من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)
باب الكناية
وهي أن يعبر المتكلم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن، وعن الفاحش بالطاهر، كقوله سبحانه: " كانا يأكلان الطعام " كناية عن الحدث. وكقوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط " كناية عن قضاء الحاجة، وكقوله ﷿: " ولكن لا تواعدوهن سراً " كناية عن الجماع، قال امرؤ القيس طويل:
ألا زعمت بسباسة الحي أننيكبرت وألا يحسن السر أمثالي
ذهب كل من فسر شعره من العلماء أنه أراد بالسر الوقاع، وكقوله سبحانه: " وقد أفضى بعضكم إلى بعض " يريد به ما يكون بين الزوجين من المباضعة، وكقول الله تعالى: " الخبيثات للخبيثين "،
وهو سبحانه يريد الزنا وعلى الجملة لا تجد معنى من هذه المعاني في الكتاب العزيز يأتي إلا بلفظ الكناية، لأن المعنى الفاحش متى عبر عنه بلفظه الموضوع له كان الكلام معيباً من جهة فحش المعنى، ولذلك عاب قدامة على امرئ القيس قوله طويل:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعفألهيتها عن ذي تمائم محول
إذا ما بكى من خلفها انصرفت لهبشق وتحتي شقها لم يحول
وقال أعني قدامة: وعيب هذا الشعر من جهة فحش المعنى، يريد أنه عبر عنه بلفظه، فجاء الكلام فاحشاً، وهو عيب، ولذلك تنزه القرآن عنه، ولو استعار امرؤ القيس لمعناه لفظ الكناية كما فعل في البيت الذي تقدم هذين البيتين لم يكن إلى عيبه سبيل.
وفي السنة النبوية من الكناية ما لا يكاد يحصى، كقوله ﷺ: " لا يضع العصا عن كتفه " كناية عن كثرة الضرب أو كثرة السفر.
وحكى ابن المعتز أن العرب كانت تقول: " فلان يخبأ العصا لمن به أبنة "، وأنشد رجز مجزوء:
زوجك زوج صالحلكنه يخبا العصا
ومن أناشيد ابن المعتز لبشار في اثنين كانا يتفاعلان خفيف:
وإذا ما التقى مثنى وبكرزاد في ذا شبر وفي ذاك شبر
وأنشد لأبي نواس في الكناية عن جلد عميرة ما لا يدرك شأوه وهو طويل:
إذا أنت أنكحت الكريمة كفؤهافأنكح حبيشاً راحة ابنة ساعد
وقل بالرفا ما نلت من وصل حرةلها ساحة حفت بخمس ولائد
ومن أحسن الكنايات في الهجاء قول بعض الشعراء يهجو إنساناً به داء الأسد، فكنى عن ذلك ورمى أمه بالفجور بطريق الكناية أيضاً حيث قال:
أراد أبوك أمك حين زفتفلم توجد لأمك بنت سعد
يريد به عذرة، ثم قال وافر:
أخو لخم أعارك منه ثوباًهنيئاً بالقميص المستجد
يريد: جذاماً فإنه أخو لخم.
وأنشد ابن المعتز في الكناية عن حجام لبعض الشعراء:
إذا عوج الكتاب يوماً سطورهمفليس بمعوج له أبداً سطر
ومن نخوة العرب وغيرتهم كنايتهم عن حرائر النساء بالبيض، وقد جاء القرآن العزيز بذلك، فقال سبحانه: " كأنهن بيض مكنون " وقال امرؤ القيس طويل:
وبيضة خدر لا يرام خباؤهاتمتعت من لهو بها غير معجل
ومن مليح الكناية قول بعض العرب وافر:
ألا يا نخلة من ذات عرقعليك ورحمة الله السلام
سألت الناس عنك فخبرونيهنا من ذاك يكرهه الكرام
وليس بما أحل الله بأسإذا هو لم يخالطه الحرام
فإن هذا الشاعر كنى بالنخلة عن المرأة، وبالهناء عن الرفث، فأما الهناءة فمن عادة العرب الكناية بها عن مثل ذلك، وأما الكناية بالنخلة عن المرأة فمن طريف الكناية وغريبها.
النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع