من «لباب الآداب» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
أحاديث (٤)
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «رحم الله امرءا قال فغنِم، أو سكت فسلم».
وقال ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: «يا معاذ، أنت سالم ما سكتّ، فإذا تكلّمت فعليك أولئك» وقال ﷺ: «لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه، فإن كان له تكلم، وإن كان عليه سكت».
وروي عن النبي ﷺ: «أنه قال لعمه العباس رضوان الله عليه: يعجبني جمالك. قال: وما جمال الرجل؟ قال: لسانه».
وقال النبي ﷺ: «أكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاما فيما لا يعنيهم».
وقال أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه: اللسان معيار العقل: أطيشه الجهل، وأرجحه العقل.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، وليكرم ضيفه، وليقل خيراً أو ليسكت».
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه».
وعنه ﷺ أنه قال: «طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته» وعن أبي ذرٍ الغفاري ﵁: «أنه قال: يا رسول الله، ما كان في صحف إبرهيم ﵇؟ قال: كان فيها: ينبغي للعاقل- ما لم يكن مغلوباً على عقله-: أن يكون حافظاً للسانه، عارفاً بزمانه، مقبلاً على شانه، فإنه من حسب كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه».
وروي في حديث طويل عن أبي ذرٍّ الغفاري ﵀ أنه قال- في حديث
طويل -: واجعل كلامك كلمتين: كلمة نافعة في أمر دنياك، وكلمة باقية في أمر آخرتك، والثالثة تضر ولا تنفع.
وروي عن [سيدنا عيسى] المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام أنه قال: كل كلام ليس بذكر الله تعالى فهو لغو، وكل سكوت ليس بتفكر فهو غفلة، وكلّ نظرة ليست بعثرة فهي لهو. فطوبى لمن كان تكلمه ذكراً، وسكوته افتكاراً، ونظره اعتباراً.
وعن لقمان أنه قال لابنه: يا بني، من يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يدخل مدخل السوء يُتَّهم، ومن لا يملك لسانه يندم.
وعن عبد الله بن عمرو ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: «من صمت نجا».
وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «من سرَّه أن يسلم فليلزم الصمت».
وعن عقبة بن عامر ﵀ قال: «قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟
قال: امْلِك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك».
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي ﵀ قال: «قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به. قال: قل: ربي الله، ثم استقم. قال: قلت: يا رسول الله،
ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسانه، ثم قال: هذا».
وعن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «لا يستكمل أحدكم حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه».
وقال ﷺ: «إذا رأيتم من الرجل المؤمن زهداً في الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه، فإنه يلقَّى الحكمة».
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر للسان، تقول: اتقِ الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا».
التكفير: الخضوع والانقياد هاهنا.
وعن شقيقٍ ﵀: أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان على الصفا يلبي ويقول: يا لساني قل خيراً تغنم، واصمت تسلم من قبل أن تندم. فقيل له: يأبا عبد الرحمن، هذا شيء تقوله أو سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه».
وعن صدقة بن عبد ربه ﵀ قال: لما كبر آدم ﵇ جعل بنو بنيه يعبثون به، فيقول له آباؤهم: ألا تنهاهم؟! فيقول: يا بني، إني رأيت ما لم تروا وسمعت ما لم تسمعوا، رأيت الجنة وسمعت كلام ربي ﵎، وقال لي حين أخرجني منها: إن حفظت لسانك أعدتك إليها.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ: «إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله عبد ولينظر ما يقول».
قال أبو حاتم ﵀: طلب رجلان العلم، فلما علما صمت أحدهما وتكلم الآخر، فكتب المتكلم إلى الصامت:
وما شيءٌ أردتُ به اكتساباًبأجمع في المعيشة من لسانِ
فكتب إليه الصامت:
وما شيء أردت به كمالاًأحقٌ بطول سجنٍ من لسانِ
وقال سفيان بن عُيينة ﵀:
خلِّ جنبيك لرامِوامضُ عنه بسلامِ
مت بداء الصمت خيرلك من داء الكلامِ
إنما السالم من ألجمَ فاهُ بلجامِ
قالوا: أكثر ما تعرض الآفات للحيوان إنما تعرض لعدمها الكلام، وتعرض للإنسان من قبل الكلام.
وقالوا: ربَّ كلمةٍ تقول: دعني، ورب كلمة سلبت نعمةً.
وقال الشاعر:
واحذر لسانك لا تقول فتُبتلىإن البلاء موكلٌ بالمنطقِ
وقال إبرهيم بن هرمة:
أرَى الناس في أمرٍ سحيلٍ فلا تزلْعلى حذرٍ حتى ترى الأمر مبرما
فإنّك لا تستطيع ردَّ الذي مضىإذا القول عن زلاته فارق الفما
فكائنْ ترى من وافر العرض صامتاًوآخر أردى نفسه إن تكلما
وقال آخر:
إن كنت تبغي الذي أصبحت تظهرهفاحفظ لسانك واخشَ القالَ والقيلا
ما بال عبدٍ سهام الموت ترشقُهُيكون عن ربه بالناس مشغولا
كان بكر بن عبد الله المزني ﵀ يُطيل الصمت ويُنشدُ:
لسانُ الفتى سبع، عليه شذاتهفإلّا يزع من غربه فهو آكلهْ
وما الغيُّ إلا منطقٌ متترِّعٌسواءٌ عليه حقُّ أمرٍ وباطلهْ
وقال آخر:
سامح الناس ودعْ عرْضك وقفا للسّبيل
وأعرْ سمعك وقراًعند إكثار العذولْ
والزمِ الصمتَ إذا خِفْتَ غيَّات الفُضُولْ
فلزومُ الصمت خيرٌلك من قالٍ وقيلْ
وقال أبو نواس:
خلِّ جنبيك لرامِوامضِ عنه بسلامِ
مت بداء الصمت خيرٌلك من داءِ الكلامِ
وقال أبو العتاهية، وتروى لابنه محمد:
قد أفلحَ الساكتُ الصموتُكلامُ راعي الكلامِ قوتُ
ما كلُّ نطقٍ له جوابٌجواب ما تكره السكوتُ
وقال آخر:
إنطقْ مصيباً بخيرٍ لا تكن هذراًعيابةً ناطقاً بالفحش والرِّيبِ
وكُن رزيناً طويل الصمت ذا فكرٍفإن نطقتً فلا تُكثر من الخُطبِ
ولا تُجب سائلاً من غير ترويةٍوبالذي عنه لم تُسأل فلا تجبِ
وقال أبو العتاهية:
لا خيرَ في حشو الكلامِ إذا اهتديتَ إلى عيونهْ
والصمتُ أجملُ بالفتىمن منطقٍ في غير حينهْ
وقال أُحيحة بن الجُلاح:
والصمت أجمل بالفتىما لم يكن عيٌّ يشينهْ
والقول ذو خطلٍ إذاما لم يكن لبٌّ يعينهْ
وقال آخر:
تعهد لسانك إن اللسانسريعٌ إلى المرء في قتلِهِ
وهذا اللسان بريد الفؤادِيدلُّ الرجال على عقلِهِ
وقال آخر:
استر العيَّ ما استطعت بصمتٍإن في الصمت راحةً للصموتِ
واجعل الصمت إن عييتَ جواباًربَّ قولٍ جوابه في السكوتِ
وقال آخر:
متى تطبق على شفتيك تسلمْوإن تفتحهما فقل الصوابا
فما أحد يطيل الصمت إلاسيأمن أن يُذَمَّ وأن يُعابا
فقل خيراً او اسكت عن كثيرٍمن القول المحلِّ بك العقابا
وقال عبد الله بن معاوية بن جعفر ﵏:
أيها المرءُ لا تقولن قولاًلست تدري ماذا يعيبك منهُ
والزم الصمت إن في الصمتِ حكماًوإذا أنت قلت قولاً فزنهُ
وإذا القومُ ألغطوا في كلامٍليس تعنى بشأنه فاله عنه
وقال آخر:
إن السكوت سلامةٌ ولربمازرع الكلام عداوة وضرارا
فلئن ندمتَ على سكوتكَ مرةًفلتندمنَّ على الكلام مِرارا
النص من طبعة مكتبة السنة بالقاهرة (١٤٠٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع