تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب التشكيك

وهو أن يأتي المتكلم في كلامه بلفظة تشكك المخاطب هل هي حشو أو أصلية لا غنى بالكلام عنها، مثل قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين " فإن لفظة " بدين " تشكك السامع هل هي فضلة، إذ لفظة " تداينتم " تغني عنها، والناظر في علم البيان يعلم أنها أصلية، لأن لفظة الدين لها محامل، وتقول: داينت فلاناً المودة يعني جازيته ومنه " كما تدين تدان ". ومن ذلك قول رؤبة " رجز ".

داينت أروى والديون تقضىفمطلت بعضاً وأدت بعضا
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

وأمثال هذا.

وكل هذا هو الدين المجازى الذي لا يكتب ولا يشهد عليه، ولما كان المراد في الآية الكريمة تبيين الدين المالي الذي يكتب ويشهد عليه وفيه، وتبيين الأحكام المعلقة به، وما ينبغي أن يعمل فيه، أوجبت البلاغة أن تقول " بدين " معناه يكتب ويشهد فيه، ليقول: " فاكتبوه "، والله أعلم.

ومن التشكيك ضرب آخر، وهو أن يأتي المتكلم بجمل من المعاني في كلامه، كل جملة معطوفة على الأخرى بأو التي هي موضوعة للتشكيك لا التي للتخيير والإباحة، كقول البحتري سريع:

كأنما يبسم عن لؤلؤمنضد أو بر أو أقاح

ومن التشكيك نوع التبس على بعض المؤلفين حتى أدخله في باب تجاهل العارف، وهو أن يرى المتكلم شيئاً شبيهاً بشيء فيشكك نفسه فيه، لقصد تقريب المشبه من المشبه به، ثم يعود عن المجاز إلى الحقيقة، فيزيل ذلك التشكيك، فإن لم يعد إلى الحقيقة فهو تجاهل العارف وإن عاد فهو التشكيك المحض، وهو كقول سلم طويل:

تبدت فقلت الشمس عند طلوعهابجلد غنى اللون عن أثر الورس
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «تبدت فقلت الشمس عند طلوعها»
فلما كررت الطرف قلت لصاحبيعلى مرية ما هاهنا مطلع الشمس
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «تبدت فقلت الشمس عند طلوعها»

فانظر كيف رجع إلى التحقيق بعد التشكيك، وقد خفى هذا الفرق عن ابن رشيق وغيره حتى أدخلوه في باب تجاهل العارف، وهذا خلاف قول أبي تمام طويل:

فوالله ما أدري أأحلام نائمألمت بنا أم كان في الركب يوشع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»

فإن سلماً رجع عن التشكيك وأبو تمام لم يرجع، فكان بيت سلم من التشكيك المحض، وبيت حبيب من تجاهل العارف، وقد ظهر الفرق بين البابين، والله أعلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.