تجاوز إلى المحتوى

من «لباب الآداب» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)

أحاديث (٥)

عن ابن عمر ﵄ قال: «مرَّ النبي ﷺ برجلٍ يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي ﷺ: الحياء من الإيمان.»

وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضعٌ وسبعون شُعبةً- أو بضعٌ وستون شعبةً- أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان».

وعن عمران بن حصين ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «لا يأتي الحياء إلا بخير». فقال بُشير بن كعب: إنا لنجد في الحكمة مكتوباً: إن من الحياء وقاراً، وإن من الحياء حكمةً. فقال عمران بن حصين ﵁:

أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك؟! وعن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ كان يعظ أصحابه،

فإذا ثلاثة نفرٍ يمرون، فجاء أحدهم فجلس إلى النبي ﷺ، ومشى الثاني قليلاً وجلس، وأما الثالث فإنه مضى. فقال النبي ﷺ: ألا أنبئكم عن هذه الثلاثة؟ أما هذا الذي جلس إلينا فتاب فتاب الله عليه، وأما الذي مشى فجلس فإنه استحيا فاستحيا الله منه، وأما الذي مر على وجهه فإنه استغنى فاستغنى الله عنه، والله غنيٌ حميد».

وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم لا يدركني زمانٌ ولا أدركه: لا يتبع فيه العليم، ولا يستحيا فيه من الحليم، قوم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب».

عن زيد بن حارثة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الحياء شعبةٌ من الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له».

وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لم يكن له حياء فلا دين له، ومن لم يكن له حياء في الدنيا لم يدخل الجنة».

وعن أبي بكرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة. والبذاء من الجفاء، والجفاء في النّار».

عن سعيد بن زيد ﵀: «أن رجلاً قال للنبي ﷺ: أوصني، قال:

استحي من الله كما تستحيي رجلاً صالحاً من قومك».

عن عقبة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت».

وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: إنا نستحيي والحمد لله. قال: ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء».

وعن عطاء ﵀ قال: «مر رسول الله ﷺ برجلٍ يغتسل، فقال:

يا أيها الناس، إن الله حييٌّ عليم، يستر ويحب الحياء، فإذا اغتسل أحدكم فليتوار عن أعين الناس».

وعن ابن عمر ﵁: «أنه دخل على النبي ﷺ فوجده يبكي. فقال: يا رسول الله، ما يبكيك؟ قال: أخبرني جبرَئِيل عليه

السلام: أن الله يستحيي من عبدٍ يشيب في الإسلام أن يعذّبه. أفلا يستحيي الشيخ من الله أن يُذنِب وقد شاب في الإسلام؟!».

وعن محمد بن عبد الملك قال: سمعت ذا النون المصري ﵀ يقول:

الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك.

وقال ذو النون ﵀: الحب يُنطِق، والحياء يُسكت، والخوف يُقلق.

وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني ﵀ يقول:

يقول الله تعالى: «عبدي، إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض عيوبك، ومحيت من أم الكتاب زلاتك، ولا أناقشك في الحساب يوم القيامة».

قيل: الحياء على وجوه: حياء الخيانة، كآدم ﵇، قيل له:

أفراراً منا؟ قال: لا، بل حياء منك. وحياء التقصير، كالملائكة، يقولون:

ما عبدناك حق عبادتك. وحياء الإجلال، كإسرافيل ﵇، تسربل بجناحه حياءً من الله تعالى. وحياء الكرم، كالنبي ﷺ، استحيا من أمته أن يقول: اخرجوا، فقال الله سبحانه: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ

). وحياء خشية، كعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه حين سأل المقداد حتى سأل النبي ﷺ عن حكم المذْي، لمكان فاطمة ﵂ منه. وحياء الاستحقار، كموسى ﵇، إذ قال: إنه لتعرض على قلبي الحاجة فاستحيي أن أسألكها يا رب، فقال الله ﷿: سلني حتى ملح عجينك وعلف شاتك. وحياء الإنعام، وهو حياء الرب ﵎، يدفع إلى العبد كتاباً مختوماً بعد ما عبر على الصراط، فإذا فيه: «فعلت ما فعلت، ولقد استحييت أن أُظهر عليك، فاذهب فأني قد غفرت لك».

قالت الحكماء. الحياء هرب النفس من الملامة.

وقالوا: خوف المستحي من تقصير يقع به عند من هو أفضل منه، وليس يوجد إلا فيمن كانت نفسه بصيرة بالجميل عن عيبه عنه.

وقالوا: كفى بالحياء على الخير دليلاً، وعن السلامة مخبراً، ومن الذم مجيراً.

وقالوا: الحياء تمام الكرم، وموطن الرضى، وممهِّد الثناء، وموفر العقل، ومعظِّم القدر، وداعٍ إلى الرغبة.

قال الشاعر:

إذا لم تخشَ عاقبة اللياليولم تستحي فاصنع ما تشاءُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إذا جاريت في خلق دنيئا»
يعيش المرء ما استحيا بخيرٍويبقى العود ما بقي اللّحاء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إذا جاريت في خلق دنيئا»
وما في أن يعيش المرء خيرٌإذا ما الوجه فارقه الحياءُ

وقال أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان بالحياء:

أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك؟ إن شيمتك الحياءُ
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»
وعلمك بالأمور وأنت قِرْمٌلك الحسب المؤثَّلُ والثناءُ

وقالت ليلى الأخيلية تصف توبة بن الحُمَيِّر:

فإن تكن القتلى بواءً فإنكمفتىً ما قتلتم آل عوف بن عامرِ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييةٍوأشجع من ليثٍ بخفَّان خادرِ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

وقال الفضل بن عباس بن عُتبة:

إنا أناسٌ من سجيَّتناصدق الحديث ووأيُنا حتْمُ
لبسوا الحياء فإن نظرتَ حسبتهمسقموا ولم يمسسهم سُقمُ
للشاعر الأخضر اللهبي، اقرأ القصيدة

وقال الشمَّاخ:

أُجاملُ أقواماً حياءً وقد أرىصدورهم تغلي عليَّ مِراضُها
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «لمن طلل عاف ورسم منازل»

وقال آخر:

حياءك فاحفظه عليك فإنمايدل على فضل الكريم حياؤهُ
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤهُولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

ورُبَّ قبيحةٍ ما حال بينيوبين ركوبها إلا الحياءُ
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
إذا رُزق الفتى وحها وقاحانقلب في الأمور كما يشاءُ

وقال محمد بن حازم:

وإني ليثنيني عن الجهل والخناوشتم ذوي القُربى خلائقُ أربعُ:
حياءٌ وإسلامٌ وتقوى وأننيكريمٌ، ومثلي قد يضرُّ وينفعُ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

إياك أن تزدري الرجال فماتعلم ماذا بجنّه الصدفُ
نفس الجوادِ الكريم باقيةٌفيه وإن كان مسَّه عجفُ
والحر حرٌ وإن ألم به الضرُّ وفيه الحياء والأَنَفُ

وقال آخر:

كريمٌ يغضُّ الطرفَ فضلَ حيائهِويدنو وأطراف الرماح دواني
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
وكالسيفِ إن لا ينتهُ لانَ متنُهُوحدّاهُ إن خاشنتهُ خَشِنانِ

وقال آخر:

إذا لم تخشَ عاقبة اللياليولم تستحي فاصنع ما تشاء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إذا جاريت في خلق دنيئا»
فلا والله ما في العيشِ خيرٌولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إذا جاريت في خلق دنيئا»

وقال آخر:

أعاذلتي قد جربت حسبيوتمّ العقل وانكشف الغِطاءُ
فما في أن يعيش المرء خيرٌإذا ما المرء زايله الحياء
يعيش المرء مالستحيا بخيرٍويبقى العود ما بقي اللحاءُ

وقال العرجي:

إذا حُرم المرء الحياء فإنهبكل قبيحٍ كان منه جديرُ
للشاعر العرجي، من قصيدة «إذا حرم المرء الحياء فإنه»
له قِحةٌ في كلّ شيء، وسرّهمباح، وخذناه خناً وغرورُ
للشاعر العرجي، من قصيدة «إذا حرم المرء الحياء فإنه»
يرى الشتمَ مدحاً والدناءةَ رفعةًوللسمع منه في العظات نفورُ
للشاعر العرجي، من قصيدة «إذا حرم المرء الحياء فإنه»
ووجه الحياءِ ملبسٌ جلد رقةٍبغيضٌ إليه ما يشين كثيرُ
للشاعر العرجي، من قصيدة «إذا حرم المرء الحياء فإنه»
له رغبةٌ في أمره وتجردٌحليمٌ لدى جهل الجهول وقور
فرجّ الفتى ما دام بحيا فإنهإلى خير حالاتِ المنيب يصيرُ

النص من طبعة مكتبة السنة بالقاهرة (١٤٠٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «لباب الآداب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.