تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب العنوان

وهو أن يأخذ المتكلم في غرض له من وصف أو فخر أبو مدح أو هجاء أو عتاب أو غير ذلك، ثم يأتي لقصد تكميله بألفاظ تكون عنواناً لأخبار متقدمة، وقصص سالفة، كقول أبي نواس بسيط

يا هاشم بن خديج ليس فخركمبقتل صهر رسول الله بالسدد
أدرجتم في إهاب العير جثتهلبئس ما قدمت أيدكم لغد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا هاشم ابن حديج ليس فخركم»
إن تقتلوا ابن أبي بكر فقد قتلتحجراً بدارة ملحوب بنو أسد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا هاشم ابن حديج ليس فخركم»
ويوم قلتم لعمرو وهو يقتلكمقتل الكلاب لقد أبرحت بالولد
ورب كندية قالت لجارتهاوالدمع ينهل من مثنى ومن وحد
ألهى امرأ القيس تشبيب بغانيةعن ثأره وصفات النؤي والوتد
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا هاشم ابن حديج ليس فخركم»

فقد أتى أبو نواس في هذه الأبيات بعدة عنوانات: منها قصة قتل محمد بن أبي بكر، وقتل حجر أبي امرئ القيس، وقتل عمرو بن هند

كندة في ضمن هجاء من أراد هجوه، ومعيرة المهجو بما أشار إليه من الأخبار الدالة على هجاء قبيلته وملوكهم، ومثل ذلك قول أبي تمام في استعطافه مالك بن طوق على قومه كامل:

رفدوك في يوم الكلاب وشققوافيه المزاد بجحفل كلاب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لو أن دهرا رد رجع جواب»
وهم بعين أباغ راشوا للعداسهميك عند الحارث الحراب
وليالي الثرثار والحشاك قدجلبوا الجياد لواحق الأقراب
فمضت كهولهم ودبر أمرهمأحداثهم تدبير غير صواب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لو أن دهرا رد رجع جواب»

ثم قال بعد ذلك:

لك في رسول الله أعظم أسوةوأجلها في سنة وكتاب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لو أن دهرا رد رجع جواب»
أعطى المؤلفة القلوب رضاهمكملاً ورد أخائذ الأحزاب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لو أن دهرا رد رجع جواب»
والجعفريون استقلت ظعنهمعن قومهم وهم نجوم كلاب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لو أن دهرا رد رجع جواب»
حتى إذا أخذ الفراق بقسطهمنهم وشط بهم عن الأحباب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لو أن دهرا رد رجع جواب»
ورأوا بلاد الله قد لفظتهمأكنافها رجعوا إلى جواب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لو أن دهرا رد رجع جواب»
فأتوا كريم الخيم مثلك صافحاًعن ذكر أحقاد وذكر ضباب

فانظر إلى ما أتى به أبو تمام في هذه الأبيات من العنوانات من السيرة النبوية وأيام العرب كيوم الكلاب، وأخبار بني جعفر بن كلاب مع ابن عمهم جواب، وكقوله أيضاً لأحمد بن أبي دواد: وافر:

تثبت إن قولاً كان زوراًأتى النعمان قبلك في زياد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»
فأرث بين حي بني جلاحلظى حرب وحي بني مصاد
وغادر في صدور الدهر قتلىبني بدر على ذات الإصاد

فأتى بعنوان مشيراً إلى قصة النابغة حين وشى به الواشون إلى النعمان،

وما جر ذلك السعي من الحروب التي انطوت عليها قطعة من أيام العرب، وكقوله لابن أبي دواد أيضاً:

فاسمع مقالة زائر لم تشتبهآراؤه عند اشتباه البيد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
أسرى طريداً للحياء من التيزعموا وليس لرهبة بطريد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
كنت الربيع أمامه ووراءهقمر القبائل خالد بن يزيد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
فالغيث من زهر سحابة رأفةوالركن من شيبان طود حديد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
وغدا تبين ما براءة ساحتيلو قد نفضت تهائمي ونجودى
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
هذا الوليد رأى التثبت بعد ماقالوا يزيد بن المهلب مودى
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
فتزحزح الزور المؤسس عندهوبناء هذا الإفك غير مشيد
وتمكن ابن أبي سعيد من حجىملك بشكر بني الملوك سعيد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
ما خالد لي دون أيوب ولاعبد العزيز ولست دون وليد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
نفسي فداؤك أي باب ملمةلم يرم فيه إليك بالإقليد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
لما أظلتني غمامك أًصبحتتلك الشهود على وهي شهودي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
من بعد ما ظنوا بأن سيكون لييوم ببغيهم كيوم عبيد
نزعوا بسهم قطيعة يهفو بهريش العقوق فكان غير سديد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
وإذا أراد الله نشر فضيلةما كان يعرف فضل عرف العود
لولا التخوف للعواقب لم تزلللحاسد النعمى على المحسود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»

العنوانات في بعض هذه الأبيات، وإنما جئت بجملتها لئلا يتجرأ حسنها، فمن عنواناتها إشارته إلى خبره مع ابن أبي دواد فيما نقل عنه من غضه من مضر على سبيل الحسد له، حتى حجبه عنه وجفاه، ولم يرجع إليه

إلا بشفاعة خالد بن يزيد الشيباني، ثم ذكر قصة يزيد بن المهلب حين هرب من حبس الحجاج، وكتب فيه إلى الوليد بما أحفظه عليه، حتى حلف على قتله، فاستشفع بسليمان أخيه، واستجار به، فأجاره، وأرسل به مع ولده أيوب، وولد الوليد عبد العزيز، ووصى ولده ألا يدع يده من يده إلا بعد أمانه، وألا يوصل إليه بسوء إلا بعد قتله، ثم أشار إلى قصة عبيد بن الأبرص مع النعمان حين لقيه في ويوم بؤسه وقتله، وهذه القصص معروفة عند الأخباريين، فلم أطل بسياقة تفاصيلها، والكتاب العزيز محشو بعنوانات العلوم، فمنها قوله سبحانه: " ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد " الآية، فإن فيها عنوان العلم المعروف بالآثار العلوية، ومن ذلك قوله تعالى: " انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب " وهذا عنوان العلم المنسوب إلى أقليدس، لأن المثلث الشكل أول أشكاله، وهو أصل الأشكال، وهو شكل إذا نصب في الشمس لا يوجد له ظل لتحديد رؤوس زواياه، والله أعلم.

ومن ذلك قوله تعالى: " وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين " ثم ذكر سبحانه في تفسير ذلك ملكوت السموات،

مدمجاً فيه ملكوت الأرض، فإن أفول الكواكب والنيرين إنما يكون بما يحول بين الأبصار وبينها من مخروط ظل الأرض، وهذا عنوان العلم المعروف بالمجسطي والله أعلم وقوله تعالى في بقية الآية المذكورة: " فلما جن عليه الليل رأى كوكباً " إلى آخر الآية، وهذا عنوان علم الكلام في ترتيب نظم الدليل على حدوث العالم بما دل عليه أفول الكواكب من التغيير، والله أعلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.