تجاوز إلى المحتوى

من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)

باب: الاستعارة

اعلم أن الاستعارة هو أن يستعار الشيء المحسوس للشيء المعقول، كما قال الله ﷾: " لا تظلمون فتيلا "، " ولا يظلمون نقيرا " و " ما يملكون من قطمير ".

والاستعارة أوكد في النفس من الحقيقة، وتفعل في النفوس مالا تفعله الحقيقة، وقوله: فتيلا، أنفى للكثير والقليل من قوله: شيئاً. وقوله تعالى: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة "، و " إنه في أم الكتاب "، " واشتعل الرأس شيباً "، " نسلخ منه النهار "، " عذاب يوم عقيم ".

وقال النبي ﷺ: " ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء " وقال علي ﵇ لبعض عماله: أرغب راغبهم، وأحلل عقدة الخوف عنهم وقال عليه وآله السلام: " اتسع نطاق الإسلام، فلا حاجة إلى الكحل والخضاب ". وكتب علي ﵇ إلى الخوارج فقال: الحمد لله الذي فض خدمتكم وفرق كلمتكم.

وقال ﵇ لعبد الله بن وهب الخارجي في كلامه: " لا خير في الرآي الفطير، والكلام القضيب، إن عيون الرأي يكشف عن فصه، والفكرة مخ العمل ". فأبدع ﵇ في هذه الكلمات الأربع، ولو قال: لب العمل لم يكن بديعاً.

وأحسن الاستعارات قول ذي الرمة:

أوردتهُ وصدورُ الليل مسنفةٌوالليلُ بالكوكبِ الدريّ منحورُ

وقوله أيضاً:

أقامت به حتى ذوى العود في الثرىوضمَّ الثريا في ملاءته الفجرُ

ولقد أحسن أبو تمام حين قال:

لا تسقني ماء الملام؛ فإننيصبّ قد استعذبتُ ماءَ بكائي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

وقال أيضاً فيها:

فسقاهُ مسكُ الطلِّ كافورَ الصباوانحلَّ فيه خيطُ كل سماءِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

ومنه:

فقلت لها: يا أمَّ بيضاءَ، إنهأريقَ شبابي، واستشنَّ أديمهُ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «فقلت لها يا أم بيضاء إنه»
إذا ما هبطن المحل قد مات عودهُبكين به حتى يعيش هشيمهُ

ومنه:

في كل خلقٍ خلةٌ مذمومةٌووراءَ كل محببٍ مكروهُ
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

وبعض العلماء يجعل التطبيق أن تجيء الكلمة بمعنيين مثل قوله: وللوم فيهم كاهل وسنام. ويسمى التكافؤ.

ومنه:

نطاردهم فنودع البيضَ هامهمويستودعونَ السمهريَّ المقوما

ومنه:

تحيي الروامسُ ربعها فتجدهبعد البلى، وتميتهُ الأمطارُ
للشاعر جرير، من قصيدة «لولا الحياء لعادني استعبار»

هذا بيت قد جمع الاستعارة والمطابقة، لأن فيه البلى والجدة، والإماتة والإحياء ومن المعلقات لطرفة:

ووجهٍ كأنَّ الشمس حلت رداءهاعليه نقيِّ اللونِ لم يتخددِ

ولامرئ القيس:

وقد أغتدي والطيرُ في وكناتهابمنجردٍ قيدِ الأوابد هيكلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وتقول العرب: صاح الشجر إذا طال. وشجر واعد إذا اخضر، كأنه يعد بالثمر.

وقال العجاج: كالكرم إذ نادى من الكافور.

وأنشد:

إنَّ دهراً يلفُّ شملي بليلىلزمانٌ يهمُّ بالإحسانِ

وقال أمير المؤمنين ﵇ لبعض الخوارج: لما فغر فم الباطل، نجمت نجوم الحق.

وقال ﵇: الدنيا لم يمس أحد منها على جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف.

ومن بديع الاستعارة في المنثور قول بعض العرب: خرجت في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صورة الأبدان، فما كدنا نتعارف إلا بالآذان.

وقال بعض العرب: جعلنا الرماح أرشية الموت فاستقينا بها أرواحهم: ومدح أعرابي قوماً فقال: أولئك غر تضيء في ظلم المشكلات، وتصغي إليهم المجد، يصومون على الفحشاء، ويفطرون على المعروف.

ووصف آخر روضة فقال: جرت بها الريح أذيالها وحطت بها السحاب أثقالها.

ووصف أعرابي قومه فقال: إذا اصطفوا تحت القتام، سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف، فغرت أفواه الحتوف.

وقال آخر:

سأبكيك للدنيا وللدين؛ إننيرأيت يدَ المعروفِ بعدك شلت
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «سأبكيك للدنيا وللدين إنني»

وقال آخر:

وجيشٍ تضلّ البلقُ في حجراتهترى الأكم فيه سجداً للحوافر

وقال أبو تمام:

ليالٍ نحنُ في غفلات عيشكأنَّ الدهر عنا في وثاقِ

وقال العباس بن الأحنف:

قد سحبَ الناسُ أذيالَ الظنون بناوفرق الناسُ فينا قولهم فرقا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قد سحب الناس أذيال الظنون بنا»
فكاذبٌ قد رمى بالظنِّ غيركمُوصادقٌ ليس يدري أنه صدقا
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «لنا من الوجد في معنى حبائبنا»

آخر:

بكفّ أبي أيوب يستمطر الغنىوتستنزل النعمى، ويسترعفُ النصلُ
تساقط يمناه الندى وشماله الردى، وعيونُ القولِ منطقهُ الفضلُ

ومنه:

سلامة بنُ نجاحِيجيد حثَّ الراحِ
إذا تغنى زمرناعليه بالأقداحِ
للشاعر الناجم راوية ابن الرومي، اقرأ القصيدة

ومنه:

تأتي أغاني عاتبأبداً بأفراح النفوس
تشدو، فتزمر بالكؤوس لها، ورقص بالرؤوس

ومنه:

قيل: ما أعددتَ للبرد فقدْ جاء بشده
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
قلت: دراعةُ عريٍتحتها جبة رعده
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة

ومنه:

يا من بدائعُ حسنِ صورتهِتثنى إليه أعنةَ الحدقِ
للشاعر شَمروخ، اقرأ القصيدة
لي منكَ ما للناس كلهمِ:نظرٌ وتسليمٌ على الطرقِ
لكنهم سعدوا بأمنهمُومنيتُ حين أراك بالفرقِ
للشاعر شَمروخ، اقرأ القصيدة

ومنه:

غفلاتٌ كنَّ حلماً فانقضىوش

النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.