من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)
باب الهجاء في معرض المدح
وهو أن يقصد المتكلم إلى هجاء إنسان فيأتي بألفاظ موجهه ظاهرها المدح وباطنها القدح، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه، كقول بعضهم في بعض الأشراف وافر:
له حق وليس عليه حقومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاعليه لغيره وهو الرسول
فأما ألفاظ البيت الأول على انفرادها فلا تكاد تصلح إلا للمدح ولا يفهم منها غيره؛ وأما البيت الثاني لو انفرد أيضاً لما فهم منه مدح ولا هجاء، وكان إلى باب من الأبواب أقرب من هذين البابين، لكمه لما اقترن بالأول أهل نفسه وأخاه للهجاء، وعدل بألفاظهما عن الثناء وحصل من اجتماعهما ما ليس لكل منهما على انفراده.
ومن أمثلة هذا الباب أيضاً قول عبد الصمد بن المعدل أو أبي العميثل في أبي تمام وقد كانت في لسانه حبسة رمل مجزوء:
يا نبي الله في الشع؟ر ويا عيسى بن مريم
أنت من أشعر خلق اللهما لم تتكلم
فإن حال هذين البيتين حال البيتين اللذين قبلهما، إذ الأول منهما إذا انفرد كان مدحاً محضاً، وإ؟ ذا اجتمعا صار هجواً بحتاً، غير أن ثاني الآخرين مخالف لثاني الأولين.
ومن ملح هذا الباب قول السعيد بن سناء الملك ﵀ في قواد سريع:
لي صاحب أفديه من صاحبحلو التأني حسن الإحتيال
لو شاء من رقة ألفاظهألف ما بين الهدى والضلال
يكفيك منه أنه ربماقاد إلى المهجور طيف الخيال
وهذا النمط غير النمط الأول الذي قدمناه، وهذا من لطيف التوجيه، ولقد تشبثت بأذيال القاضي السعيد ﵀ في هذا المقطوع بقولي فيمن ادعى الفقه والكرم وانتحل هاتين الشيمتين دون بقية الشيم، وهو ممن يتهم سريع:
ابن فلان أكرم الناس لايمنع ذا الحاجة من فلسه
وهو فقيه ذو اجتهاد وقدنص على التقليد في درسه
يستحسن البحث على وجههويوجب الدخل على نفسه
وكل توطئة وقعت في هذا النمط الثاني صالحة للمدح البحت فإذا اقترنت بأبيات المعاني انقلب ما كان فيها مدحاً تهكماً، وصارت هي بنفسها هجاء، والذي أفرد هذا الباب بنفسه عن باب التهكم مع أن الذي فيه من المدح تهكم هو أن التهكم لا تخلو ألفاظه من لفظة من اللفظ الدال
على نوع من أنواع الذم، أو لفظة يفهم من فحواها الهجو، وسيأتي بيان ذلك في باب التهكم، وألفاظ المدح في هذا الباب لا يقع فيها شيء من ذلك، ولا تزال مفرقة ومجتمعة تدل على مجرد المدح حتى يقترن بها ما يصرفها عن ذلك، وشواهد التهكم لا تخلو عن ألفاظ التهكم في أبيات التوطئة، وأبيات المعاني، وما يقع في هذا الباب من التهكم إنما يقع في التوطئة دون أبيات المعاني، والله أعلم.
النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع