من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
باب: الرشاقة والجهامة
أما الجهامة فهي الكلمات القبيحة في السمع، مثل قول الشنفرى:
أما يحرم المنعوتُ حثحثَ دبرهمخابيطُ أرساهن سأمُ مغسلُ
فلا خلاف في جهامة هذه الألفاظ إن عرضت على صاحب ذوق سليم، وإن كانت صحيحة المعاني.
وأما الرشاقة فهي حلاوة الألفاظ وعذوبتها كما قال تأبط شراً:
لتقرعنَّ عليَّ السنَّ من ندمٍإذا تذكرت مني بعض أخلاقي
وذكر الشيخ أبو عثمان في كتاب البيان عيباً سماه الاستكراه، وهو تقارب مخارج الحروف والألفاظ، وأنشد بيتاً ذكر أن العلماء المتقدمين ينسبونه إلى الجن، وهو:
وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرِوليسَ قربَ قبرِ حرب قبرُ
وأنشد أيضاً في هذا المعنى:
لم يضرها والحمد للهِ شيءٌوانثنتْ نحو عسفِ نفسٍ ذهول
وفي كتاب حلية المحاضرة:
واسق العدوَّ بكأسه، واعلمْ لهبالغيب أن قدْ كانَ قبلُ سقاكها
واجز الكرامة من ترى لو أنهيوماً بذلتَ كرامةً لجزاكها
وقال: أحسن الكلام ما كان مسبوك الألفاظ، سهل مخارج الحروف،
وليس شيء في هذا الباب مثل القرآن الكريم، ولذلك لا يسأم ولا يمل على كثرة الدرس والترداد.
ومنه ما ذكره ابن قتيبة في أدب الكتاب عيباً سماه التقعير والتعقيد "، وهو استعمال اللفظ الغريب جدإن وهو العقمي والوحشي، مثل قولهم: هذا من ضئضئ القوم، ولا خلاف أن قولنا: أرومة أحسن منه، وإن كان عربياً.
وذكر في كتاب الصناعتين أن بعضهم كتب إلى صاحبه كتاباً وعنونه: من مكركسه ومحبوسكه، فلان. ولا خلاف في بشاعة هذه الألفاظ، ولذلك قال العلماء: أجود الكلام ما كان، لا قروياً ولا بدويا.
وقالوا: الكلام ثلاثة أصناف: عامي، وخاصي، ووحشي. فالعامي لا يستعمل لركاكته، والوحشي لا يستعمل لجهامته، الخاصي يستعمل لفصاحته وملاحته. فالعامي مثل قولك: عدلا جمل، والوحشي مثل قولك: صنوا جرثومة، والخاصي مثل قولك: فرسا رهان.
وذكر أيضاً التعقيد، وهو تعسير المعاني، ولذلك قال الأصمعي: أجود الشعر ما وصل معناه إلى القلب مع وصول لفظه إلى السمع مثل ما روى ابن قتيبة عن بعض الكتاب أنه كتب: كتابي هذا عارض ألمٍ ألمَّ.
باب
النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع