من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ذكر الحمام (٢)
قال صاحب الحمام: الحمام وحشيّ، وأهليّ، وبيوتيّ، وطوراني. وكلّ طائر يعرف بالزّواج، وبحسن الصّوت، والهديل، والدّعاء، والترجيع فهو حمام، وإن خالف بعضه بعضا في بعض الصّوت واللّون، وفي بعض القدّ. ولحن الهديل. وكذلك تختلف أجناس الدّجاج على مثل ذلك ولا يخرجها ذلك من أن تكون دجاجا:
كالدّيك الهندي والخلاسيّ والنّبطيّ، وكالدّجاج السّنديّ والزنجيّ وغير ذلك.
وكذلك الإبل: كالعراب والبخت، والفوالج، والبهونيّات والصّرصرانيّات، والحوش، والنّجب، وغير ذلك من فحول الإبل؛ ولا يخرجها ذلك من أن تكون إبلا.
وما ذاك إلّا مخالفة الجرذان والفأر، والنّمل والذّر، وكاختلاف الضّأن والمعز، وأجناس البقر الأهليّة والبقر الوحشيّة، وكقرابة ما بينهما وبين الجواميس.
وقد تختلف الحيّات والعقارب بضروب الاختلاف، ولا يخرجها ذلك من أن تكون عقارب وحيّات، وكذلك الكلاب، والغربان.
وحسبك بتفاوت ما بين النّاس: كالزّنج والصقالبة، في الشّعور والألوان، وكيأجوج ومأجوج، وعاد وثمود، ومثل الكنعانيّين والعمالقة.
فقد تخالف الماعزة الضائنة حتىّ لا يقع بينهما تسافد ولا تلاقح. وهي في ذلك غنم وشاء.
قال: والقمريّ حمام، والفاختة حمام، والورشان حمام. والشّفنين حمام، وكذلك
اليمام واليعقوب. وضروب أخرى كلها حمام. ومفاخرها التي فيها ترجع إلى الحمام التي لا تعرف إلّا بهذا الاسم.
قال: وقد زعم أفليمون (صاحب الفراسة) أنّ الحمام يتّخذ لضروب: منها ما يتخذ للأنس والنساء والبيوت، ومنا ما يتخد للزّجال والسباق.
والزّجال: إرسال الحمام الهوادي
ومن مناقب الحمام حبّه للناس، وأنس الناس به، وأنّك لم تر حيوانا قطّ أعدل موضعا، ولا أقصد مرتبة من الحمام. وأسفل النّاس لا يكون دون أن يتّخذها، وأرفع الناس لا يكون فوق أن يتّخذها. وهي شيء يتّخذه ما بين الحجّام إلى الملك الهمام.
والحمام مع عموم شهوة النّاس له، ليس شيء مما يتّخذونه هم أشدّ شغفا به ولا أشدّ صبابة منهم بالحمام، ثمّ تجد ذلك في الخصيان كما تجده في الفحول، وتجده في الصّبيان كما تجده في الرّجال، وتجده في الفتيان كما تجده في الشيوخ، وتجده في النساء كما تجده في الرّجال.
والحمام من الطّير الميامين، وليس من الحيوان الذي تظهر له عورة وحجم قضيب كالكلب والحمار وأشباه ذلك، فيكون ذلك مما يكون يجب على الرّجال ألّا يدخلوه دورهم.
قال مثنّى بن زهير: ومن العجب أنّ الحمام ملقّى، والسّكران موقّى، فأنشده ابن يسير بيت الخريميّ:
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّةوسهم المنايا بالذّخائر مولع
ومتى رأى إنسان عطشان الدّيك والدّجاجة يشربان الماء، ورأى ذئبا وكلبا يلطعان الماء لطعا، ذهب عطشه من قبح حسو الديك نغبة نغبة ومن لطع الكلب.
وإنّه ليرى الحمام وهو يشرب الماء! وهو ريّان فيشتهي أن يكرع في ذلك الماء معه.
والدّيك والكلب في طلب السّفاد وفي طلب الذّرء كما قال أبو الأخزر الحمّانيّ:
لا مبتغي الضّنء ولا بالعازل
والحمام أكثر معانيه الذّرء وطلب الولد. فإذا علم الذّكر أنّه قد أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد تقدّما في إعداد العشّ، ونقل القصب وشقق الخوص، وأشباه ذلك من العيدان الخوّارة الدّقاق حتى يعملا أفحوصة وينسجاها نسجا مداخلا، وفي الموضع الذي قد رضياه اتخذاه واصطنعاه، بقدر جثمان الحمامة، ثمّ أشخصا لتلك الأفحوصة حروفا غير مرتفعة؛ لتحفط البيض وتمنعه من التّدحرج، ولتلزم كنفي الجؤجؤ ولتكون رفدا لصاحب الحضن، وسدا للبيض، ثمّ يتعاوران ذلك المكان ويتعاقبان ذلك القرموص وتلك الأفحوصة، يسخّنانها ويدفّيانها ويطيّبانها، وينفيان عنها طباعها الأوّل، ويحدثان لها طبيعة أخرى مشتقّة من طبائعهما، ومستخرجة من رائحة أبدانهما وقواهما الفاصلة منهما؛ لكي تقع البيضة إذا وقعت، في موضع أشبه المواضع طباعا بأرحام الحمام، مع الحضانة والوثارة؛ لكي لا تنكسر البيضة بيبس الموضع، ولئلا ينكر طباعها طباع المكان، وليكون على مقدار من البرد والسّخانة والرّخاوة والصّلابة. ثمّ إن ضربها المخاض وطرّقت ببيضتها، بدرت إلى الموضع الذي قد أعدّته، وتحاملت إلى المكان الذي اتّخذته وصنعته، إلّا أن يقرّعها رعد قاصف، أو ريح عاصف فإنّها ربّما رمت بها دون كنّها وظل عشها، وبغير موضعها الذي اختارته. والرّعد ربما مرق عنده البيض وفسد، كالمرأة التي تسقط من الفزع، ويموت جنينها من الرّوع.
وإذا وضعت البيض في ذلك المكان فلا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه، حتّى إذا بلغ ذلك البيض مداه وانتهت أيّامه، وتمّ ميقاته الذي وظّفه خالقه، ودبّره
صاحبه، انصدع البيض عن الفرخ، فخرج عاري الجلد، صغير الجناح، قليل الحيلة، منسدّ الحلقوم. فيعينانه على خلاصه من قيضه وترويحه من ضيق هوّته.
وهما يعلمان أن الفرخين لا تتّسع حلوقهما وحواصلهما للغذاء، فلا يكون لهما عند ذلك همّ إلّا أن ينفخا في حلوقهما الريح، لتتسع الحوصلة بعد التحامها، وتنفتق بعد ارتتاقها، ثم يعلمان أنّ الفرخ وإن اتّسعت حوصلته شيئا، أنّه لا يحتمل في أول اغتذائه أن يزقّ بالطّعم، فيزقّ عند ذلك باللّعاب المختلط بقواهما وقوى الطعم- وهم يسمّون ذلك اللّعاب اللّباء- ثم يعلمان أنّ طبع حوصلته يرق عن استمراء الغذاء وهضم الطّعم، وأنّ الحوصلة تحتاج إلى دبغ وتقوية، وتحتاج إلى أن يكون لها بعض المتانة والصلابة، فيأكلن من شورج أصول الحيطان، وهو شيء بين الملح الخالص وبين التّراب الملح، فيزقّان الفرخ حتّى إذا علما أنّه قد اندبغ واشتدّ زقّاه بالحبّ الذي قد غبّ في حواصلهما ثم زقّاه بعد ذلك بالحبّ الذي هو أقوى وأطرى. فلا يزلان يزقّانه بالحبّ والماء على مقدار قوّته ومبلغ طاقته، وهو يطلب ذلك منهما، ويبضّ نحوهما؛ حتى إذا علما أنّه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع، ليحتاج إلى اللقط فيتعوّده، حتى إذا علما أن أداته قد تمّت، وأن أسبابه قد اجتمعت وأنّهما إن فطماه فطما مقطوعا مجذوذا قوي على اللّقط، وبلغ لنفسه منتهى حاجته- ضرباه إذا سألهما الكفاية، ونفياه متى رجع إليهما ثمّ تنزع عنهما تلك الرحمة العجيبة منهما له، وينسيان ذلك العطف المتمكّن عليه، ويذهلان عن تلك الأثرة له، والكدّ المضني من الغدوّ عليه، والرّواح إليه، ثم يبتديان العمل ابتداء ثانيا، على ذلك النظام وعلى تلك المقدّمات.
فسبحان من عرّفهما وألهمهما، وهداهما، وجعلهما دلالة لمن استدلّ، ومخبرا صادقا لمن استخبر، ذلكم الله رب العالمين.
وما أعجب حالات الطّعم الذي يصير في أجواف الحيوان، وكيف تتصرّف به
الحالات، وتختلف في أجناسه الوجوه: فمنها ما يكون مثل زق الحمام لفرخه، والزقّ في معنى القيء أو في معنى التقيؤ وليس بهما؛ وجرّة البعير والشاة والبقرة في معنى ذلك، وليس به. والبعير يريد أن يعود في خضمه الأوّل واستقصاء طعمه. وربّما كانت الجرّة رجيعا. والرّجيع: أن يعود على ما قد أعاد عليه مرّة حتّى ينزعه من جوفه، ويقلبه عن جهته.
والحمام يخرجه من حوصلته ومن مستكنّه وقراره، وموضع حاجته واستمرائه، بالأثرة والبرّ، إلى حوصلة ولده. قد ملك ذلك وطابت به نفسه ولم تغنث عليه نفسه ولم يتقذّر من صنيعه، ولم تخبث نفسه، ولم تتغيّر شهوته. ولعلّ لذّته في إخراجه أن تكون كلذّته في إدخاله، وإنما اللذة في مثل هذا بالمجاري، كنحو ما يعتري مجرى النّطفة من استلذاذ مرور النّطفة، فهذا شأن قلب الحمام ما في جوفه، وإخراجه بعد إدخاله. والتمساح يخرجه على أنّه رجعه ونجوه الذي لا مخرج له ولا فرج له في سواه.
وقد يعتري ذلك الإنسان لما يعرض من الدّاء، فلا يعرف إلّا الأكل والقيء، ولا يعرف النّجو إلّا في الحين على بعض الشّدّة. وليس ما عرض بسبب آفة كالذي يخرج على أصل تركيب الطبيعة.
والسّنّور والكلب على خلاف ذلك كلّه، لأنهما يخرجانه بعارض يعرض لهما من خبث النّفس، ومن الفساد، ومن التّثوير والانقباض ثمّ يعودان بعد ذلك فيه من ساعتهما، مشتهيين له، حريصين عليه.
والإنسان إذا ذرعه ذلك لم يكن شيء أبغض إليه منه، وربّما استقاء وتكلّف ذلك لبعض الأمر. وليس التكلف في هذا الباب إلّا له.
وذوات الكروش كلها تقعص بجرّتها، فإذا أجادت مضغه أعادته، والجرّة هي الفرث، وأشدّ من ذلك أن تكون رجيعا، فهي تجيد مضغها وإعادتها إلى مكانها، إلّا أنّ ذلك ممّا لا يجوز أفواهها. وليس عند الحافر من ذلك قليل ولا كثير، بوجه من الوجوه.
وقد يعتري سباع الطير شبيه بالقيء، وهو الذي يسمّونه «الزّمّج». وبعض السّمك يقيء قيئا ذريعا، كالبال، فإنّه ربّما دسع الدّسعة، فتلقى بعض المراكب، فيلقون من ذلك شدّة. والناقة الضجور ربّما دسعت بجرّتها في وجه الذي يرحلها أو يعالجها، فيلقى من ذلك أشدّ الأذى. ومعلوم أنّها تفعل ذلك على عمد.
فلذوات الأقدام في ذلك مذهب، ولذوات الكروش من الظّلف والخفّ في ذلك مذهب، ولذوات الأنياب في ذلك مذهب، وللسّمك والتمساح الذي يشبه السّمك في ذلك مذهب.
ويزعمون أن جوف التمساح إن هو إلّا معاليق فيه، وأنه في صورة الجراب، مفتوح الفم، مسدود الدّبر، ولم أحقّ ذلك، وما أكثر من لا يعرف الحال فيه.
ثم رجع بنا القول في الحمام بعد أن استغنى ولده عنه، وبعد أن نزعت الرحمة منه، وذلك أنّه يبتدئ الذّكر الدّعاء والطرد، وتبتدئ الأنثى بالتأتّي والاستدعاء، ثمّ تزيف وتتشكّل، ثمّ تمكّن وتمنع، وتجيب وتصدف بوجهها، ثم يتعاشقان ويتطاوعان، ويحدث لهما من التغزّل والتفتّل ومن السّوف والقبل، ومن المصّ والرّشف، ومن التنفّخ والتنفّج، ومن الخيلاء والكبرياء، ومن إعطاء التقبيل حقه، ومن إدخال الفم في الفم، وذلك من التطاعم، وهي المطاعمة. وقال الشاعر:
لم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفهاإلّا تطاول غصن الجيد بالجيد
كما تطاعم في خضراء ناعمةمطوّقان أصاخا بعد تغريد
هذا مع إرسالها جناحيها وكفّيها على الأرض، ومع تدرعها وتبعّلها ومع تصاوله وتطاوله، ومع تنفّجه وتنفّخه، مع ما يعتريه مع الحكة والتفلّي والتنفّش حتّى تراه وقد رمى فيه بمثله.
ثمّ الذي ترى من كسحه بذنبه، وارتفاعه بصدره، ومن ضربه بجناحه، ومن
فرحه ومرحه بعد قمطه والفراغ من شهوته، ثمّ يعتريه ذلك في الوقت الذي يفتر فيه أنكح النّاس.
وتلك الخصلة يفوق بها جميع الحيوان، لأنّ الإنسان الذي هو أكثر الخلق في قوّة الشهوة، وفي دوامها في جميع السّنة، وأرغب الحيوان في التصنّع والتغزل، والتشكّل والتفتّل أفتر ما يكون إذا فرغ، وعندها يركبه الفتور، ويحبّ فراق الزّوج، إلى أن يعود إلى نشاطه، وترجع إليه قوّته.
والحمام أنشط ما يكون وأفرح، وأقوى ما يكون وأمرح، مع الزّهو والشكل، واللهو والجذل، أبرد ما يكون الإنسان وأفتره، وأقطع ما يكون وأقصره.
هذا، وفي الإنسان ضروب من القوى: أحدها فضل الشّهوة، والأخرى دوام الشهوة في جميع الدّهر، والأخرى قوة التصنّع والتكلف، وأنت إذا جمعت خصاله كلها كانت دون قوّة الحمام عند فراغه من حاجته وهذه فضيلة لا ينكرها أحد، ومزيّة لا يجحدها أحد!!
ويقال: إنّ النّاس لم يجدوا مثل نشاط الحمام في وقت فترة الإنسان إلّا ما وجدوه في البغال؛ فإنّ البغال تحمل أثقالا عشيّة، فتسير بقيّة يومها وسواد ليلتها، وصدر نهار غدها، حتّى إذا حطّوا عن جميع ما كان محمّلا من أصناف الدواب أحمالها، لم يكن لشيء منها همّة، ولا لمن ركبها من النّاس إلّا المراغة والماء والعلف، وللإنسان الاستلقاء ورفع الرّجلين والغمز والتأوّه، إلّا البغال فإنها في وقت إعياء جميع الدواب وشدّة كلالها، وشغلها بأنفسها ممّا مرّ عليها، ليس عليها عمل إلّا أن تدلي أيورها وتشظّ وتضرب بها بطونها؛ وتحطها وترفعها. وفي ذلك الوقت لو رأى المكاري امرأة حسناء لما انتشر لها ولا همّ بها. ولو كان منعظا ثم اعتراه بعض ذلك الإعياء لنسي الإنعاظ.
وهذه خصلة تخالف فيها البغال جميع الحيوان، وتزعم العملة أنّها تلتمس
بذلك الرّاحة وتتداوى به. فليس العجب- إن كان ذلك حقّا- إلّا في إمكان ذلك لها في ذلك الوقت، وذلك لا يكون إلّا عن شهوة وشبق مفرط.
وشبه آخر وشكل من ذلك، كالذي يوجد عند الأتراك عند بلوغ المنزل بعد مسير اللّيل كلّه وبعض النّهار، فإن النّاس في ذلك الوقت ليس لهم إلّا أن يتمددوا ويقيّدوا دوابّهم. والتركي في ذلك الوقت إذا عاين ظبيا أو بعض الصّيد، ابتدأ الرّكض بمثل نشاطه قبل أن يسير ذلك السير، وذلك وقت يهمّ فيه الخارجيّ والخصيّ أنفسهما؛ فإنّهما المذكوران بالصّبر على ظهر الدّابّة.
وليس في الأرض بهيمة تفطم ولدها عن اللّبن دفعة واحدة، بل تجد الظّبية أو البقرة أو الأتان أو الناقة، إذا ظنت أنّ ولدها قد أطاق الأكل منعته بعض المنع، ثمّ لا تزل تنزّل ذلك المنع وترتبه وتدرّجه، حتّى إذا علمت أنّ به غنّى عنها إن هي فطمته فطاما لا رجعة فيه، منعته كلّ المنع.
والعرب تسمّي هذا التّدبير من البهائم التّعفير، ولذلك قال لبيد:
لمعفّر قهد تنازع شلوهغبس كواسب ما يمنّ طعامها
وعلى مثل هذه السّيرة والعادة يكون عمل الحمام في فراخه.
ومن عجيب أمر الحمام أنّه يقلب بيضه، حتى يصير الذي كان منه يلي الأرض يلي بدن الحمام من بطنه وباطن جناحه، حتّى يعطي جميع البيضة نصيبها من الحضن، ومن مسّ الأرض، لعلمها أن خلاف ذلك العمل يفسده.
وخصلة أخرى محمودة في الحمام، وذلك أنّ البغل المتولّد بين الحمار والرّمكة لا يبقى له نسل، والرّاعبي المتولّد فيما بين الحمام والورشان، يكثر نسله ويطول عمر ولده. والبخت والفوالج، إن ضرب بعضها بعضا خرج الولد منقوص
الخلق لا خير فيه. والحمام كيفما أدرته، وكيفما زاوجت بين متّفقها ومختلفها، يكون الولد تامّ الخلق، مأمول الخير. فمن نتاج الحمام إذا كان مركبا مشتركا ما هو كالرّاعبي والورداني. وعلى أنّ للورداني غرابة لون وظرافة قدّ، للرّاعبيّ فضيلة في عظم البدن والفراخ، وله من الهديل والقرقرة ما ليس لأبويه، حتىّ صار ذلك سببا للزّيادة في ثمنه، وعلّة للحرص على اتّخاذه.
والغنم على قسمين: ضأن ومعز، والبقر على قسمين: أحدهما الجواميس إلا ما كان من بقر الوحش. والظّلف إذا اختلفا لم يكن بينهما تسافد ولا تلاقح، فهذه فضيلة للحمام في جهة الإنسال والإلقاح، واتّساع الأرحام لأصناف القبول. وعلى أنّ بين سائر أجناس الحمام من الوراشين، والقماريّ، والفواخت، تسافدا وتلاقحا.
وممّا أشبّه فيه الحمام النّاس، أنّ ساعات الحضن أكثرها على الأنثى، وإنّما يحضن الذّكر في صدر النهار حضنا يسيرا، والأنثى كالمرأة التي تكفل الصبيّ فتفطمه وتمرّضه، وتتعهده بالتمهيد والتّحريك. حتّى إذا ذهب الحضن وانصرم وقته، وصار البيض فراخا كالعيال في البيت، يحتاجون إلى الطّعام والشّراب، صار أكثر ساعات الزّقّ على الذّكر كما كان أكثر ساعات الحضن على الأنثى.
وممّا أشبه فيه الحمام النّاس ما قال مثنّى بن زهير وهو إمام النّاس في البصرة بالحمام وكان جيّد الفراسة، حاذقا بالعلاج، عارفا بتدبير الخارجيّ إذا ظهرت فيه مخيلة الخير- واسم الخارجيّ عندهم: المجهول- وعالما بتدبير العريق المنسوب إذا ظهرت فيه علامات الفسولة وسوء الهداية. وقد يمكن أن يخلف ابن قرشيّين ويندب ابن خوزيّ من نبطيّة. وإنما فضّلنا نتاج العلية على نتاج السّفلة لأنّ نتاج النّجابة فيهم أكثر، والسّقوط في أولاد السفلة أعمّ، فليس بواجب أن يكون السفلة لا تلد إلّا السفلة والعلية لا تلد إلّا العلية، وقد يلد المجنون العاقل والسخيّ البخيل، والجميل القبيح.
وقد زعم الأصمعي أنّ رجلا من العرب قال لصاحب له: إذا تزوّجت امرأة من العرب فانظر إلى أخوالها، وأعمامها، وإخوتها، فإنها لا تخطئ الشبّه بواحد منهم! وإن كان هذا الموصي والحكيم، جعل ذلك حكما عامّا فقد أسرف في القول، وإن كان ذهب إلى التّخويف والزّجر والترهيب كي يختار لنفسه، ولأنّ المتخيّر أكثر نجابة فقد أحسن.
وقال مثنّى بن زهير: لم أر قطّ في رجل وامرأة إلّا وقد رأيت مثله في الذّكر والأنثى من الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلّا ذكرها، كالمرأة لا تريد إلّا زوجها وسيّدها، ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذّكورة، ورأيت امرأة لا تمنع يد لامس، ورأيت الحمامة لا تزيف إلا بعد طرد شديد وشدة طلب، ورأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها ساعة يقصد إليها، ورأيت من النساء كذلك، ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن ذكرا آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك من النساء، ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلّا وذكرها يطير أو يحضن، ورأيت الحمامة تقمط الحمام الذكور، ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ورأيت أنثى كانت لي لا تقمط إلا الإناث، ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط، ولا تدع أنثى تقمطها.
قال: ورأيت ذكرا يقمط الذّكورة وتقمطه؛ ورأيت ذكرا يقمطها ولا يدعها تقمطه، ورأيت أنثى تزيف للذّكورة ولا تدع شيئا منها يقمطها.
قال: ورأيت هذه الأصناف كلّها في السّحّاقات من المذكّرات والمؤنثات، وفي الرّجال الحلقيّين واللّوطيّين. وفي الرجال من لا يريد النساء، وفي النساء من لا يريد الرجال.
قال: وامتنعت عليّ خصلة، فو الله لقد رأيت من النساء من تزني أبدا وتساحق أبدا ولا تتزوج أبدا، ومن الرجال من يلوط أبدا، ويزني أبدا ولا يتزوّج، ورأيت حماما ذكرا يقمط ما لقي ولا يزاوج. ورأيت حمامة تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر وأنثى، وتقمط الذكورة والإناث، ولا تزاوج. ورأيتها تزاوج ولا تبيض، وتبيض فيفسد بيضها؛ كالمرأة تتزوّج وهي عاقر، وكالمرأة تلد وتكون خرقاء ورهاء. ويعرض لها الغلظة والعقوق للأولاد، كما يعتري ذلك العقاب.
وأمّا أنا فقد رأيت الجفاء للأولاد شائعا في اللّواتي حملن من الحرام ولرّبما ولدت من زوجها، فيكون عطفها وتحنّنها كتحنن العفيفات السّتيرات، فما هو إلّا أن تزني أو تقحب فكأنّ الله لم يضرب بينها وبين ذلك الولد بشبكة رحم، وكأنّها لم تلده.
قال مثنّى بن زهير: ورأيت ذكرا له أنثيان وقد باضتا منه، وهو يحضن مع هذه
ومع تلك، ويزقّ مع هذه ومع تلك، ورأيت أنثى تبيض بيضة، ورأيت أنثى تبيض في أكثر حالاتها ثلاث بيضات.
وزعم أنّه إنّما جزم بذلك فيها ولم يظنه بالذّكر، لأنّها قد كانت قبل ذلك عند ذكر آخر، وكانت تبيض كذلك.
ورأيت أنا حمامة في المنزل لم يعرض لها ذكر إلّا اشتدّت نحوه بحدّة ونزق وتسرّع، حتى تنقر أين صادفت منه، حتى يصدّ عنها كالهارب منها، وكان زوجها جميلا في العين رائعا، وكان لها في المنزل بنون وبنو بنين وبنات وبنات بنات، وكان في العين كأنّه أشبّ من جميعهنّ. وقد بلغ من حظوته أني قلّما رأيته أراد واحدة من عرض تلك الإناث فامتنعت عليه، وقد كن يمتنعن من غيره، فبينا أنا ذات يوم جالس بحيث أراهنّ إذ رأيت تلك الأنثى قد زافت لبعض بنيها! فقلت لخادمي: ما الذي غيّرها عن ذلك الخلق الكريم؟ فقال: إني رحّلت زوجها من القاطول فذهب، ولهذا شهر. فقلت: هذا عذر! قال مثنّى بن زهير: وقد رأيت الحمامة تزاوج هذا الحمام، ثم تتحول منه إلى آخر، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك في الإناث، ورأيت الذّكر كثير النّسل قويا على القمط، ثمّ يصفي كما يصفي الرّجل إذا أكثر من النّسل والجماع.
ثمّ عدّد مثنّى أبوابا غير ما حفظت ممّا يصاب مثله في الناس.
وزعموا أنّ مثنّى كان ينظر إلى العاتق والمخلف، فيظن أنّه يجيء من الغاية فلا يكاد ظنه يخطئ. وكان إذا أظهر ابتياع حمام أغلوه عليه، وقالوا: لم يطلبه إلّا وقد رأى فيه علامة المجيء من الغاية، وكان يدسّ في ذلك ففطنوا له وتحفظوا منه، فربّما اشترى نصفه وثلثه، فلا يقصّر عند الزّجال من الغاية.
وكان له خصيّ يقال له خديج، يجري مجراه، فكانا إذا تناظرا في شأن طائر لم تخلف فراستهما.
قال: والحمام تبيض عشرة أشهر من السّنة، فإذا صانوه وحفظوه، وأقاموا له الكفاية وأحسنوا تعهّده، باض في جميع السّنة.
قالوا: والدّجاجة تبيض في كلّ السّنة خلا شهرين.
ومن الدّجاج ما هو عظيم الجثّة، يبيض بيضا كبيرا، وما أقل ما يحضن، ومن الدجاج ما يبيض ستّين بيضة، وأكثر الدجاج العظيم الجثّة يبيض أكثر من الصغير الجثّة.
قال: أما الدّجاج التي نسبت إلى أبي ريانوس الملك، فهو طويل البدن ويبيض في كلّ يوم، وهي صعبة الخلق وتقتل فراريجها.
ومن الدّجاج الذي يربّى في المنازل ما يبيض مرّتين في اليوم، ومن الدجاج ما إذا باض كثيرا مات سريعا، لذلك العرض.
قال: والخطّاف تبيض مرّتين في السّنة، وتبني بيتها في أوثق مكان وأعلاه.
فأمّا الحمام والفواخت، والأطرغلّات والحمام البريّ، فإنّها تبيض مرّتين في السنة، والحمام الأهليّ يبيض عشر مرات. وأما القبج والدّرّاج فهما يبيضان بين العشب، ولا سيما فيما طال شيّا والتوى.
وإذا باض الطّير بيضا لم تخرج البيضة من حدّ التحديد والتّلطيف، بل يكون الذي يبدأ بالخروج الجانب الأعظم، وكان الظنّ يسرع إلى أنّ الرأس المحدّد هو الذي يخرج أوّلا.
قال: وما كان من البيض مستطيلا محدّد الأطراف فهو للإناث، وما كان مستديرا عريض الأطراف فهو للذّكور.
قال: والبيضة عند خروجها ليّنة القشر. غير جاسية ولا يابسة ولا جامدة.
قال: والبيض الذي يتولد من الريح والتّراب أصغر وألطف، وهو في الطّيب
دون الآخر. ويكون بيض الرّيح من الدجاج والقبج، والحمام، والطاوس، والإوزّ.
قال: وحضن الطائر وجثومه على البيض صلاح لبدن الطائر، كما يكون صلاحا لبدن البيض. ولا كذلك الحضن على الفراخ والفراريج فربما هلك الطائر عن ذلك السبب.
وزعم ناس أن بيض الرّيح إنما تكوّن من سفاد متقدّم. وذلك خطأ من وجهين: أمّا أحدهما فأن ذلك قد عرف من فراريج لم يرين ديكا قط. والوجه الآخر:
أن بيض الريح لم يكن منه فرّوج قطّ إلّا أن يسفد الدجاجة ديك، بعد أن يمضي أيضا خلق البيض.
قال: وبيض الصّيف المحضون أسرع خروجا منه في الشتاء ولذلك تحضن الدجاجة البيضة في الصّيف خمس عشرة ليلة.
قال: وربّما عرض غيم في الهواء أو رعد، في وقت حضن الطائر، فيفسد البيض. وعلى كل حال ففساده في الصيف أكثر، والموت فيها في ذلك الزمان أعمّ.
وأكثر ما يكون فساد البيض في الجنائب، ولذلك كان ابن الجهم لا يطلب من نسائه الولد إلّا والرّيح شمال. وهذا عندي تعرّض للبلاء، وتحّكك بالشرّ، واستدعاء للعقوبة.
وقال: وبعضهم يسمّي بيض الرّيح: البيض الجنوبيّ، لأنّ أصناف الطّير تقبل الرّيح في أجوافها.
وربّما أفرخ بيض الرّيح بسفاد كان، ولكنّ لونه يكون متغيّرا وإن سفد الأنثى طائر من غير جنسها، غيّر خلق ذلك المخلوق الذي كان من الذّكر المتقدّم. وهو في الديكة أعمّ.
ويقولون: إنّ البيض يكون من أربعة أشياء: فمنه ما يكون من التّراب، ومنه
ما يكون من السفاد، ومنه ما يكون من النّسيم إذا وصل إلى أرحامهن وفي بعض الزّمان، ومنه شيء يعتري الحجل وما شاكله في الطّبيعة، فإنّ الأنثى ربّما كانت على سفالة الريح التي تهبّ من شقّ الذكر في بعض الزمان فتحتشي من ذلك بيضا. ولم أرهم يشكون أن النّخلة المطلعة تكون بقرب الفحّال وتحت ريحه، فتلقح بتلك الريح وتكتفي بذلك. قال: وبيض أبكار الطّير أصغر، وكذلك أولاد النساء. إلى أن تتسع الأرحام وتنتفخ الجنوب.
ويكون هديل الحمام الفتيّ ضئيلا فإذا زقّ مرارا فتح الزّقّ جلدة غببه وحوصلته، فخرج الصّوت أغلظ وأجهر.
وهم لا يثقون بحياة البكر من النّاس كما يثقون بحياة الثاني، ويرون أنّ طبيعة الشباب والابتداء لا يعطيانه شيئا إلّا أخذه تضايق مكانه من الرّحم، ويحبّون أن تبكّر بجارية! وأظنّ أن ذلك إنما هو لشدّة خوفهم على الذكر. وفي الجملة لا يتيمّنون بالبكر الذكر. فإن كان البكر ابن بكر تشاءموا به، فإن كان البكر ابن بكرين فهو في الشؤم مثل قيس بن زهير، والبسوس، فإن قيسا كان أزرق وبكرا ابن بكرين. ولا أحفظ شأن البسوس حفظا أجزم عليه.
قال: وأمّا الحمام فإنّه إذا قمط تنفّش وتكبّر ونفض ذنبه وضرب بجناحه، وأمّا الإوزّ فإنّه إذا سفد أكثر من السباحة، اعتراه في الماء من المرح مثل ما يعتري الحمام في الهواء.
قال: وبيض الدجاج يتمّ خلقه في عشرة أيام وأكثر شيئا، وأمّا بيض الحمام ففي أقلّ من ذلك.
والحمامة ربّما احتبس البيض في جوفها بعد الوقت لأمور تعرض لها: إمّا لأمر عرض لعشّها وأفحوصها. وإمّا لنتف ريشها، وإمّا لعلّة وجع من أوجاعها وإمّا لصوت
رعد؛ فإنّ الرّعد إذا اشتدّ لم يبق طائر على الأرض واقع إلّا عدا فزعا، وإن كان يطير رمى بنفسه إلى الأرض. قال علقمة بن عبدة:
رغا فوقهم سقب السّماء فداحضبشكته لم يستلب وسليب
كأنّهم صابت عليهم سحابةصواعقها لطيرهنّ دبيب
قال: وليس التّقبيل إلّا للحمام والإنسان، ولا يدع ذلك ذكر الحمام إلّا بعد الهرم. وكان في أكثر الظّنّ أنّه أحوج ما يكون إلى ذلك التّهييج به عند الكبر والضّعف.
وتزعم العوامّ أنّ تسافد الغربان هو تطاعمها بالمناقير، وأنّ إلقاحها إنّما يكون من ذلك الوجه. ولم أر العلماء يعرفون هذا.
قال: وإناث الحمام إذا تسافدت أيضا قبّل بعضهنّ بعضا، ويقال إنّها تبيض عن ذلك، ولكن لا يكون عن ذلك البيض فراخ، وإنّه في سبيل بيض الريح.
قال: ويستبين خلق الفراخ إذا مضت لها ثلاثة أيّام بليالها وذلك في شباب الدّجاج، وأمّا في المسانّ منها فهو أكثر، وفي ذلك الوقت توجد الصّفرة من النّاحية العليا من البيضة، عند الطرف المحدّد وحيث يكون أوّل نقرها، فثمّ يستبين في بياض البيضة مثل نقطة من دم، وهي تختلج وتتحرّك. والفرخ إنّما يخلق من البياض، ويغتذي الصّفرة، ويتمّ خلقه لعشرة أيّام. والرّأس وحده يكون أكبر من سائر البدن.
قال: ومن الدّجاج ما يبيض بيضا له صفرتان في بعض الأحايين، خبّرني بذلك كم شئت من ثقات أصحابنا.
وقال صاحب المنطق: وقد باضت فيما مضى دجاجة ثماني عشرة بيضة، لكلّ بيضة محّتان، ثمّ سخّنت وحضنت، فخرج من كلّ بيضة فرّوجان، ما خلا البيض
الذي كان فاسدا في الأصل. وقد يخرج من البيضة فرّوجان، ويكون أحدهما أعظم جثّة، وكذلك الحمام. وما أقلّ ما يغادر الحمام أن يكون أحد الفرخين ذكرا والآخر أنثى.
قال: وربّما باضت الحمامة وأشباهها من الفواخت ثلاث بيضات، فأمّا الأطر غلّات والفواخت فإنها تبيض بيضتين، وربّما باضت ثلاث بيضات ولكن لا يخرج منها أكثر من فرخين، وربّما كان واحدا فقط.
قال: وبعض الطير لا يبيض إلّا بعد مرور الحول عليه كاملا، والحمامة في أكثر أمرها يكون أحد فرخيها ذكرا والآخر أنثى، وهي تبيض أوّلا البيضة التي فيها الذّكر، ثمّ تقيم يوما وليلة. ثمّ تبيض الأخرى، وتحضن ما بين السّبعة عشر يوما إلى العشرين، على قدر اختلاف طباع الزّمان، والذي يعرض لها من العلل. والحمامة أبرّ بالبيض، والحمام أبرّ بالفراخ.
قال: وأمّا جميع أجناس الطير ممّا يأكل اللّحم، فلم يظهر لنا أنّه يبيض ويفرخ أكثر من مرّة واحدة، ما خلا الخطّاف فإنّه يبيض مرّتين.
والعقاب تبيض ثلاث بيضات، فيخرج لها فرخان. واختلفوا فقال بعضهم:
لأنها لا تحضن إلّا بيضتين، وقال آخرون: قد تحضن ويخرج لها ثلاثة أفراخ، ولكنّها ترمي بواحد استثقالا للتكسّب على ثلاثة. وقال آخرون: ليس ذلك إلّا بما يعتريها من الضعف عن الصّيد، كما يعتري النّفساء من الوهن والضّعف. وقال آخرون: العقاب طائر سيّء الخلق، رديء التّربية، وليس يستعان على تربية الأولاد إلّا بالصّبر. وقال آخرون: لا، ولكنّها شديدة النّهم والشّره، وإذا لم تكن أمّ الفراخ ذات أثرة لها، ضاعت.
وكذلك قالوا في العقعق، عند إضاعتها لفراخها، حتى قالوا: «أحمق من عقعق»، كما قالوا: «أحذر من عقعق».
وقالوا: وأمّا الفرخ الذي يخرجه العقاب، فإنّ المكلّفة، وهي طائر يقال لها كاسر العظام، تقبله وتربّيه.
والعقاب تحضن ثلاثين يوما، وكذلك كلّ طائر عظيم الجثّة، مثل الإوزّ وأشباه ذلك، فأمّا الوسط فهو يحضن عشرين يوما. مثل الحدأ ومثل أصناف البزاة كالبواشق واليآيئ.
والحدأة تبيض بيضتين. وربّما باضت ثلاث بيضات وخرج منهمن ثلاثة فراخ.
قالوا: وأما العقبان السّود الألوان، فإنّها تربّي وتحضن.
وجميع الطير المعقّف المخالب تطرد فراخها من أعشاشها عند قوّتها على الطّيران. وكذلك سائر الأصناف من الطير، فإنّها تطرد الفراخ ثمّ لا تعرفها، ما عدا الغداف، فإنها لا تزال لولدها قابلة، ولحاله متفقّدة.
وقال قوم: إن العقبان والبزاة التّامّة، والجهاررانك، والسّمنان. والزّمامج والزّرارقة إنها كلّها عقبان. وأمّا الشّواهين والصّقورة واليوايئ، فإنها أجناس أخر.
قال: وقالوا: فراخ البزاة سمينة طيّبة جدّا. وأما الإوزة فإنها التي تحضن دون الذكر، وأمّا الغربان فعلى الإناث الحضن، والذكورة تأتي الإناث بالطّعمة.
وأمّا الحجل فإنّ الزّوج منها يهيّئان للبيض عشّين وثيقين مقسومين عليهما، فيحضن أحدهما الذّكر، والآخر الأنثى، وكذلك هما في التّربية. وكلّ واحد منهما يعيش خمسا وعشرين سنة، ولا تلقح الأنثى بالبيض ولا يلقح الذكر إلّا بعد ثلاث سنين.
قال: وأمّا الطّاوس فأوّل ما تبيض ثماني بيضات. وتبيض أيضا بيض الريح.
والطاوس يلقي ريشه في زمن الخريف إذا بدا أوّل ورق الشّجر يسقط. وإذا بدأ الشّجر يكتسي ورقا. بدأ الطاوس فاكتسى ريشا.
قال: وما كان من الطّير الثّقيل الجثّة فليس يهيئ لبيضه عشّا؛ من أجل أنّه لا
يجيد الطّيران، ويثقل عليه النهوض ولا يتحلّق، مثل الدّرّاج والقبج، وإنما يبيض على التّراب. وفراخ هذه الأجناس كفراريج الدّجاج، وكذلك فراريج البطّ الصّيني، فإنّ هذه كلّها تخرج من البيض كاسية كاسبة تلقط من ساعتها، وتكفي نفسها.
قال: وإذا دنا الصّيّاد من عشّ القبجة ولها فراخ، مرّت بين يديه مرّا غير مفيت، وأطمعته في نفسها ليتبعها، فتمرّ الفراخ في رجوعها إلى موضع عشّها. والفراخ ليس معها من الهداية ما مع أمّها. وعلى أنّ القبجة سيّئة الدّلالة والهداية، وكذلك كلّ طائر يعجّل له الكيس والكسوة، ويعجّل له الكسب في صغره.
وهذا إنّما اعتراها لقرابة ما بينها وبين الدّيك.
قال: فإذا أمعن الصّائد خلفها وقد خرجت الفراخ من موضعها، طارت وقد نحّته إلى حيث لا يهتدي الرّجوع منه إلى موضع عشّها، فإذا سقطت قريبا دعتها بأصوات لها، حتّى يجتمعن إليها.
قال: وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة إلى ستّ عشرة بيضة. قال: والقبج طير منكر وهي تفرّ ببيضها من الذّكر؛ لأنّ الأنثى تشتغل بالحضن عن طاعة الذّكر في طلب السّفاد. والقبج الذّكر يوصف بالقوّة على السّفاد، كما يوصف الدّيك والحجل والعصفور.
قال: فإذا شغلت عنه بالحضن، ظلب مواضع بيضها حتى يفسده فلذلك ترتاد الأنثى عشّها في مخابئ إذا أحسّت بوقت البيض.
وإذا قاتل بعض ذكورة القبج بعضا فالمغلوب منها مسفود والغالب سافد. وهذا العرض يعرض للدّيكة ولذكور الدّراريج، فإذا دخل بين الدّيكة ديك غريب، فما أكثر ما تجتمع عليه حتّى تسفده!.
وسفاد ذكورة هذه الأجناس إنما يعرض لها لهذه الأسباب، فأمّا ذكورة الحمير والخنازير والحمام، فإنّ ذكورها تثب على بعض من جهة الشّهوة.
وكان عند يعقوب بن صباح الأشعثيّ، هرّان ضخمان، أحدهما يكوم الآخر متى أراده، من غير إكراه، ومن غير أن يكون المسفود يريد من السّافد مثل ما يريد
منه السّافد. وهذا الباب شائع في كثير من الأجناس، إلّا أنّه في هذه الأجناس أوجد.
ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر الحمام، من غير أن يشاب بذكر غيره.
زعم صاحب المنطق أنّ البزاة عشرة أجناس، فمنها ما يضرب الحمامة والحمامة جاثمة، ومنها ما لا يضرب الحمام إلّا وهو يطير، ومنها ما لا يضرب الحمام في حال طيرانه ولا في حال جثومه، ولا يعرض له إلّا أن يجده في بعض الأغصان، أو على بعض الأنشاز والأشجار. فعدّد أجناس صيدها، ثمّ ذكر أنّ الحمام لا يخفى عليه في أوّل ما يرى البازي في الهواء أيّ البزاة هو، وأيّ نوع صيده، فيخالف ذلك. ولمعرفة الحمام بذلك من البازي أشكال: أوّل ذلك أنّ الحمام في أوّل نهوضه يفصل بين النّسر والعقاب، وبين الرّخمة والبازي، وبين الغراب والصّقر؛ فهو يرى الكركيّ والطّبرزين ولا يستوحش منهما! ويرى الزّرّق فيتضاءل. فإن رأى الشّاهين فقد رأى السّمّ الذعاف الناقع.
والنّعجة ترى الفيل والزّندبيل والجاموس والبعير، فلا يهزّها ذلك، وترى السّبع وهي لم تره قبل ذلك، وعضو من أعضاء تلك البهائم أعظم وهي أهول في العين وأشنع، ثمّ ترى الأسد فتخافه. وكذلك الببر والنمر. فإن رأت الذئب وحده اعتراها منه وحده مثل ما اعتراها من تلك الأجناس لو كانت مجموعة في مكان واحد. وليس ذلك عن تجربة، ولا لأنّ منظره أشنع وأعظم، وليس في ذلك علّة إلّا ما طبعت عليه من تمييز الحيوان عندها. فليس بمستنكر أن تفصل الحمامة بين البازي والبازي، كما فصلت بين البازي والكركيّ.
فإن زعمت أنّها تعرف بالمخالب فمنقار الكركيّ أشنع وأعظم وأفظع، وأطول وأعرض. فأمّا طرف منقار الأبغث فما كان كلّ سنان وإن كان مذرّبا ليبلغه.
قال صاحب الدّيك: وكيف يكون للحمام من المعرفة والفطنة ما تذكرون، وقد جاء في الأثر: «كونوا بلها كالحمام» ! وقال صاحب الدّيك: تقول العرب: «أخرق من حمامة»، وممّا يدل على ذلك قول عبيد بن الأبرص:
عيّوا بأمرهم كماعيّت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين مننشم وآخر من ثمامه
فإن كان عبيد إنما عنى حمامة من حمامكم هذا الذي أنتم به تفخرون، فقد أكثرتم في ذكر تدبيرها لمواضع بيضها، وإحكامها لصنعة عشاشها وأفاحيصها.
وإن قلتم: إنّه إنما عنى بعض أجناس الحمام الوحشي والبرّيّ، فقد أخرجتم بعض الحمام من حسن التّدبير. وعبيد لم يخصّ حماما دون حمام.
وحدّث أسامة بن زيد قال: سمعت بعض أشياخنا منذ زمان، يحدّث أنّ عثمان ابن عفّان- رضي الله تعالى عنه- أراد أن يذبح الحمام ثمّ قال: «لولا أنّها أمّة من الأمم لأمرت بذبحهن، ولكن قصّوهنّ». فدلّ بقوله: قصّوهنّ على أنّها إنما تذبح لرغبة من يتّخذهنّ، ويلعب بهنّ من الفتيان والأحداث والشّطّار، وأصحاب المراهنة والقمار، والذين يتشرّفون على حرم الناس والجيران، ويختدعون بفراخ الحمام أولاد النّاس، ويرمون بالجلاهق وما أكثر من قد فقأ عينا وهشم أنفا، وهتم فما، وهو لا يدري ما يصنع، ولا يقف على مقدار ما ركب به القوم. ثم تذهب جنايته هدرا؛ ويعود ذلك الدّم مطلولا بلا عقل ولا قود ولا قصاص ولا أرش؛ إذ كان صاحبه مجهولا.
وعلى شبيه بذلك كان عمر- ﵁ أمر بذبح الدّيكة وأمر النبيّ ﷺ بقتل الكلاب.
قالوا: ففيما ذكرنا دليل على أنّ أكل لحوم الكلاب لم يكن من دينهم ولا أخلاقهم، ولا من دواعي شهواتهم. ولولا ذلك لما جاء الأثر عن النبيّ- ﷺ وعمر وعثمان- رضي الله تعالى عنهما بذبح الدّيكة والحمام، وقتل الكلاب. ولولا أنّ الأمر على ما قلنا، لقالوا: اقتلوا الدّيوك والحمام كما قال: اقتلوا الكلاب. وفي تفريقهم بينها دليل على افتراق الحالات عندهم.
قال: حدّثني أسامة بن زيد، وإبراهيم بن أبي يحيى، أنّ عثمان شكوا إليه الحمام، وأنّه قال: «من أخذ منهنّ شيئا فهو له». وقد علمنا أنّ اللفظ وإن كان قد وقع على شكاية الحمام، فإن المعنى إنّما هو على شكاية أصحاب الحمام؛ لأنّه ليس في الحمام معنى يدعو إلى شكاية.
قال: وحدّثنا عثمان قال: سئل الحسن عن الحمام الذي يصطاده النّاس، قال:
لا تأكله، فإنّه من أموال الناس! فجعله مالا، ونهى عن أكله بغير إذن أهله. وكلّ ما كان مالا فيبيعه حسن وابتياعه حسن. فكيف يجوز لشيء هذه صفته أن يذبح، إلّا أن يكون ذلك على طريق العقاب والزّجر لمن اتّخذه لما لا يحلّ!!.
قال: ورووا عن الزّهري عن سعيد بن المسيّب قال: نهى عثمان عن اللعب بالحمام، وعن رمي الجلاهق. فهذا يدلّ على ما قلنا.
والناس يقولون: «آمن من حمام مكّة، ومن غزلان مكة». وهذا شائع على جميع الألسنة، لا يردّ أحد ممن يعرف الأمثال والشّواهد. قال عقيبة الأسديّ لابن الزّبير:
مازلت مذ حجج بمكة محرمافي حيث يأمن طائر وحمام
فلتنهضنّ العيس تنفخ في البرايجتبن عرض مخارم الأعلام
أبنو المغيرة مثل آل خويلد؟!يا للرّجال لخفّة الأحلام!
وقال النابغة في الغزلان وأمنها، كقول جميع الشّعراء في الحمام:
والمؤمن العائذات الطير تمسحهاركبان مكّة بين الغيل والسّعد
ولو أنّ الظّباء ابتليت ممّن يتّخذها بمثل الذي ابتليت به الحمام ثمّ ركبوا المسلمين في الغزلان بمثل ما ركبوهم به في الحمام، لساروا في ذبح الغزلان كسيرتهم في ذبح الحمام.
وقالوا: إنّه ليبلغ من تعظيم الحمام لحرمة البيت الحرام، أنّ أهل مكة يشهدون عن آخرهم أنّهم لم يروا حماما قطّ سقط على ظهر الكعبة، إلّا من علة عرضت له. فإن كانت هذه المعرفة اكتسابا من الحمام فالحمام فوق جميع الطير وكلّ ذي أربع. وإن كان هذا إنّما كان من طريق الإلهام، فليس ما يلهم كما لا يلهم.
وقال الشّاعر في أمن الحمام:
لقد علم القبائل أنّ بيتيتفرّع في الذّوائب والسّنام
وأنّا نحن أول من تبنّىبمكّتها البيوت مع الحمام
وقال كثيّر- أو غيره من بني سهم - في أمن الحمام:
لعن الله من يسبّ عليّاوحسينا من سوقة وإمام
أيسبّ المطيّبون جدوداوالكرام الأخوال والأعمام
يأمن الظبي والحمام ولا يأمن آل الرّسول عند المقام!!
رحمة الله والسّلام عليهمكلما قام قائم بسلام
وذكر شأن ابن الزبير وشأن ابن الحنفيّة، فقال:
ومن ير هذا الشّيخ بالخيف من منىمن النّاس يعلم أنّه غير ظالم
سميّ النبيّ المصطفى وابن عمّهوفكّاك أغلال ونفّاع غارم
أبى فهو لا يشري هدى بضلالةولا يتّقي في الله لومة لائم
ونحن بحمد الله نتلو كتابهحلولا بهذا الخيف خيف المحارم
بحيث الحمام آمنات سواكنوتلقى العدوّ كالوليّ المسالم
قال صاحب الحمام: أمّا العرب والأعراب والشّعراء، فقد أطبقوا على أنّ الحمامة هي التي كانت دليل نوح ورائده، وهي التي استجعلت عليه الطّوق الذي في عنقها، وعند ذلك أعطاها الله تعالى تلك الحلية؛ ومنحها تلك الزّينة، بدعاء نوح ﵇، حين رجعت إليه ومعها من الكرم ما معها، وفي رجليها من الطّين والحمأة ما برجليها، فعوّضت من ذلك الطّين خضاب الرّجلين، ومن حسن الدّلالة والطّاعة طوق العنق.
وفي طوقها يقول الفرزدق:
فمن يك خائفا لأذاة شعريفقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافواقلائد مثل أطواق الحمام
وقال في ذلك بكر بن النّطّاح:
إذا شئت غنّتني ببغداد قينةوإن شئت غنّاني الحمام المطوّق
لباسي الحسام أو إزار معصفرودرع حديد أو قميص مخلّق
فذكر الطّوق، ووصفها بالغناء والإطراب. وكذلك قال حميد بن ثور:
رقود الضّحى لا تعرف الجيرة القصاولا الجيرة الأدنين إلّا تجشّما
وليست من اللائي يكون حديثهاأمام بيوت الحيّ إنّ وإنّما
ثمّ قال:
وما هاج هذا الشّوق إلّا حمامةدعت ساق حرّ ترحة وترنّما
مطوّقة خطباء تصدح كلمادنا الصّيف وانجاب الربيع فأنجما
ثمّ قال بعد ذكر الطوق:
إذا شئت غنّتني بأجزاع بيشةأو النّخل من تثليث أو بيلملما
عجبت لها، أنّى يكون غناؤهافصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
ولم أر محزونا له مثل صوتهاولا عربيّا شاقه صوت أعجما
وقال في ذكر الطّوق- وأنّ الحمامة نوّاحة- عبد الله بن أبي بكر وهو شهيد يوم الطائف، وهو صاحب ابن صاحب:
فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلهاولا مثلها في غير جرم تطلّق
أعاتك لا أنساك ما هبّت الصّباوما ناح قمريّ الحمام المطوّق
وقال جهم بن خلف، وذكرها بالنّوح، والغناء، والطّوق، ودعوة نوح؛ وهو قوله:
وقد شاقني نوح قمريةطروب العشيّ هتوف الضّحى
من الورق نوّاحة باكرتعسيب أشاء بذات الغضا
تغنّت عليه بلحن لهايهيّج للصّبّ ما قد مضى
مطوّقة كسبت زينةبدعوة نوح لها إذ دعا
فلم أر باكية مثلهاتبكّي ودمعتها لا ترى
أضلّت فريخا فطافت لهوقد علقته حبال الرّدى
فلما بدا اليأس منه بكتعليه، وماذا يردّ البكا
وقد صاده ضرم ملحمخفوق الجناح حثيث النّجا
حديد المخالب عاري الوظيف ضار من الورق فيه قنا
ترى الطّير والوحش من خوفهجوامز منه إذا ما اغتدى
قال صاحب الديك: وأمّا قوله:
مطوّقة كساها الله طوقاولم يخصص به طيرا سواها
كيف لم يخصص بالأطواق غير الحمام، والتّدارج أحقّ بالأطواق وأحسن أطواقا منها، وهي في ذكورتها أعمّ؟! وعلى أنّه لم يصف بالطّوق الحمامة التي فاخرتم بها الدّيك؛ لأنّ الحمامة ليست بمطوّقة، وإنما الأطواق لذكورة الوارشين وأشباه الوارشين، من نوائح الطّير وهواتفها ومغنّياتها. ولذلك قال شاعركم، حيث يقول:
أعاتك لا أنساك ما هبّت الصّباوما ناح قمريّ الحمام المطوّق
وقال الآخر:
وقد شاقني نوح قمريةطروب العشيّ هتوف الضّحى
ووصفها فقال:
مطوّقة كسيت زينةبدعوة نوح لها إذ دعا
فإن زعمتم أنّ الحمام والقمريّ واليمام والفواخت والدّباسيّ والشّفانين
والوارشين حمام كلّه، قلنا: إنّا نزعم أنّ ذكورة التّدارج وذكورة القبج، وذكورة الحجل ديوك كلها. فإن كان ذلك كذلك، فالفخر بالطّوق نحن أولى به.
قال صاحب الحمام: العرب تسمّي هذه الأجناس كلها حماما، فجمعوها بالاسم العامّ، وفرّقوها بالاسم الخاص، ورأينا صورها متشابهة، وإن كان في الأجسام بعض الاختلاف، وفي الجثث بعض الائتلاف وكذلك المناقير. ووجدناها تتشابه من طريق الزّواج، ومن طريق الدّعاء والغناء والنّوح، وكذلك هي في القدود وصور الأعناق، وقصب الريش، وصيغة الرّؤوس والأرجل والسّوق والبراثن.
والأجناس التي عددتم ليس يجمعها اسم ولا بلدة، ولا صورة ولا زواج. وليس بين الدّيكة وبين تلك الذّكورة نسب إلّا أنّها من الطّير الموصوفة بكثرة السّفاد، وأنّ فراخها وفراريجها تخرج من بيضها كاسية كاسبه. والبطّ طائر مثقل، وقد ينبغي أن تجعلوا فرخ البطّة فرّوجا، والأنثى دجاجة والذّكر ديكا، ونحن نجد الحمام، ونجد الوراشين، تتسافد وتتلاقح، ويجيء منها الراعبيّ والوردانيّ؛ ونجد الفواخت والقماريّ تتسافد وتتلاقح، مع ما ذكرنا من التشابه في تلك الوجوه. وهذا كلّه يدلّ على أنّ بعضها مع بعض كالبخت والعراب ونتائج ما بينهما، وكالبراذين والعتاق، وكلها خيل، وتلك كلها إبل. وليس بين التّدارج والقبج والحجل والدّجاج هذه الأمور التي ذكرنا.
وعلى أنّا قد وجدنا الأطواق عامّة في ذوات الأوضاح من الحمام، لأنّ فيها من الألوان، ولها من الشّيات وأشكال وألوان الريش ما ليس لغيرها من الطّير. ولو احتججنا بالتّسافد دون التّلاقح، لكان لقائل مقال، ولكنّا وجدناها تجمع الخصلتين، لأنّا قد نجد سفهاء النّاس، ومن لا يتقّذر من الناس والأحداث ومن تشتدّ غلمته عند احتلامه، ويقلّ طروقه، وتطول عزبته؛ كالمعزب من الرّعاء فإنّ هذه الطّبقة من النّاس، لم يدعوا ناقة، ولا بقرة، ولا شاة، ولا أتانا، ولا رمكة، ولا حجرا، ولا كلبة، إلّا وقد وقعوا عليها.
ولولا أنّ في نفوس النّاس وشهواتهم ما يدعو إلى هذه القاذورة، لما وجدت هذا العمل شائعا في أهل هذه الصفة، ولو جمعتهم لجمعت أكثر من أهل بغداد والبصرة. ثم لم يلقح واحد منهم شيئا من هذه الأجناس على أنّ بعض هذه الأجناس يتلقى ذلك بالشّهوة المفرطة.
ولقد خبّرني من إخواني من لا أتّهم خبره أنّ مملوكا كان لبعض أهل القطيعة- أعني قطيعة الربيع- وكان ذلك المملوك يكوم بغلة وأنّها كانت تودق وتتلمّظ وأنّها في بعض تلك الوقعات تأخّرت وهو موعب فيها ذكره تطلب الزيادة، فلم يزل المملوك يتأخّر وتتأخّر البغلة حتّى أسندته إلى زاوية من زوايا الإصطبل، فاضّغطته حتّى برد، فدخل بعض من دخل فرآه على تلك الحال فصاح بها فتنحّت وخرّ الغلام ميّتا.
وأخبرني صديق لي قال: بلغني عن برذون لزرقان المتكلّم، أنّه كان يدربخ للبغال والحمير والبراذين حتى تكومه، قال: فأقبلت يوما في ذلك الإصطبل، فتناولت المجرفة، فوضعت رأس عود المجرفة على مراثه وإنّه لأكثر من ذراع ونصف، وإنه لخشن غليظ غير محكوك الرأس ولا مملّسه، فدفعته حتى بلغ أقصى العود، وامتنع من الدّخول ببدن المجرفة. فحلف أنّه ما رآه تأطّر ولا انثنى.
قال صاحب الحمام: فهذا فرق ما بيننا وبينكم.
ونذكر ما وصف به الحمام من الإسعاد، ومن حسن الغناء والإطراب والنّوح والشّجا. قال الحسن بن هانئ:
إذا ثنته الغصون جلّلنيفينان ما في أديمه جوب
تبيت في مأتم حمائمهكما ترنّ الفواقد السّلب
يهبّ شوقي وشوقهنّ معاكأنّما يستخفّنا طرب
وقال آخر:
لقد هتفت في جنح ليل حمامةعلى فنن وهنا وإنّي لنائم
فقلت اعتذارا عند ذاك وإنّنيلنفسي مما قد سمعت للائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقالما سبقتني بالبكاء الحمائم
وقال نصيب:
ولو قبل مبكاها بكيت صبابةبسعدي شفيت النّفس قبل التندّم
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكابكاها فقلت الفضل للمتقدّم
وقال أعرابي:
عليك سلام الله قاطعة القوىعلى أنّ قلبي للفراق كليم
قريح بتغريد الحمام إذا بكتوإن هبّ يوما للجنوب نسيم
وقال المجنون، أو غيره:
ولو لم يهجني الرائحون لها جنيحمائم ورق في الدّيار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوىنوائح لا تجري لهنّ دموع
وقال الآخر:
ألا يا سيالات الدّحائل باللّوىعليكنّ من بين السّيال سلام
أرى الوحش آجالا إليكنّ بالضحىلهنّ إلى أفيائكنّ بغام
وإنّي لمجلوب لي الشّوق كلماترنّم في أفنانكنّ حمام
وقال عمرو بن الوليد:
حال من دون أن أحلّ به النّأي وصرف النّوى وحرب عقام
فتبدّلت من مساكن قوميوالقصور التي بها الآطام
كلّ قصر مشيّد ذي أواستتغنّى على ذراه الحمام
وقال آخر:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجدفقد هاج لي مسراك وجدا على وجد
أأن هتفت ورقاء في رونق الضّحىعلى غصن غضّ النّبات من الرّند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكنجليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنايملّ، وأنّ النّأي يشفي من الوجد
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بناعلى أنّ قرب الدّار خير من البعد
وقال صاحب الحمام: للحمام مجاهيل، ومعروفات، وخارجيّات، ومنسوبات.
والذي يشتمل عليه دواوين أصحب الحمام أكثر من كتب النّسب التي تضاف إلى ابن الكلبيّ، والشّرقيّ بن القطاميّ، وأبي اليقظان، وأبي عبيدة النحويّ، بل إلى دغفل ابن حنظلة، وابن لسان الحمّرة، بل إلى صحار العبديّ. وإلى أبي السّطّاح اللّخميّ، بل إلى النّخّار العذريّ، وصبح الطائيّ، بل إلى مثجور بن غيلان الضّبيّ، وإلى سطيح الذئبيّ، بل ابن شريّة الجرهميّ، وإلى زيد بن الكيّس النّمريّ؛ وإلى كلّ نسّابة راوية، وكلّ متفنن علّامة.
ووصف الهذيل المازنيّ، مثنّى بن زهير وحفظه لأنساب الحمام. فقال: والله لهو أنسب من سعيد بن المسيّب، وقتادة بن دعامة للنّاس، بل هو أنسب من أبي بكر الصّدّيق ﵁! لقد دخلت على رجل أعرف بالأمّهات المنجبات من سحيم ابن حفص، وأعرف بما دخلها من الهجنة والإقراف، من يونس بن حبيب.
قال: وممّا أشبه فيه الحمام النّاس في الصّور والشّمائل ورقّة الطباع، وسرعة القبول والانقلاب، أنّك إذا كنت صاحب فراسة، فمرّ بك رجال بعضهم كوفيّ، وبعضهم بصريّ، وبعضهم شاميّ وبعضهم يمانيّ، لم يخف عليك أمورهم في الصّور والشمائل والقدود والنّغم أيّهم بصريّ، وأيّهم كوفيّ، وأيّهم يمانيّ، وأيهم مدنيّ وكذلك الحمام؛ لا ترى صاحب حمام تخفى عليه نسب الحمام وجنسها وبلادها إذا رآها.
وللحمام من الفضيلة والفخر، أن الحمام الواحد يباع بخسمائة دينار، ولا يبلغ ذلك باز ولا شاهين، ولا صقر ولا عقاب، ولا طاوس، ولا تدرج ولا ديك، ولا بعير ولا حمار، ولا بغل. ولو أردنا أن نحقّق الخبر بأنّ برذونا أو فرسا بيع بخمسمائة دينار، لما قدرنا عليه إلّا في حديث السّمر.
وأنت إذا أردت أن تتعرّف مبلغ ثمن الحمام الذي جاء من الغاية، ثمّ دخلت بغداد والبصرة وجدت ذلك بلا معاناة. وفيه أنّ الحمام إذا جاء من الغاية بيع الفرخ الذّكر من فراخ بعشرين دينارا أو أكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير أو أكثر، وبيعت البيضة بخمسة دنانير، فيقوم الزّوج منها في الغلّة مقام ضيعة، وحتى ينهض بمؤنة العيال، ويقضي الدّين، وتبنى من غلّاته وأثمان رقابه الدّور الجياد، وتبتاع الحوانيت المغلّة. هذا؛ وهي في ذلك الوقت ملهى عجيب، ومنظر أنيق، ومعتبر لمن فكّر، ودليل لمن نظر.
ومن دخل الحجر ورأى قصورها المبنيّة لها بالشّامات وكيف اختزان تلك الغلّات، وحفظ تلك المؤونات؛ ومن شهد أرباب الحمام. وأصحاب الهدّى وما يحتملون فيها من الكلف الغلاظ أيّام الزّجل، في حملانها على ظهور الرّجال، وقبل ذلك في بطون السفن، وكيف تفرد في البيوت، وتجمع إذا كان الجمع أمثل، وتفرّق إذا كانت التّفرقة أمثل وكيف تنقل الإناث عن ذكورتها، وكيف تنقل الذّكورة عن إناثها إلى غيرها، وكيف يخاف عليها الضّوى إذا تقاربت أنسابها، وكيف يخاف على أعراقها من دخول الخارجيّات فيها، وكيف يحتاط في صحّة طرقها ونجلها؛ لأنّه لا يؤمن أن يقمط الأنثى ذكر من عرض الحمام، فيضرب في النّجل بنصيب، فتعتريه الهجنة- والبيضة عند ذلك تنسب إلى طرقها. وهم لا يحوطون أرحام نسائهم كما يحوطون أرحام المنجبات من إناث الحمام. ومن شهد أصحاب الحمام عند زجلها من الغاية، والذين يعلّمون الحمام كيف يختارون لصاحب العلامات، وكيف يتخيّرون الثّقة وموضع الصّدق والأمانة، والبعد من الكذب والرّشوة، وكيف يتوخّون
ذا التّجربة والمعرفة اللّطيفة، وكيف تسخو أنفسهم بالجعالة الرّفيعة، وكيف يختارون لحملها من رجال الأمانة والجلد والشّفقة والبصر وحسن المعرفة- لعلم عند ذلك صاحب الدّيك والكلب أنّهما لا يجريان في هذه الحلبة، ولا يتعاطيان هذه الفضيلة.
قال: وللحمام من حسن الاهتداء، وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ والذّكر، وقوّة النّزاع إلى أربابه، والإلف لوطنه، ما ليس لشيء. وكفاك اهتداء ونزاعا أن يكون طائر من بهائم الطير، يجيء من برغمة، لا بل من العليق، أو من خرشنة أو من الصفصاف، لا بل من البغراس، ومن لؤلؤة.
ثمّ الدّليل على أنّه يستدلّ بالعقل والمعرفة، والفكرة والعناية أنّه إنما يجيء من الغاية على تدريج وتدريب وتنزيل. والدليل على علم أربابه بأنّ تلك المقدّمات قد نجعن فيه، وعملن في طباعه، أنّه إذا بلغ الرّقّة غمّروا به بكرّة إلى الدّرب وما فوق الدّرب من بلاد الرّوم، بل لا يجعلون ذلك تغميرا؛ لمكان المقدمات والترتيبات التي قد عملت فيه وحذّقته ومرّنته.
ولو كان الحمام ممّا يرسل باللّيل، لكان ممّا يستدلّ بالنّجوم؛ لأنّا رأيناه يلزم بطن الفرات، أو بطن دجلة، أو بطون الأودية التي قد مرّ بها، وهو يرى ويبصر ويفهم انحدار الماء. ويعلم بعد طول الجولان وبعد الزّجال، إذا هو أشرف على الفرات أو دجلة، أنّ طريقه وطريق الماء واحد، وأنه ينبغي أن ينحدر معه.
وما أكثر ما يستدلّ بالجوادّ من الطّرق إذا أعيته بطون الأودية. فإذا لم يدر أمصعد أم منحدر، تعرّف ذلك بالرّيح، ومواضع قرص الشمس في السماء. وإنّما يحتاج إلى ذلك كلّه إذا لم يكن وقع بعد على رسم يعمل عليه فربّما كرّ حين يزجل به يمينا وشمالا، وجنوبا وشمالا، وصبا ودبورا- الفراسخ الكثيرة وفوق الكثيرة.
وفي الحمام الغمر والمجرّب، وهم لا يخاطرون بالأغمار لوجهين: أحدهما أن يكون الغمر عريفا فصاحبه يضنّ به، فهو يريد أن يدرّبه ويمرّنه ثمّ يكلفه بعد الشيء الذي اتّخذه له، وبسببه اصطنعه واتخذه. وإمّا أن يكون الغمر مجهولا، فهو لا يتعنّى ويشقي نفسه، ويتوقّع الهداية من الأغمار المجاهيل.
وخصلة أخرى: أنّ المجهول إذا رجع مع الهدّى المعروفات، فحمله معها إلى الغاية فجاء سابقا، لم يكن له كبير ثمن حتّى تتلاحق به الأولاد. فإن أنجب فيهنّ صار أبا مذكورا وصار نسبا يرجع إليه، وزاد ذلك في ثمنه.
فأمّا المجرّب غير الغمر، فهو الذي قد عرّفوه الورود والتحصّب؛ لأنّه متى لم يقدر على أن ينقضّ حتّى يشرب الماء من بطون الأودية والأنهار والغدران، ومناقع المياه، ولم يتحصّب بطلب بزور البراريّ، وجاع وعطش- التمس مواضع الناس. وإذا مرّ بالقرى والعمران سقط، وإذا سقط أخذ بالبايكير وبالقفّاعة، وبالملقف وبالتّدبيق وبالدّشاخ؛ ورمى أيضا بالجلاهق وبغير ذلك من أسباب الصّيد.
والحمام طائر ملقّى غير موقّى، وأعداؤه كثير، وسباع الطّير تطلبه أشدّ الطلب. وقد يترفّع مع الشّاهين، وهو للشاهين أخوف. فالحمام أطير منه ومن جميع سباع الطير، ولكنّه يذعر فيجهل باب المخلص ويعتريه ما يعتري الحمار من الأسد إذا رآه، والشاة إذا رأت الذّئب والفارة إذا رأت السّنّور.
والحمام أشدّ طيرانا من جميع سباع الطير، إلّا في انقضاض وانحدار؛ فإنّ تلك
تنحطّ انحطاط الصخور ومتى التقت أمّة من سباع الطّير أو جفالة من بهائم الطير، أو طرن على عرقة وخيط ممدود، فكلّها يعتريها عند ذلك التّقصير عما ما كانت عليه، إذا طارت في غير جماعة.
ولن ترى جماعة طير أكثر طيرانا إذا كثرن من الحمام؛ فإنّهنّ كلما التففن وضاق موضعهنّ كان أشدّ لطيرانهنّ، وقد ذكر ذلك النّابغة الذّبيانيّ في قوله:
واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرتإلى حمام شراع وارد الثّمد
يحفّه جانبا نيق ويتبعهمثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد
قال: ألا ليتما هذا الحمام لناإلى حمامتا ونصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما حسبتتسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكمّلت مائة فيها حمامتهاوأسرعت حسبة في ذلك العدد
قال الأصمعيّ: لما أراد مديح الحاسب وسرعة إصابته، شدّد الأمر وضيّقه عليه؛ ليكون أحمد له إذا أصاب؛ فجعله حزر طيرا، والطّير أخفّ من غيره، ثمّ جعله حماما والحمام أسرع الطّير، وأكثرها اجتهادا في السرعة إذا كثر عددهنّ؛ وذلك أنّه يشتدّ طيرانه عند المسابقة والمنافسة. وقال: يحفّه جانبا نيق ويتبعه، فأراد أنّ الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع منه إذا اتّسع عليه الفضاء.
وصاحب الحمام قد كان يدرّب ويمرّن وينزل في الزّجال، والغاية يومئذ واسط.
فكيف يصنع اليوم بتعريفه الطّريق وتعريفه الورود والتحصّب، مع بعد الغاية؟!
والبغداديون يختارون للزّجال من الغاية الإناث، والبصريّون يختارون الذّكور فحجّة البغداديّين أن الذّكر إذا سافر وبعد عهده بقمط الإناث، وتاقت نفسه إلى السّفاد، ورأى أنثاه في طريقه، ترك الطّلب إن كان بعد في الجولان؛ أو ترك السّير إن كان وقع على القصد، ومال إلى الأنثى وفي ذلك الفساد كلّه.
وقال البصريّ: الذّكر أحنّ إلى بيته لمكان أنثاه، وهو أشدّ متنا وأقوى بدنا، وهو أحسن اهتداء. فنحن لا ندع تقديم الشيء القائم إلى معنى قد يعرض وقد لا يعرض.
وسمعت شدفويه السلائحي من نحو خمسين سنة، وهو يقول لعبد السلام بن أبي عمار: اجعل كعبة حمامك في صحن دارك، فإنّ الحمام إذا كان متى خرج من بيته إلى المعلاة لم يصل إلى معلاته إلّا بجمع النّفس والجناحين، وبالنهوض ومكابدة الصعود- اشتدّ متنه، وقوي جناحه ولحمه. ومتى أراد بيته فاحتاج إلى أن ينتكس ويجيء منقضّا كان أقوى على الارتفاع في الهواء بعد أن يروى. وقد تعلمون أنّ الباطنيّين أشدّ متنا من الظاهريّين، وأنّ النّقرس لا يصيب الباطنيّ في رجله ليس ذلك إلّا لأنّه يصعد إلى العلالي فوق الكناديج درجة بعد درجة، وكذلك نزوله، فلو درّبتم الحمام على هذا التّرتيب كان أصوب. ولا يعجبني تدريب العاتق وما فوق العاتق إلّا من الأماكن القريبة؛ لأن العاتق كالفتاة العاتق، وكالصبّي الغرير، فهو لا يعدمه ضعف البدن، وقلّة المعرفة، وسوء الإلف. ولا يعجبني أن تتركوا الحمام حتّى إذا صار في عدد المسانّ واكتهل، وولد البطون بعد البطون، وأخذ ذلك من قوّة شبابه، حملتموه على الزّجل، وعلى التّمرين، ثمّ رميتم به أقصى غاية لا، ولكنّ التّدريب مع الشباب، وانتهاء الحدّة، وكمال القوّة، من قبل أن تأخذ القوّة في النّقصان. فهو يلقّن بقربه من الحداثة، ويعرّف بخروجه من حدّ الحداثة. فابتدئوا به التّعليم والتمرين في هذه المنزلة الوسطى.
وهم إذا أرادوا أن يمرّنوا الفراخ أخرجوها وهي جائعة، حتى إذا ألقوا إليها الحبّ أسرعت النزول. ولا تخرج والرّيح عاصف، فتخرج قبل المغرب وانتصاف النهار، وحذّاقهم لا يخرجونها مع ذكورة الحمام؛ فإنّ الذّكورة يعتريها النّشاط والطّيران والتّباعد ومجاوزة القبيلة. فإن طارت الفراخ معها سقطت على دور الناس. فرياضتها شديدة، وتحتاج إلى معرفة وعناية، وإلى صبر ومطاولة؛ لأنّ الذي يراد منها إذا احتيج إليه بعد هذه المقدّمات كان أيضا من العجب العجيب.
وحدّثني بعض من أثق به أنّ يعقوب بن داود، قال لبعض من دخل عليه- وقد ذهب عنّي اسمه ونسيته، بعد أن كنت عرفته-: أما ترى كي أخلف ظنّنا وأخطأ رأينا، حتّى عمّ ذلك ولم يخصّ؟! أما كان في جميع من اصطنعناه واخترناه، وتفرّسنا فيه الخير وأردناه به- واحد تكفينا معرفته مؤنة الاحتجاج عنه، حتّى صرت لا أقرّع إلّا بهم، ولا أعاب إلّا باختيارهم!! قال: فقال له رجل إنّ الحمام يختار من جهة النّسب، ومن جهة الخلقة. ثم لا يرضى له أربابه بذلك حتى ترتّبه وتنزّله وتدرّجه، ثم تحمل الجماعة منه بعد ذلك التّرتيب والتّدريب إلى الغاية، فيذهب الشّطر ويرجع الشطر، أو شبيه بذلك أو قريب من ذلك. وأنت عمدت إلى حمام لم تنظر في أنسابها ولم تتأمّل مخيلة الخير في خلقها ثمّ لم ترض حتى ضربت بها بكرّة واحدة إلى الغاية، فليس بعجب ولا منكر ألّا يرجع إليك واحد منها، وإنما كان العجب في الرّجوع. فأمّا في الضّلال فليس في ذلك عجب. وعلى أنّه لو رجع منها واحد أو أكثر من الواحد لكان خطؤك موفّرا عليك، ولم ينتقصه خطأ من أخطأ؛ لأنّه ليس من الصواب أن يجيء طائرا من الغاية على غير عرق وعلى غير تدريب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع