ولا تخطب الخطوب تهالكه، فلذلك ساغ للعبيد أن يخلوا الخدم من الإرشاد إلى مواقف التسليم، والحض على الصبر على الحادث الأليم، ويقتصروا على الرغبة إلى الله ي أن يهب له عقبى الدار، ويغفل عنه جوامح الأقدار، ويسعد بني الدنيا بسعادة حده، ويصون عن درجة الكسوف شموس مجده:

إذا صفحت عنك الليالي وأعربتبحفظك فينا هان كل مضيع

ولابن سنان:

وكيف يفوز الغيث فيك بمنةإذا كنت لا أرضى سحائب أدمعي
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
وليس بكاء العين إلا خيانةولا اللؤم إلا أنها بقيت معي
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
وأين وفائي! لا مدى الدمع بالغرضاي ولا جهد الصبابة مقنعي
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
تصاممت عن ناعيك حتى أربتهودافعت فيك القول من كل مدفع
ولما أبى إلا يقينا حديثهفزعت إلى جفن من الدمع مترع
فأي حسام حالت الأرض دونهوكان متى يضرب به الخطب يقطع
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة

وهذا الحد فالمملوك يقف عنده، ثم يعطش قلمه بعده، لما يلزم في باب المصاب إذا رمته الليالي وراء ظهرها، وأبعدت الأيام عهده بمرها، من الاكتفاء من القول بيسيره، والاستغناء عن كثيره بقليله، كراهية لتجديد الحزن وتطريته، وإشفاقا من تشييد ما يجب الحرص على تعفيته ولاسيما هذا الفادح الذي نبه خامل الثرى. ومنع الجفون من مصافحة الكرى، وأحزن مليك الأرض وسلطان الورى:

وتر الردى من لو تناول سيفهيوما لنال من الردى ما شاء
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أي العيون تجانب الأقذاء»

وهذا الخطب وإن رمى العقول بالخبل، وعم بالغم أهل السهل والجبل، ولم يسلم أحد فيه من رزء، ولا خلا من الأخذ منه بأوفر جزء؛ فالذي يسهل صعبه، وينفس كربه، ويسيغ صابه، ويخفف أوصابه، أن مالكنا - خلد الله دولته - مكفوف بالحماية، مشمول بالوقاية، محفوظ بعناية الله وكفايته، مخصوص بإطالة العمر وإطابته، جار على عادته في تدبير مملكته، وكلاءة رعيته، وإعزاز دين الله - تعالى - ونصرته. والله - تعالى - يجعل منتقص المدد زيادة في مدته، ولا يخلي البسيطة من رواء سلطانه وبهجته. بفضله وطوله، وحوله، وقدرته.

قال الشيخ أبو القاسم المصنف: كنت أنفذت نسخة هذه الرسالة إلى بعض الرؤساء الكبراء ممن كان يؤثر الوقوف على ما أعمله، فبلغني أن كاتبه قال لما رأى ترجمة هذه الرسالة قبل الوقوف عليها: هلا قال: الغلوة في السلوة وأنكر التدلي، فكتبت إليه: بلغ عبد الحضرة ما انتقد عليه في ترجمة ما خدم به. وما استبعد من التدلي العائد بدنو النائي وتقربه، وقد كان يجب أن يبقى على من عمل عجلا، وترجم مرتجلا، ولم تكن له مهلة لتنقيح ألفاظه وتهذيبها، وإبرازها في معارض تستحسنها النقدة وتهذي بها، وإن بعض من انتقد عليه قال: هلا كانت الترجمة: الغلوة في السلوة؟ وعبدها يقول: أما الغلوة فهي: المرماة، والمغلاة: السهم، فالغلوة: غايته، وهذا ضد مراده؛ وذلك أن التدلي إنما هو التوصل؛ تدليت على الشيء إذا توصلت إليه. ومنه أدلى فلان بحجته إذا توصل بما أتى به إلى بغيته، ومن ذلك قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) وهذه الآية من باب قوله سبحانه: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة). وهو من المقلوب. أي: تنوء بها العصبة أولو القوة و: ثم تدلى فدنا.

وقد قال الشاعر:

لا تقلواها وادلواها دلواإن مع اليوم أخاه غ (دوا

وتقلواها: تبعداها، وادلواها: قرباها والدلو من هذا؛ لأنها تقرب الماء بعد بعده.

فقول عبدها: التدلي على التسلي إنما معناه: التوصل إلى السلوة بأسبابها من التاسي، وطلب الثواب، وغير ذلك.

وقول من قال: الغلوة في السلوة، إنما هو الوصول إلى غايته، والفرق بين من قصد التوصل، وبين من بلغ الغاية لا يخفى عن أحد، فقد بان تضاد الترجمتين، وتنافي الغرضين، وما ضر من انتقد لو صبر إلى أن يقف على الرسالة، ثم يقول ما يختار، ولا يعجل بأن يضع مني ما صدر عني، فالله المستعان وصبر جميل.

قال الشيخ أبو القاسم: كانت وفاة الأجل المظفر ﵁ يوم الخميس تاسع جمادى الأولى من سنة أربع عشرة وخمس مائة، وكانت ولادته في سنة تسع وسبعين وأربع مائة.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، وسلم تسليما، حسبنا الله ونعم الوكيل.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأفضليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.