تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب الاستعانة

وهو أن يستعين الشاعر ببيت لغيره، في شعره بعد أن يوطئ له توطئة لائقة به هنا بحيث لا يبعد ما بينه وبين أبياته، وخصوصاً أبيات التوطئة له، وقد شرط بعض النقاد التنبيه عليه، إن لم يكن البيت مشهوراً، وبعضهم لم يشترط ذلك، وهو الصحيح، فإن أكثر ما رأينا ذلك في أشعار الناس غير منبه عليه، وأما الناثر فإن أتى في أثناء نثره ببيت لنفسه سمى ذلك تشهيراً، وإن كان البيت لغيره سمى استعانة، كقول علي ﵇ في خطبته المعروفة بالشقشقية: بينا هو يستقبلها في حياته، إذ عقد لآخر بعد وفاته سريع:

شتان ما يومي على كورهاويوم حيان أخي جابر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

فهذا البيت للأعشى استعان به علي ﵇ كما ترى:

ومثال الاستعانة في الشعر قول الحارثي طويل:

وقائله والدمع سكب مبادروقد شرقت بالماء منها المحاجر
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
وقد أبصرت حمان من بعد أنسهابنا وهي منا موحشات دواثر
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفاأنيس ولم يسمر بمكة سامر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
فقلت له والقلب مني كأنماييقلبه بين الجوانح طائر
بلى نحن كنا أهلها فأبادناصروف الليالي والجدود العواثر
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

فاستعان هذا الشاعر ببيتي حرقة بنت تبع، وأرشق من هذا وأخصر قول أبي نواس بسيط

حتى تغني وما تم الثلاث لهحلو الشمائل محمود السجيات
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لا أستزيد حبيبي من مواتاتي»
يا ليت حظى من مالي ومن ولديأني أجالس ليلى بالعشيات
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لا أستزيد حبيبي من مواتاتي»

ووقع لي من طريق الاستعانة أبيات هجوت بها متطبباً يهودياً طويل:

رأيت أبا الخير اليهودي ممسكابقارورة كالورس راق حليبها
وقد رش منها فوق صفحة وجههوقال: لقد أحيا فؤادي طيبها
فقلت له: ما هذه؟ قال: بولةلأسود يشفى الداء مني قضيبها
قريبة عهد بالحبيب وإنماهوى كل نفس حيث حل حبيبها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

ولا يضر تصحيف الحرف أو تحريفه من الكلام المتقدم، ليدخل في معنى الكلام المتأخر عند الاستعانة كما فعلت ببيت من الحماسة حيث قلت طويل:

إذا ما خليل صد عنك ملالةوأصبح من بعد الوفا وهو غادر
فلا تحتفل واستغن بالله إنهعلى أن ترى عنه غنياً لقادر
وهبه كشيء لم يكن أو كنازحبه الدار أو من غيبته المقابر

فإن هذا البيت كان نسيباً، وكان أوله وهبها فحرفت ضمير التأنيث لضمير التذكير حتى دخل في معناي.

والفرق بين هذا القسم من الاستعانة، وبين المواربة، أن المواربة تكون في كلام المتكلم نفسه، والاستعانة لا تكون إلا بكلام غيره، وإن ابتدأ ببيت غيره وبنى عليه فذلك تأسيس، مشتق من أس البناء، فإن هذا الشاعر يكون قد جعل بيت غيره أساساً بنى عليه شعره، والله أعلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.