تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب العكس والتبديل

وهو أن يأتي الشاعر إلى معنى لنفسه، أو لغيره فيعكسه، فمثال ما عكس الشاعر من المعاني لغيره قول أبي العتاهية يشبه الرايات بالسحاب وافر:

ورايات يحل النصر فيهاتمر كأنها قطع السحاب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ألا نادت هرقلة بالخراب»

فعكسه علي بن الجهم فقال يشبه السحابة بالرايات طويل:

فمرت تفوق الطرف حتى كأنهاجنود عبيد الله ولت بنودها

وما أدري كيف وصف ابن الجهم جنود ممدوحه بالتولي في الحرب! وهو من صفات الذم، فقال الله ﷾: " فلا تولوهم الأدبار ".

وقال علي ﵇ وقد قيل له ورثي عيه درع وهي صدر بلا ظهر: ألا وقيت ظهرك، فقال إن وليت فلا وألت هذا الإنكار وقع مني على ما روى لي عنه، فإن الذي روى لي البيت له ذكر أن عبيد الله المذكور فيه هو ممدوحه بهذه القصيدة، والعهدة على الراوي، ومن هذا القسم قول الشاعر بسيط

قد يدرك المتأني بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

فعكسه غيره فقال بسيط

وربما فات بعض القوم أمرهممع التأني وكان الحزم لو عجلوا

ومن القسم الثاني، وهو عكس الشاعر معنى نفسه قول الأول خفيف:

وإذا الدر زان حسن نساءكان للدر حسن وجهك زينا

ومثله قول الآخر طويل:

منعمة الأطراف زانت عقودهابأحسن مما زينتها عقودها

ولبعض الشعراء فيمن مدحه، فتغير عليه ومطله بسيط

ها قد غدا من ثياب الشعر في كفنوقد تعفت معاني وجهه الحسن
وكان يعرض عني حين أبصرهفصرت أعرض عنه حين يبصرني

والبيت الثاني أردت: ومن هذا الباب قول بعضهم وافر:

فإن أك في شراركم قليلاًفإني في خياركم كثير
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «ترى الرجل النحيف فتزدريه»

ويروي للرشيد هارون متقارب:

لساني كتوم لأسراركمودمعي بسرى نموم مذيع
فلولا دموع كتمت الهوىولولا الهوى لم تكن لي دموع
للشاعر أبو عيسى ابن هارون الرشيد، اقرأ القصيدة

والبيت الثاني أردت، هو كقول أبي نواس كامل:

فكأنما خمر ولا قدحوكأنما قدح ولا خمر
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رق الزجاج ورقت الخمر»

ومن مليح العكس والتبديل قول عبد الله بن الزبير الأسدي وافر:

رمى الحدثان نسوة آل حرببمقدار سمدن له سمودا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
فرد شعورهن السود بيضاًورد وجوههن البيض سودا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

وقد استشهد قوم بهذا البيت على المطابقة، وهو بهذا الباب أولى لما فيه من عكس مطابقة عجزه لصدره، وتبديل الطباق في العجز.

ومن باب العكس في الكتاب العزيز قوله تعالى " ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عيهم من شيء " والله أعلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجز الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.