من «لباب الآداب» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
أحاديث (٧)
عن محمود بن لبيدٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:
الرياء، قال: يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم-: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيرا؟!».
وعن أبي هريرة ﵀ قال: يقول الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً لغير وجهي فأنا منه بريء».
وعن مجاهد ﵀ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أتصدق بالصدقة وألتمس بها وجه الله تعالى وأحب أن يقال لي خيراً.
فنزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
وروى أبو هريرة ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «يخرج في آخر الزمان أقوامٌ يختلفون الدنيا بالدين، فيلبسون [للناس] جلود الضأن من اللين، وألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى: أبي يغترُّون؟ أم عليّ يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك فتنةً تدع الحليم حيران».
وعن حبيب عن أبي صالح ﵀ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أعمل العمل فأسره فيطلع عليه فيعجبني، ألي فيه
أجر؟ قال: لك أجران: أحر السر وأجر العلانية».
معناه: أنه يطلع عليه فيقتدى به، فله أجر العمل وأجر الاقتداء.
عن عقبة بن مسلم: أن شفيا الأصبحي حدثه قال: دخلت المدينة فإذا أنا برجل قد اجتمع عليه الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، فدنوت منه. فلما سكت وخلا قلت له: أنشدك الله تعالى، حدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ وحفظته وعلمته. فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك بحديث حدثنيه رسول الله ﷺ ما معناه أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغةً - أي شهق شهقةً- فخر مغشياً عليه، فمكث قليلاً، ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ، ثم نشغ نشغة أخرى فمكث طويلاً؛ ثم أفاق ومسح وجهه؛ وقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله ﷺ، ثم نشغ نشغة واشتد طويلاً، ثم أفاق، وقال: حدثني رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة يقضي بين خلقه وكل أمةٍ جاثيةٌ-: فأول من يدعى به رجلٌ جمع القرآن ورجلٌ قتل في سبيل الله ورجل كثير المال. فيقول الله تعالى للقارىء: ماذا عملت فيما علمت؟
فيقول: كنت أقوم به آناء الليل والنهار. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى]: بل أردت أن يقال: فلان
قاريء، فقد قيل ذلك. ويقال لصاحب المال: ماذا عملت فيما آتيتك؟
فيقول: كنت أصل الرحم وأتصدق به. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى]: بل أردت أن يقال: فلان جواد.
فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله، فيقول له: لماذا قاتلت ؟ فيقول: قاتلت في سبيلك حتى قُتلت. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى]: بل أردت أن يقال: فلانٌ جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله ﷺ بيده على ركبتي فقال:
يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة».
وعن عدي بن حاتم الطائي ﵀ عن رسول الله ﷺ قال: «يؤمر بناسٍ من الناس يوم القيامة إلى الجنة، حتى إذا دنوا واستنشقوا رائحتا ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعدّ الله تعالى لأهلها-: نودوا: أن اصرفوهم لا تدخلوهم فيها. فيرجعون بحسرةٍ وندامةٍ ما رجع الأولون والآخرون بمثلها. فيقولون: يا ربّنا، لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثواب ما أعددت لأوليائك ؟ فيقول الله تعالى: ذلك أردت بكم، كنتم إذ خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم النّاس لقيتموهم
مخبتين، وتراؤون النّاس بأعمالكم خلاف ما تطعوني بقلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، وتزكيتم للناس ولم تزكوا لي، فاليوم أذيقكم عذابي مع ما حرمتم من ثوابي».
وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان مع الناس، ويزيد في العملى إذا أثني عليه، وينقص إذا ذمّ.
وعن جبلة اليحصبيّ قال: كنّا في غزاة مع عبد الملك بن مروان، فصحبنا رجلٌ مسهّرٌ لا ينام بالليل إلاّ أقلّه، فمكثنا أياماً لا نعرفه، ثم عرفناه، فإذا هو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، فكان مما حدثنا به:
«أن قائلاً من المسلمين قال: يا رسول الله، فيم النجاة غداً؟ قال: لا تخادع الله. قال: وكيف يخادع الله تعالى؟ قال: أن تعمل ما أمرك الله تريد به غير وجه الله تعالى، واتقوا الرّياء، فإنه الشرك بالله، وإن المرائي ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا مخامر، ضلّ عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع». قال: قلت له: بالله الذي لا إله إلا هو، أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو، إني قد
سمعته من رسول الله ﷺ إلا أن يكون قد أخطأت شيئاً لم أتعمّده. ثم قرأ:
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
وعن شدّاد بن أوسٍ ﵁ أنه قال: أخوف ما أتخوّف عليكم- أيها الناس- ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في الشهوة الخفيّة والشّرك.
فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء ﵄: ما هذا الشّرك الذي تخوّفنا به يا شدّاد؟ فقال شدّاد: أرأيتكم لو رأيتم رجلاً يصلّي لرجل ويصوم له أو يتصدق له: أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله، من صلّى لرجل وصام له أو تصدق له فقد أشرك.
فقال شدّادٌ: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى يرائي فقد أشرك. ومن صام يرائي فقد أشرك».
فقال عوف بن مالك ﵀: أفلا يعمد الله تعالى إلى ما ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل منه ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شدادٌ عند ذلك: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى يقول: أنا خير قسيم، فمن أشرك بي شيئاً فإنّ جسده وعمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك، وأنا غنيٌّ عنه ».
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة جاءت الملائكة بصحفٍ مختَّمةٍ، فيقول الله ﷿: ألقوا هذا، واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: وعزَّتك، ما كتبنا إلا ما كان. فيقول
تبارك وتعالى: «إنّ هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم إلا ما كان لي».
فصل فى الاصلاح بين الناس
النص من طبعة مكتبة السنة بالقاهرة (١٤٠٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع