تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب التوشيع

هو من الوشيعة، وهي الطريقة في البرد المطلق، فكأن الشاعر أهمل البيت كله إلا آخره، فإنه أتى فيه بطريقة تعد من المحاسن.

وهو عند أهل الصناعة عبارة عن أن يأتي المتكلم أو الشاعر ابسم مثنى في حشو الجز، ثم يأتي تلوه باسمين مفردين هما عين ذلك المثنى، يكون الأخير منهما قافية بيته أو سجعة كلامه، كأنهما تفسير ذلك. وقد جاء من ذلك في السنة ما لا يلحق بلاغة، وهو قوله ﵇: " يشب ابن آدم وتشب فيه خصلتان: الحرص، وطول الأمل ".

ومن أمثلة هذا الباب في الشعر قول الشاعر بسيط

أمسى وأصبح من تذكاركم وصباًيرثي لي المشفقان الأهل والولد
قد خدد الدمع خدي من تذكركمواعتادني المضنيان الوجد والكمد
وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكموخانني المسعدان: الصبر والجلد
لا غرو للدمع أن تجري غواربهوتحته المضرمان: القلب والكبد
كأنما مهجتي شلو بمسبعةينتابها الضاريان: الذئب والأسد
لم يبق غير خفي الروح في جسديفدى لك الباقيان: الروح والجسد

وهذه الأبيات جيدة، لو لم يقع في البيت الأول منها تقصير عما يجب في مثله على الطريقة المحمودة من طرائق النسيب حيث قال: " يرثي لي المشفقان "، فإنه ليس من الكلام البليغ قول من يشكو محنة قد رثى لي المشفق منها، وأبلغ منه قول من يقول رثى لي العدو ورق لي الصخر، وأشباه ذلك وما بشعر قلته في هذا المعنى من بأس، وهو بسيط

بي محنتان ملام في هوى بهمارثى لي القاسيان: الحب والحجر
لولا الشفيقان من أمنية وأسىأودى بي المرديان: الشوق والفكر

ويحسن أن يسمى ما وقع في بيتي تطريف التوشيع، إذ وقع التوشيع في طرفي كل بيت في أوله وآخره، والله أعلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجز الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.