من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في الحيات
(القول في الحيات) اللهمّ جنّبنا التكلف، وأعذنا من الخطل، واحمنا من العجب بما يكون منّا، والثّقة بما عندنا، واجعلنا من المحسنين.
حدثنا أبو جعفر المكفوف النحويّ العنبريّ، وأخوه روح الكاتب ورجال من بني العنبر، أن عندهم في رمال بلعنبر حيّة تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب صيد. زعموا أنها إذا انتصف النهار واشتدّ الحرّ في رمال بلعنبر، وامتنعت الأرض على الحافي والمنتعل، ورمض الجندب، غمست هذه الحيّة ذنبها في الرّمل، ثم انتصبت كأنها رمح مركوز، أو عود ثابت، فيجيء الطائر الصغير أو الجرادة، فإذا رأى عودا قائما وكره الوقوع على الرّمل لشدّة حرّه، وقع على رأس الحيّة، على أنّها عود.
فإذا وقع على رأسها قبضت عليه. فإن كان جرادة أو جعلا أو بعض ما لا يشبعها مثله، ابتلعته وبقيت على انتصابها. وإن كان الواقع على رأسها طائرا يشبعها مثله أكلته وانصرفت. وأنّ ذلك دأبها ما منع الرّمل جانبه في الصّيف والقيظ، في انتصاف النهار والهاجرة. وذلك أنّ الطائر لا يشكّ أنّ الحيّة عود، وأنه سيقوم له مقام الجذل للحرباء، إلى أن يسكن الحرّ ووهج الرّمل.
وفي هذا الحديث من العجب أن تكون هذه الحيّة تهتدي لمثل هذه الحيلة.
وفيه جهل الطائر بفرق ما بين الحيوان والعود. وفيه قلة اكتراث الحيّة بالرّمل الذي عاد كالجمر، وصلح أن يكون ملّة وموضعا للخبزة، ثمّ أن يشتمل ذلك الرّمل على ثلث الحيّة ساعات من النّهار، والرمل على هذه الصفة. فهذه أعجوبة من أعاجيب ما في الحيّات.
وزعم لي رجال من الصّقالبة، خصيان وفحول، أنّ الحيّة في بلادهم تأتي البقرة المحفّلة فتنطوي على فخذيها وركبتيها إلى عراقيبها، ثمّ تشخص صدرها نحو أخلاف ضرعها، حتى تلتقم الخلف؛ فلا تستطيع البقرة مع قوّتها أن تترمرم.
فلا تزال تمصّ اللبن، وكلما مصّت استرخت. فإذا كادت تتلف أرسلتها.
وزعموا أن تلك البقرة إمّا أن تموت، إمّا أن يصيبها في ضرعها فساد شديد تعسر مداواته.
والحيّة تعجب باللبن. وإذا وجدت الأفاعي الإناء غير مخمّر كرعت فيه، وربّما مجّت فيه ما صار في جوفها، فيصيب شارب ذلك اللبن أذى ومكروه كثير.
ويقال إنّ اللبن محتضر. وقد ذهب ناس إلى العمّار، على قولهم إنّ الثوب المعصفر محتضر. فظنّ كثير من العلماء أنّ المعنى في اللبن إنما رجع إلى الحيّات.
والحيّة تعجب باللّفّاح والبطّيخ، وبالحرف، والخردل المرخوف؛ وتكره ريح السذاب والشّيح، كما تكره الوزغ ريح الزّعفران.
وليس في الأرض شيء جسمه مثل جسم الحيّة، إلا والحيّة أقوى بدنا منه أضعافا. ومن قوّتها أنها إذا أدخلت رأسها في جحرها، أو في صدع إلى صدرها، لم يستطع أقوى النّاس وهو قابض على ذنبها بكلتا يديه أن يخرجها؛ لشدّة اعتمادها، وتعاون أجزائها. وليست بذات قوائم لها أظفار أو مخالب أو أظلاف، تنشبها في الأرض، وتتشبث بها، وتعتمد عليها. وربما انقطعت في يدي الجاذب لها، مع أنها لدنة ملساء علكة فيحتاج الرفيق في أمرها عند ذلك، أن يرسلها من يديه بعض الإرسال، ثمّ ينشطها كالمختطف والمختلس، وربما انقطع ذنبها في يد الجاذب لها. فأمّا أذناب الأفاعي فإنها تنبت.
ومن عجيب ما فيها من هذا الباب، أنّ نابها يقطع بالكاز، فينبت حتى يتمّ نباته في أقلّ من ثلاث ليال.
والخطّاف في هذا الباب خلاف الخنزير؛ لأنّ الخطاف إذا قلمت إحدى عينيه رجعت. وعين البرذون يركبها البياض، فيذهب في أيّام يسيرة.
وناب الأفعى يحتال له بأن يدخل في فيها حمّاض أترجّ، ويطبق لحيها الأعلى على الأسفل، فلا تقتل بعضّتها أياما صالحة.
والمغناطيس الجاذب للحديد، إذا حكّ عليه الثّوم، لم يجذب الحديد.
والأفعى لا تدور عينها في رأسها، وهي تلد وتبيض، وذلك أنها إذا طرّقت ببيضها تحطّم في جوفها، فترمي بفراخها أولادا، حتى كأنها من الحيوان الذي يلد حيوانا مثله.
وفي الأفاعي من العجب أنها تذبح حتى يفرى منها كلّ ودج، فتبقى كذلك
أيّاما لا تموت. وأمرت الحاوي فقبض على خرزة عنقها، فقلت له: اقبضها من الخرزة التي تليها قبضا رفيقا. فما فتح بينها بقدر سمّ الإبرة حتّى بردت ميّتة.
وزعم أنّه قد ذبح غيرها من الحيّات فعاشت على شبيه بذلك، ثمّ إنه فصل تلك الخرزة على مثال ما صنع بالأفعى، فماتت بأسرع من الطّرف.
وكلّ شيء ممسوح البدن، ليس بذي أيد ولا أرجل، فإنّه يكون شديد البدن، كالسّمكة والحيّة.
وزعم أحمد بن غالب قال: باعني حوّاء ثلاثين أفعى بدينارين، وأهدي إليّ خمسا اصطادها من قبالة القلب، في تلك الصحارى على شاطئ دجلة. قال: وأردتها للتّرياق. قال: فقال لي حين جاءني بها: قل لي: من يعالجها؟ قال: فقلت له: فلان الصيدلانيّ. فقال: ليس عن هذا سألتك، قل لي: من يذبحها ويسلخها؟ قال: قلت:
هذا الصيدلانيّ بعينه. قال: أخاف أن يكون مغرورا من نفسه. إنّه والله إن أخطأ موضع المفصل من قفاه، وحركته أسرع من البرق، فإن كان لا يحسن ولا يدري كيف يتغفله، فينقره نقرة، لم يفلح بعدها أبدا. ولكني سأتطوّع لك بأن أعمل ذلك بين يديه. قال: فبعثت إليه. وكان رأسه إلى الجونة، فيغفل الواحدة فيقبض على قفاها بأسرع من الطّرف، ثمّ يذبحها. فإذا ذبحها سال من أفواهها لعاب أبيض، فيقول: هذا هو السم الذي يقتل! قال: فجالت يده جولة، وقطرت من ذلك اللّعاب قطرة على طرف قميص الصيدلانيّ. قال: فتفشّى ذلك القاطر حتّى صار في قدر الدّرهم العظيم. ثم إنّ الحوّاء امتحن ذلك الموضع فتهافت في يده، وبقيت الأفاعي مذبّحة تجول في الطست ويكدم بعضها بعضا، حتى أمسينا.
قال: وبكرت على أبي رجاء إلى باب الجسر، أحدّثه بالحديث، فقال لي وددت أنّي رأيت موضع القطرة من قميص الصّيدلاني! قال: فو الله مارمت حتّى مرّ معي إلى الصّيدلانيّ، فأريته موضعه.
وأصحابنا يزعمون أنّ لعاب الأفاعي لا يعمل في الدّم. إلّا أنّ أحمد بن المثنّى
زعم أنّ من الأفاعي جنسا لا يضرّ الفراريج من بين الأشياء، ولا أدري أيّ الخبرين أبعد: أخبر ابن غالب في تفسيخ الثّوب، أو خبر ابن المثنى في سلامة الفرّوج على الأفعى؟
وزعم محمد بن الجهم أنّ العيون التي تضيء بالليل كأنها مصابيح، عيون الأسد والنمور، والسّنانير والأفاعي. فبينا نحن عنده إذ دخل عليه بعض من يجلب الأفاعي من سجستان، ويعمل التّرياقات، ويبيعها أحياء ومعمولة، فقال له:
حدّثهم بالذي حدّثتني به من عين الأفعى. قال: نعم، كنت في منزلي نائما في ظلمة، وقد كنت جمعت رؤوس أفاع كنّ عندي، لأرمي بها، وأغفلت تحت السّرير رأسا واحدا، ففتحت عيني تجاه السّرير في الظلمة، فرأيت ضياء إلّا أنّه ضئيل ضعيف رقيق، فقلت: عين غول أو بعض أولاء السّعالى، وذهبت نفسي في ألوان من المعاني، فقمت فقدحت نارا، وأخذت المصباح معي، ومضيت نحو السرير فلم أجد تحته إلّا رأس أفعى، فأطفأت السّراج ونمت وفتحت عيني، فإذا ذلك الضوء على حاله، فنهضت فصنعت كصنيعي الأوّل، حتى فعلت ذلك مرارا. قال: فقلت آخر مرّة: ما أرى شيئا إلّا رأس أفعى، فلو نحّيته! فنحّيته وأطفأت السّراج، ثمّ رجعت إلى منامي، ففتحت عيني فلم أر الضّوء، فعلمت أنّه من عين الأفعى، ثمّ سألت عن ذلك، فإذا الأمر حقّ، وإذا هو مشهور في أهل هذه الصّناعة.
قال: وربّما قبض الرّجل الشديد الأسر والقوّة القبضة على قفا الحيّة فتلتفّ عليه فتصرعه. وفي صعودها وفي سعيها خلف الرّجل الشديد الحضر، أو عند هربها حتّى تفوت وتسبق، وليست بذات قوائم، وإنما تنساب على بطنها، وفي تدافع أجزائها وتعاونها، وفي حركة الكلّ من ذات نفسها، دليل على إفراط قوّة بدنها.
ومن ذلك أنها لا تمضغ، وإنما تبتلع، فربّما كان في البضعة أو في الشيء الذي ابتلعته عظم، فتأتي جذم شجرة، أو حجرا شاخصا فتنطوي عليه انطواء شديدا فيتحطّم ذلك العظم حتّى يصير رفاتا.
ثمّ يقطع ذنبها فينبت. ثمّ تعيش في الماء، إن صارت في الماء، بعد أن كانت برّيّة، وتعيش في البرّ بعد أن طال مكثها في الماء وصارت مائية.
قال: وإنّما أتتها هذه القوّة، واشتدّت فقر ظهرها هذه الشّدّة؛ لكثرة أضلاعها، وذلك أنّ لها من الأضلاع عدد أيّام الشّهر. وهي مع ذلك أطول الحيوان عمرا.
ويزعمون أنّ الحيّة لا تموت حتف أنفها، وإنّما تموت بعرض يعرض لها. ومع ذلك فإنه ليس في الحيوان شيء هو أصبر على جوع من حيّة؛ لأنّها إن كانت شابّة فدخلت في حائط صخر، فتتبّعوا موضع مدخلها بوتد أو بحجر، ثمّ هدموا هذا الحائط، وجدوها هناك منطوية وهي حيّة. فالشّابة تذكر بالصّبر عند هذه العلّة. فإن هرمت صغرت في بدنها، وأقنعها النّسيم، ولم تشته الطعم. وقد قال الشاعر:- وهو جاهليّ -:
فابعث له من بعض أعراض اللّمملميمة من حنش أعمى أصم
قد عاش حتى هو لا يمشي بدمفكلّما أقصد منه الجوع شم
وهذا القول لهذا المعنى. وفي هذا الوجه يقول الشاعر:
داهية قد صغرت من الكبرصلّ صفا ما ينطوي من القصر
طويلة الإطاق من غير خفركمطرق قد ذهبت به الفكر
جاء بها الطوفان أيّام زخر
ومن أعاجيبها أنها وإن كانت موصوفة بالشّره والنّهم، وسرعة الابتلاع، فلها في الصّبر في أيّام الشّتاء ما ليس للزّهيد. ثمّ هي بعد ممّا يصير بها الحال إلى أن تستغني عن الطّعم.
ثمّ قد يزعمون أنّ بمصر دويبّة يقال لها النمس يتّخذها الناطور إذا اشتدّ خوفه من الثّعابين؛ لأنّ هذه الدّابة تنقبض وتنضمّ، تتضاءل وتستدقّ، حتّى كأنها قديدة أو قطعة حبل، فإذا عضّها الثّعبان وانطوى عليها زفرت، وأخذت بنفسها وزخرت جوفها فانتفخ. فتفعل ذلك وقد انطوى عليها، فتقطعه قطعا من شدّة الزّخرة. وهذا من أعجب الأحاديث.
والثّعابين إحدى القواتل. ويزعمون أنها ثلاثة أجناس لا ينجع فيها رقية ولا حيلة، كالثعبان، والأفعى، والهنديّة. ويقال: إنّ ما سواها فإنما يقتل مع ما يمدّها من الفزع؛ فقد يفعل الفزع وحده؛ فكيف إذا قارن سمّها؟! وسمّها إن لم يقتل أمرض.
ويزعمون أنّ رجلا قال تحت شجرة، فتدلّت عليه حيّة منها فعضّت رأسه، فانتبه محمرّ الوجه، فحكّ رأسه، وتلفّت، فلم ير شيئا، فوضع رأسه ينام، وأقام مدّة طويلة لا يرى بأسا، فقال له بعض من كان رأى تدلّيها عليه ثمّ تقلّصها عنه وهروبها منه: هل علمت من أيّ شيء كان انتباهك تحت الشّجرة؟ قال: لا والله، ما علمت.
قال: بلى، فإنّ الحيّة الفلانيّة نزلت عليك حتّى عضّت رأسك، فلما جلست فزعا تقلّصت عنك وتراجعت. ففزع فزعة وصرخ صرخة كانت فيها نفسه. وكأنهم توّهموا أنّه لما فزع واضطراب، وقد كان ذلك السمّ مغمورا ممنوعا فزال مانعه، وأوغله ذلك الفزع، حين تفتّحت منافسه، إلى موضع الصّميم والدّماغ وعمق البدن، فانحلّ موضع العقد الذي انعقدت عليه أجزاؤه وأخلاطه.
وأنشد الأصمعيّ:
نكيثة تنهشه بمنبذ
وأنشد لأبي دؤاد الإياديّ:
فأتاني تقحيم كعب لي المنطق إن النّكيثة الإقحام
قال: فالفزع إمّا أن يكون يوصل السمّ إلى المقاتل، وإمّا أن يكون معينا له، كتعاون الرّجلين على نزع وتد. فهم لا يجزمون على أنّ الحيّة من القواتل البتّة، إلّا أن تقتل إذا عضّت النائم والمغشيّ عليه، والطفل الغرير، والمجنون الذي لا يعقل، وحتّى تجرّب عليه الأدوية.
وكنت يوما عند أبي عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، وكان عنده سلمويه وابن ماسويه، وبختيشوع بن جبريل، فقال: هل ينفع التّرياق من نهشة أفعى؟ فقال بعضهم: إذا عضّت الأفعى فأدركت قبل أن تنقلب نفع الترياق، وإن لم تدرك لم ينفع؛ لأنهم إن قلّلوا من التّرياق قتله السّمّ، وإن كثّروا منه قتله الفاضل عن مقدار الحاجة.
قلت: فإنّ ابن أبي العجوز خبّرني بأنها ليست تنقلب لمجّ السمّ وإفراغه، ولكنّ الأفعى في نابها عصل، وإذا عضّت استفرغت إدخال النّاب كلّه، وهو أحجن أعصل، فيه مشابه من الشّصّ، فإذا انقلبت كان أسهل لنزعه وسلّه. فأمّا لصبّ السّمّ وإفراغه فلا. قال: والله لعلّه ما قلت! قلت: ما أسرع ما شككت!!.
ثمّ قلت له: فكأنما وضعوا الترياق واجتلبوا الأفاعي وضنّوا وعزموا على أنه لا ينفع إلّا بدرك الأفعى قبل أن تنقلب! وكيف صار التّرياق بعد الانقلاب لا يكون إلّا في إحدى منزلتين: إمّا أن يقتل بكثرته، وإمّا ألّا ينفع بقلّته! فكأنّ الترياق ليس نفعه إلّا في المنزلة الوسطى التي لا تكون فاضلة ولا ناقصة! ولكني أقول لك: كيف يكون نفعه إذا كان الترياق جيّدا قويّا، وعوجل فسقي المقدار الأوسط، قبل أن يبلغ الصّميم، ويغوص في العمق. وعلى هذا وضع، وهم كانوا أحزم وأحذق من أن يتكلّفوا شيئا، ومقداره من النّفع لا يوصل إلى معرفته.
ويقول بعض الحذّاق: إنّ سقي التّرياق بعد النهش بساعة أو ساعتين موت المنهوش.
ثم قلت له: وما علّمك؟ وبأيّ سبب أيقنت أنها تمجّ من جوف نابها شيئا؟! ولعله ليس هنالك إلّا مخالطة جوهر ذلك النّاب لدم الإنسان! أولسنا قد نجد من الإنسان من يعضّ صاحبه فيقتله، ويكون معروفا بذلك؟! وقد تقرّون أنّ الهنديّة والثّعبان يقتلان، إمّا بمخالطة الرّيق الدم، وإمّا بمخالطة السّنّ الدّم، من غير أن تدّعوا أنّ أسنانهما مجوّفة. وقد أجمع جميع أصحاب التجارب أنّ الحيّة تضرب بقصبة فتكون أشدّ عليها من العصا. وقد يضرب الرجل على جسده بقضبان اللّوز وقضبان الرّمان، وقضبان اللّوز أعلك وألدن، ولكنّها أسلم، وقضبان الرّمّان أخفّ وأسخف ولكنها أعطب.
وقد يطأ الإنسان على عظم حيّة أو إبرة عقرب، وهما ميتتان، فيلقى الجهد.
وقد يخرج السّكّين من الكير وهو محمى، فيغمس في اللبن فمتى خالط الدّم قام مقام السمّ، من غير أن يكون مجّ في الدّم رطوبة غليظة أو رقيقة.
وبعض الحجارة يكوى بها- وهو رخو- الأورام حتى يفرقها ويحمصها من غير أن يكون نفذ إليها شيء منه، وليس إلّا الملاقاة.
قلت: ولعلّ قوى قد انفصلت من أنياب الأفاعي إلى دماء النّاس. وقد رووا أنّه قيل لجالينوس: إنّ ها هنا رجلا يرقي العقارب فتموت، أو تنحلّ فلا تعمل، فرآه يرقيها ويتفل عليها، فدعا به بحضرة جماعة وهو على الرّيق، ودعا بغدائه فتغدّى معه، ثمّ دعي له بالعقارب فتفل عليها، فلم يجد لعابه يصنع شيئا إلّا أن يكون ريقا.
وهو حديث يدور بين أهل الطبّ، وأنت طبيب. فلم أره في يومه ذلك قال شيئا إلّا من طريق الحزر والحدس، والبلاغات.
وسموم الحيّات ذوات الأنياب، والعقارب ذوات الإبر، إنما تعمل في الدّم بالإجماد والإذابة. وكذا سموم ذوات الشعر والقرون والجمّ، إنما تعمل في العصب، ومنها ما يعمل في الدم.
وحدّثني بعض أصحابنا قال: كنت إمّا برماي وإما بباري وهما بلاد حيّات وأفاع، ونحن في عرس، إذ أدخلوا الخدر العروس فأبطؤوا عليه شيئا، فأغفى وتلوّت على ذراعه أفعى، فذهب ينفضها وحجمت على ذراعه- وقد يقال ذلك إذا كانت العضّة في صورة شرط الحجّام- فصرخ وجاؤوا يتعادون فوجدوها فقتلوها، وسقوه في تلك اللّيلة لبن أربعين عنزا، كلّما استقرّ في جوفه قعب من ذلك اللّبن قاء فيخرج منه كأمثال طلع الفحّال الأبيض، فيه طرائق من دسم تعلوه خضرة، حتى استوفى ذلك اللّبن كله. قال: فعندها قال شيخ من أهل القرية: إن كنتم أخرجتم ذلك السّمّ فقد أخرجتم نفسه معه! قال: فغبر أيّاما بأسوإ حال ثمّ مات. قال: وكنت أعجب من سرعة استحالة اللّبن وجموده.
قلت: والحيّات البرّيّة إذا هرمت تنسّمت النّسيم فاكتفت بذلك، وكذلك الضّباب إذا هرمت.
قال: ولا يكون ذلك للمائيّة من حيّات الغياض وشطوط الأنهار، ومناقع المياه.
قال: والحيّات المائيّة، إمّا أن تكون برّيّة أو جبليّة، فاكتسحتها السّيول واحتملتها في كثير من أصناف الحشرات والدّوابّ والسّباع، فتوالدت تلك الحيّات وتلاقحت هناك. وإمّا أن تكون كانت أمهاتها وآباؤها في حيّات الماء. وكيف دارت الأمور فإنّ الحيّات في أصل الطّبع مائيّة. وهي تعيش في النّدى، وفي الماء، وفي البرّ وفي البحر، وفي الصّخر والرّمل. ومن طباعها أن ترقّ وتلطف على شكلين: أحدهما لطول العمر، والآخر للبعد من الرّيف. وعلى حسب ذلك تعظم في المياه والغياض.
قال: وكلّ شيء في الماء ممّا يعايش السمك، مما أشبه الحيّات كالمارماهي والأنكليس فإنها كلها على ضربين: فأحدهما من أولاد الحيات انقلبت بما عرض لها من طباع البلد والماء. والآخر من نسل سمك وحيات تلاقحت؛ إذ كان طباع السمك قريبا من طباع تلك الحيّات. والحيّات في الأصل مائيّة، وكلّها كانت حيّات.
وقد زعم أهل البصرة أنّ مشان الكوفة قريب من برنيّ البصرة، قلبته البلدة.
ويزعم أهل الحجاز أنّ نخل النارجيل هو نخل المقل، ولكنّه انقلب لطباع البلدة. وأشباه ذلك كثير.
ويزعمون أنّ الفيلة مائية الطّباع بالجاموسيّة والخنزيريّة التي فيها.
قال: والذّئب أيضا، وإن كان عندهم ممّا لا يجتزي بالنّسيم، فإنّه من الحيوان الذي يفتح فاه للنّسيم؛ ليبرد جوفه من اللهيب الذي يعتري السّباع؛ ولأنّ ذلك يمدّ قوّته، ويقطع عنه ببرودته ولطافته الرّيق. فإن كان ذا سعر إذا عدا احتشى ريحا.
وربّما جاع الأسد ففعل فعل الذّئب، فالأسد والذّئب يختلفان في الجوع والصبر؛ لأنّ الأسد شديد النّهم، رغيب حريص شره؛ وهو مع ذلك يحتمل أن يبقى أيّاما لا يأكل شيئا. والذّئب وإن كان أقفر منزلا، وأقلّ خصبا، وأكثر كدّا وإخفاقا، فلا بدّ له من شيء يلقيه في جوفه، فإذا لم يجد شيئا استعار النسيم، [وربما استفّ التراب].
والنّاس إذا جاعوا واشتدّ جوعهم شدّوا على بطونهم العمائم. فإن استقلوا، وإلّا شدّوا الحجر.
وأنشد:
كسيد الغضا العادي أضلّ جراءهعلى شرف مستقبل الرّيح يلحب
كأنّه يجمع استدخال الرّيح والنّسيم، فلعلّه أن يجد ريح جرائه.
وقال الرّاجز:
يستخبر الرّيح إذا لم يسمعبمثل مقراع الصّفا الموقّع
والظّليم يكون على بيضه فيشمّ ريح القانص من أكثر من غلوة، ويبعد عن رئاله فيشمّ ريحها من مكان بعيد.
وأنشدني يحيى بن نجيم بن زمعة قال:
أشمّ من هيق وأهدى من جمل
وأنشدني عمرو بن كركرة:
ما زال يشتمّ اشتمام الهيق
قال: وإنّما جعله ذئب غضا لأنهم يقولون: ذئب الخمر أخبث.
ويقولون: شيطان الحماطة: يريدون الحيّة.
وكلّ حيّة خفيفة الجسم فهي شيطان. والثّقال لا تنشط من أرض إلى أرض، وتثقل عمّا تبلغه المستطيلات الخفاف. وقال طرفة:
تلاعب مثنى حضرميّ كأنّهتعمّج شيطان بذي خروع قفر
الكرماني عن أنس- ولا أدري من أنس هذا- في صفة ناقة:
شناحية فيها شناح كأنّهاحباب بكفّ الشّأو من أسطع حشر
والحباب: الحيّة الذّكر.
وكما يقولون: ذئب الخمر، يقولون: أرنب الخلّة، وتيس الرّبل، وضبّ السّحا. والسّحا بقلة تحسن حاله من أكلها.
وكذلك يقولون: «ما هو إلّا قنفذ برقة» لأنه يكون أخبث له.
وذلك كلّه على قدر طبائع البلدان والأغذية العاملة في طبائع الحيوان. ألا ترى أنّهم يزعمون أنّ من دخل أرض تبّت لم يزل ضاحكا مسرورا، من غير عجب حتّى يخرج منها. ومن أقام بالموصل حولا ثم تفقّد قوّته وجد فيها فضلا. ومن أقام بالأهواز حولا فتفقّد عقله ذو فراسة وجد النّقصان فيه بيّنا. كما يقال في حمّى خيبر، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وجرب الزّنج. وقال الشمّاخ:
كأنّ نطاة خيبر زوّدتهبكور الورد ريّثة القلوع
وقال أوس بن حجر:
كأنّ به إذ جئته خيبريّةيعود عليه وردها وقلالها
وقال آخر:
كأنّ حمّى خيبر تملّه
وكذلك القول في وادي جحفة، وفي مهيعة، وفي أصول النخل حيث كان.
وقال عبد الله بن همام السّلوليّ في دماميل الجزيرة:
أتيح له من شرطة الحيّ جانبغليظ القصيرى لحمه متكاوس
تراه إذا يمضي يحكّ كأنّمابه من دماميل الجزيرة ناخس
فحدّثني أبو زفر الضّراري قال: مات ضرار بن عمرو وهو ابن تسعين سنة بالدّماميل. قلت: والله إنّ هذا لعجب! قال: كلّا، إنّما احتملها من الجزيرة.
وكذلك القول في طواعين الشّام. قال أحد بني المغيرة، فيمن مات منهم بطواعين الشام، ومن مات منهم بطعن الرّماح أيّام تلك المغازي:
من ينزل الشّام ويعرس بهفالشّام إن لم يفنه كاذب
أفنى بني ريطة فرسانهمعشرين لم يقصص لهم شارب
ومن بني أعمامهم مثلهملمثل هذا عجب العاجب
طعن وطاعون مناياهمذلك ما خطّ لنا الكاتب
قال ولمّا قدم عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵃، على عمر بن عبد العزيز- ﵁ في حوائج له، فلمّا رأى مكانه بالشام، وعرف سنّه وسمته وعقله، ولسانه، وصلاته وصيامه، فلم يكن شيء أحبّ إليه من ألّا يراه أحد من أهل الشام، فقال له: إنّي أخاف عليك طواعين الشّام؛ فإنّك لن تغنم أهلك أكثر
منك، فالحق بهم؛ فإنّ حوائجك ستسبقك إليهم. ثمّ قدم على هشام، فكره عبد الله أن يدخل منزل له حتّى يأتيه في ثياب سفره؛ مخافة سوء ظنّه. فلما أعلمه الحاجب مكانه، ودخل عليه وعاينه، كره أن يقيم بها طرفة عين. قال: اذكر حوائجك. قال:
أحطّ رحلي وأضع ثياب سفري، وأتذكّر حوائجي. قال: إنّك لن تجدني في حال خيرا لك منّي الساعة! يريد أنّ القلوب أرقّ ما تكون إذا تلاقت العيون عن بعد عهد.
وليس ذلك أراد.
والعامّة تنشد:
من يسكن البحرين يعظم طحالهويغبط بما في بطنه وهو جائع
ونظر دكين الرّاجز، إلى أبي العباس محمّد بن ذويب الفقيميّ الرّاجز، وهو غليّم مصفرّ مطحول، وهو يمتح على بكرة ويرتجز. فقال: من هذا العمانيّ؟ فلزمته هذه النّسبة.
وحدّثني يوسف الزّنجي أنّه لا بدّ لكلّ من قدم من شقّ العراق إلى بلاد الزّنج ألّا يزال جربا، ما أقام بها. وإن أكثر من شرب نبيذها، أو شراب النّارجيل، طمس الخمار على عقله، حتّى لا يكون بينه وبين المعتوه إلّا الشّيء اليسير.
وخبّرني كم شئت من الغزاة، أن من أطال الصّوم بالمصيصة في أيّام الصّيف، هاج به المرار. وأنّ كثيرا منهم قد جنّوا عن ذلك الاحتراق.
فأمّا قصبة الأهواز، فإنّها قلبت كلّ من نزلها من بني هاشم إلى كثير من
طباعهم وشمائلهم، ولا بدّ للهاشميّ، قبيح الوجه كان أو حسنا، أو دميما كان أو بارعا رائعا، من أن يكون لوجهه وشمائله طبائع يبين بها من جميع قريش وجميع العرب. فلقد كادت البلدة أن تنقل ذلك فتبدّله، ولقد تخيّفته وأدخلت الضّيم عليه، وبيّنت أثرها فيه فما ظنّك بصنيعها في سائر الأجناس ؟! ولفساد عقولهم، ولؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة، والضّياع الفاشية، يحبّون من البنين والبنات ما يحبّه أوساط أهل الأمصار على الثّروة واليسار، وإن طال ذلك. والمال منبهة كما تعلمون.
وقد يكتسب الرّجل، من غيرهم، المويل اليسير، فلا يرضى لولده حتّى يفرض له المؤدّبين، ولا يرضى لنسائه مثل الذي كان يرضاه قبل ذلك. وليس في الأرض صناعة مذكورة، ولا أدب شريف؛ ولا مذهب محمود، لهم في شيء منه نصيب وإن خسّ. ولم أر بها وجنة حمراء لصبيّ ولا صبيّة، ولا دما ظاهرا ولا قريبا من ذلك. وهي قتّالة للغرباء.
وعلى أنّ حمّاها خاصّة ليست للغريب بأسرع منها إلى القريب. ووباؤها وحمّاها، في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمّى عن جميع البلدان.
وكلّ محموم في الأرض فإنّ حمّاه لا تنزع عنه، ولا تفارقه وفي بدنه منها بقيّة، فإذا نزعت عنه فقد أخذ منها عند نفسه البراءة، إلى أن يعود إلى الخلط، وأن يجمع في جوفه الفساد.
وليست كذلك الأهواز لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث، كما تعاود أصحاب الحدث؛ لأنّهم ليسوا يؤتون من قبل النّهم، ومن قبل الخلط والإكثار، وإنّما يؤتون من عين البلدة.
وكذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطّاعن في منازلها، المطلّ عليها؛ والجرّارات في بيوتها ومقابرها ومنابرها. ولو كان في العالم شيء هو شرّ من
الأفعى والجرّارة، لما قصّرت قصبة الأهواز عن توليده وتلقيحه. وبليتها أنّها من ورائها سباخ ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقها تسايل كنفهم، ومياه أمطارهم ومتوضّآتهم.
فإذا طلعت الشّمس فطال مقامها، وطالت مقابلتها لذلك الجبل، قبل بالصّخرية التي فيه تلك الجرّارات. فإذا امتلأت يبسا وحرارة، وعادت جمرة واحدة، قذفت ما قبلت من ذلك عليهم.
وقد تحدث تلك السّباخ وتلك الأنهار بخارا فاسدا، فإذا التقى عليهم ما تحدث السّباخ وما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء. وبفساد الهواء يفسد كلّ شيء يشتمل عليه ذلك الهواء.
وحدّثني إبراهيم بن عباس بن محمد بن منصور، عن مشيخة من أهل الأهواز، عن القوابل، أنهنّ ربّما قبلن الطّفل المولود، فيجدنه في تلك السّاعة محموما.
يعرفن ذلك ويتحدّثن به.
قال: ويعرض لفراخ الحيّات مثل الذي يعرض لفراخ الخطاطيف؛ فإنّ نازعا لو نزع عيون فراخ الخطاطيف، وفراخ الحيّات، لعادت بصيرة.
وزعم أنّ السّلحفاة والرّقّ، والضّفدع، ممّا لا بدّ له من التنفّس، ولا بدّ لها من مفارقة الماء، وأنّها تبيض وتكتسب الطعم وهي خارجة من الماء، وذلك للنّسب الذي بينها وبين الضّب، وإن كان هذا برّيّا وهذا بحريّا.
ويزعمون أنّ ما كان في البرّ من الضبّ والورل والحرباء، والحلكاء، وشحمة الأرض، والوزغ والعظاء مثل الذي في البحر من السّلحفاة والرّقّ، والتّمساح،
والضّفدع، وأنّ تلك الأجناس البرّية وإن اختلفت في أمورها، فإنّها قد تتشابه في أمور، وأنّ هذه الأجناس البحرية من تلك، ككلب الماء من كلب الأرض.
وقد زعم صاحب المنطق أنّ الحيّة وسامّ أبرص من العظاء، والتّمساح، تسكن في أعشّتها الأربعة أشهر الشديدة البرد، لا تطعم شيئا، وأنّ سائر الحيّات تسكن بطن الأرض. فأمّا الأفاعي فإنّها تسكن في صدوع الصّخر.
وليس لشيء من الحيوان من الصّبر عن الطّعم ما لهذه الأجناس. وإنّ الفيل ليناسبها من وجهين: أحدهما من طول العمر، فإنّ منها ما قد عاش أربعمائة سنة.
والوجه الآخر أنّ الفيلة مائيّة وهذه الأجناس مائيّة وإن كان بعضها لا يسكن الماء.
قال: وسمعت يونس بن حبيب يقول: «داهية الغبر» قال: وقيل ذلك لأنها ربّما سكنت بقرب ماء، إمّا غدير وإما عين، فتحمي ذلك الموضع. وربما غبر ذلك الماء في المنقع حينا وقد حمته. وقال الكذّاب الحرمازيّ:
يا ابن المعلّى نزلت إحدى الكبرداهية الدّهر وصمّاء الغبر
قال: وسأل الحكم بن مروان بن زنباع، عن بني عبد الله بن غطفان، قال: أفعى إن أيقظتها لسعتك، وإن تركتها لم تضرك.
وذكر عن سعيد بن صخر قال: نهش رجل من أهل البادية كثير المال، فأشفى على الموت، فأتاهم رجل فقال: أنا أرقيه، فما تعطوني؟ فشارطوه على ثلاثين درهما، فرقاه وسقاه أشياء ببعض الأخلاط، فلمّا أفاق قال الرّاقي والمداوي: حقي! قال الملدوغ: وما حقه، قالوا: ثلاثون درهما. قال أعطيه من مالي ثلاثين درهما في نفثات نفثها، وحمض سقاه! لا تعطوه شيئا!
وحدّثني بعض أصحابنا عن سكّر الشّطرنجيّ، وكان أحمق القاصّين، وأحذقهم بلعب الشّطرنج، وسألته عن خرق كان في خرمة أنفه فقلت له: ما كان هذا الخرق؟ فذكر أنّه خرج إلى جبّل يتكسّب بالشّطرنج، فقدم البلدة وليس معه إلّا درهم واحد، وليس يدري أينجح أم يخفق، ويجد صاحبه الذي اعتمده أم لا يجده؟
فورد على حوّاء وبين يديه جون عظام فيها حيات جليلة.
والحيّة إذا عضّت لم تكن غايتها النّهش أو العضّ، وأن ترضى بالنّهش، ولكنّها لا تعضّ إلّا للأكل والابتلاع. وربّما كانت الحيّات عظاما جدّا ولا سموم لها، ولا تعقر بالعضّ، كحيات الجولان.
وفي البادية حيّة يقال لها الحفّاث، والحفّاث من الحيّات تأكل الفأر وأشباه الفأر، ولها وعيد منكر، ونفخ وإظهار للصّولة، وليس وراء ذلك شيء. والجاهل ربّما مات من الفزع منها. وربّما جمعت الحيّة السّمّ وشدّة الجرح، والعضّ والابتلاع، وحطم العظم.
فوقف سكّر على الحوّاء وقد أخرج من جونته أعظم حيّات في الأرض، وادّعى نفوذ الرّقية وجودة التّرياق، فقال له سكّر: خذ منّي هذا الدّرهم، وارقني رقية لا تضرّني معها حيّة أبدا! قال: فإنّي أفعل. قال: فأرسل قبل ذلك حيّة، حتّى ترقيني بعد أن تعضّني، فإن أفقت علمت أنّ رقيتك صحيحة. قال: فإنّي أفعل، فاختر أيّتهنّ شئت. فأشار إلى واحدة ممّا تعضّ للأكل دون السّمّ، فقال: دع هذه، فإنّ هذه إن قبضت على لحمك لم تفارقك حتى تقطعك! قال: فإنّي لا أريد غيرها. وظنّ أنّه إنّما زواها عنه لفضيلة فيها. قال: أمّا إذ أبيت إلّا هذه فاختر موضعا من جسدك حتّى أرسلها عليه. فاختار أنفه، فناشده وخوّفه، فأبى إلّا ذلك أو يردّ عليه درهمه. فأخذها الحّواء وطواها على يده، كي لا يدعها تنكز فتقطع أنفه من أصله. ثمّ أرسلها عليه. فلما أنشبت أحد نابيها في شقّ أنفه صرخ عليه صرخة جمعت عليه أهل تلك
البلدة، ثمّ غشي عليه، فأخذ الحوّاء فوضع في السّجن، وقتلوا تلك الحيّات، وتركوه حتّى أفاق كانّه أجنّ الخلق، فتطوّعوا بحمله فحملوه مع المكاري، وردّوه إلى البصرة، وبقي أثر نابها في أنفه إلى أن مات.
قال: وأشياء من الحشرات لا تتخذ لنفسها ولا لبيضها ولا أولادها بيوتا، بل تظلم كلّ ذي جحر جحره، فتخرجه منه، أو تأكله إنّ ثبت لها.
والعرب تقول للمسيء: «أظلم من حيّة» لأنّ، الحيّة لا تتّخذ لنفسها بيتا. وكلّ بيت قصدت نحوه هرب أهله منه. وأخلوه لها.
والورل يقوى على الحيّات ويأكلها أكلا ذريعا. وكلّ شدّة يلقاها ذو جحر منها فهي تلقى مثل ذلك من الورل. والورل ألطف جرما من الضّبّ.
وزعم أنّهم يقولون: «أظلم من ورل» كما يقولون: «أظلم من حيّة»، وكما يقولون: «أظلم من ذئب» ويقولون: «من استرعى الذّئب ظلم».
وبراثن الورل أقوى من براثن الضّبّ. والضّباب تحفر جحرتها في الكدى.
والورل لا يحفر لنفسه بل يخرج الضّبّ من بيته. فتزعم الأعراب أنّه إنما صار لا يحفر لنفسه إبقاء على براثنه. ويمنع الحيّة أن تحفر بيتها أنّ أسنانها أكلّ من أسنان الفأر ومن التي تحفر بالأفواه والأيدي، كالنمل والذّرّ وما أشبه ذلك. والحيّة لا ترى أن تعاني ذلك، وحفر غيرها ومعاناته يكفيها.
وفي ضرب المثل بظلم الحيّة، يقول مضرّس بن لقيط:
لعمرك إنّي لو أخاصم حيّةإلى فقعس ما أنصفتني فقعس
إذا قلت مات الدّاء بيني وبينهمسعى حاطب منهم لآخر يقبس
فما لكم طلسا إليّ كأنّكمذئاب الغضا والذّئب بالليل أطلس
وجعله أطلس؛ لأنّه حين تشتدّ ظلمة اللّيل فهو أخفى له، ويكون حينئذ أخبث له وأضرى.
وقال حريز بن نشبة العدويّ، لبني جعفر بن كلاب، وضرب جور الحيّة والذّئب في الحكم مثلا، فقال:
كأنّني حين أحبو جعفرا مدحيأسقيهم طرق ماء غير مشروب
ولو أخاصم أفعى نابها لثقأو الأساود من صمّ الأهاضيب
لكنتم معها إلبا، وكان لهاناب بأسفل ساق أو بعرقوب
ولو أخاصم ذئبا في أكيلتهلجاءني جمعكم يسعى مع الذّيب
قال: والحيّة واسعة الشّحو والفم، لها خطم، ولذلك ينفذ نابها. وكذلك كلّ ذي فم واسع الشّحو، كفم الأسد. فإذا اجتمع له سعة الشّحو وطول اللّحيين، وكان ذا خطم وخرطوم فهو أشدّ له؛ كالخنزير، والذّئب والكلب. ولو كان لرأس الحيّة عظم كان أشدّ لعضّتها، ولكنّه جلد قد أطبق على عظمين رقيقين مستطيلين بفكّها الأعلى والأسفل. ولذلك إذا أهوى الرّجل بحجر أو عصى، رأيتها تلوّي رأسها وتحتال
في ذلك، وتمنعه بكلّ حيلة، لأنّها تعلم وتحسّ بضعف ذلك الموضع منها، وهو مقتل. وما أكثر ما يكون في أعناقها تخصير، ولتندورها أغباب، وذلك في الأفاعي أعمّ. وذلك الموضع المستدقّ إنّما هو شيء كهيئة الخريطة، وكهيئة فم الجراب، منضمّ الأثناء، مثنّى الغضون. فإذا شئت أن تفتح انفتح لك فم واسع.
ولذلك قال إبراهيم بن هانئ: كان فتح فم الجراب يحتاج إلى ثلاثة أيد، ولولا أنّ الحمالين قد جعلوا أفواههم بدل اليد الثّالثة لقد كان ذلك ممتنعا حتّى يستعينوا بيد إنسان.
وهذا ممّا يعدّ في مجون ابن هانئ.
وكذلك حلوق الحيّات وأعناقها وصدورها، قد تراها فتراها في العين دقيقة، ولا سيّما إذا أفرطت في الطّول.
وهي تبتلع فراخ الحمام. والحية أنهم وأشره من الأسد. والأسد يبلع البضعة العظيمة من غير مضع، وذلك لما فيه من فضل الشره. وكذلك الحيّة. وهما واثقان بسهولة وسعة المخرج.
وممّا عظّمها وزاد في فزع النّاس منها، الذي يرويه أهل الشام، وأهل البحرين، وأهل أنطاكية، وذلك أنّي رأيت الثلث الأعلى من منارة مسجد أنطاكية أظهر جدّة من الثلثين الأسفلين، فقلت لهم: ما بال هذا الثلث الأعلى أجدّ وأطرى؟ قالوا: لأنّ تنّينا ترفّع من بحرنا هذا، فكان لا يمرّ بشيء إلّا أهلكه، فمرّ على المدينة في الهواء، محاذيا لرأس هذه المنارة، وكان أعلى ممّا هي عليه، فضربه بذنبه ضربة، حذفت من الجميع أكثر من هذا المقدار، فأعادوه بعد ذلك، ولذلك اختلف في المنظر.
ولم يزل أهل البقاع يتدافعون أمر التّنّين. ومن العجب أنّك تكون في مجلس
وفيه عشرون رجلا، فيجري ذكر التّنّين فينكره بعضهم. وأصحاب التثبت يدّعون العيان. والموضع قريب، ومن يعاينه كثير. وهذا اختلاف شديد.
والأعراب تقول في الأصلة قولا عجيبا: تزعم أنّ الحيّة التي يقال لها الأصلة لا تمرّ بشيء إلّا احترق. مع تهاويل كثيرة، وأحاديث شنيعة.
وتزعم الفرس أنّ الأجدهاني أعظم من البعير، وأنّ لها سبعة رؤوس، وربّما لقيت ناسا فتبتلع من كلّ جهة فم ورأس إنسانا. وهو من أحاديث الباعة والعجائز.
وقد زعم صاحب المنطق أنّه قد ظهرت حيّة لها رأسان. فسألت أعرابيّا عن ذلك فزعم أنّ ذلك حقّ. فقلت له: فمن أي جهة الرّأسين تسعى؟ ومن أيّهما تأكل وتعضّ؟ فقال: فأمّا السّعي فلا تسعى، ولكنّها تسعى إلى حاجتها بالتقلب، كما يتقلّب الصّبيان على الرّمل. وأمّا الأكل فإنها تتعشى بفم وتتغدّى بفم. وأمّا العضّ فإنها تعضّ برأسيها معا!! فإذا به أكذب البريّة. وهذه الأحاديث كلها، ممّا يزيد في الرعب منها، والاستهالة لمنظرها.
ومثل شأن التّنّين مثل أمر فرانق الأسد، فإنّ ذكره يجري في المجلس، فيقول بعضهم: أنا رأيته وسمعته!
وربما زاد في الرعب منها والاستهالة لمنظرها قول جميع المحدّثين: إنّ من أعظم ما خلق الله الحية والسّرطان والسّمك!
وتقول الأعراب: إنّ الحية أطول عمرا من النّسر، وإن الناس لم يجدوا حية قطّ ماتت حتف أنفها، وإنما تموت بالأمر يعرض لها. وذلك لأمور؛ منها قولهم: إنّ فيها شياطين، وإنّ فيها من مسخ، وإنّ إبليس إنما وسوس إلى آدم وإلى حوّاء من جوفها.
وزعم لي الفضل بن إسحاق، أنه كان لأبيه نخّان، وأنّ طول كلّ نخّ تسعة عشر ذراعا.
ومن الحيّات الجرد والزعر، وذلك فيها من [الغالب].
ومنها ذوات شعر، ومنها ذوات قرون. وإنّما يتخلق لها في كلّ عام قشر وغلاف [فهي تسلخ القشور الناعمة والغلف، التي على مقادير أجسادها، وإنما يستدل بالقشور، فأما الجلود فإن أبدانها لا تفارقها إلا بسلخ السكين].
وأمّا الجلود فإنّ الأرمينيّ زعم أنه كان عندهم رجل ينقشر من جلده وينسلخ في كلّ شهر مرّة. قال فجمع ذلك فوجد فيه ملء جراب أو قال: أكثر.
وأمّا الذي لا أشك في أنه قد زاد في أقدارها في النفوس، وعظّم من أخطارها، وهوّل من أمرها، ونبّه على ما فيها من الآية العجيبة والبرهان النيّر، والحجّة الظاهرة، فما في قلب العصا حيّة، وفي ابتلاعها ما هوّل به القوم وسحروا من أعين النّاس، وجاؤوا به من الإفك. قال الله ﷿: وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
، إلى قوله: فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ
فإن قلت: إنه إنما حوّل العصا ثعبانا لأنهم جاؤوا بحبال وعصيّ؛ فحوّلوها في أعين الناس كلها حيّات، فلذلك قلب الله العصا حية على هذه المعارضة. ولو كانوا
حين سحروا أعين الناس جعلوا حبالهم وعصيّهم ذئابا في أعين الناس ونمورا، لجعل الله عصا موسى ذئبا أو نمرا، فلم يكن ذلك لخاصّة في بدن الحية.
قلنا: الدّليل على باطل ما قلتم، قول الله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى.
قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
وقال الله ﷿: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً
إلى قوله: وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
فقلبت العصا جانّا، وليس هناك حبال ولا عصيّ. وقال الله: قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
فقلب العصا حيّة كان في حالات شتّى. فكان هذا ممّا زاد في قدر الحية.
وقد ورد أنه ﷺ قال في دعائه أن لا يميته الله لديغا. وتأويل ذلك: أنّه ﷺ ما استعاذ بالله من أن يموت لديغا، وأن تكون ميتته بأكل هذا العدوّ، إلا وهو من أعداء الله، بل من أشدّهم عداوة.
وقال النبيّ ﷺ: «أشدّ النّاس عذابا بوم القيامة من قتل نبيّا أو قتله نبيّ» كأنّه كان في المعلوم أنّ النبيّ لا يقتل أحدا، ولا يتفّق ذلك إلّا في أشرار الخلق. ويدلّ على ذلك، الذي اتفّق من قتل أبيّ بن خلف بيده، والنّضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاصي- صبرا.
وحدّثت عن عبد الله بن أبي هند، قال: حدّثني صيفي بن أبي أيّوب، أنه سمع أبا بشير الأنصاريّ يقول: «كان رسول ﷺ يتعوّذ من هؤلاء السّبع: كان يقول:
اللهمّ إني أعوذ بك من الهدم وأعوذ بك من التردّي، وأعوذ بك من الغمّ
والغرق، وأعوذ بك من الحرق والهرم، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك من أن أموت لديغا».
وطلحة بن عمرو قال: حدثني عطاء أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من الأسد والأسود، وأعوذ بك من الهدم».
قال: ويقال للحيّة: صفرت تصفر صفيرا، والرجل يصفر بالطير للتنفير، وبالدوابّ وببعض الطير للتعليم. وتتخذ الصّفّارة يصفر بها للحمام وللطير في المزارع. قال أعشى همدان يهجو رجلا:
وإذا جثا للزّرع يوم حصادهقطع النّهار تأوّها وصفيرا
والحيّة مشقوقة اللسان سوداؤه. وزعم بعضهم أن لبعض الحيّات لسانين. وهذا عندي غلط، وأظنّ أنّه لما رأى افتراق طرف اللسان قضى بأنّ له لسانين.
ويقال: إن للضّبّ أيرين، ويسمّى أير الضّبّ نزكا. قال الشاعر:
كضبّ له نزكان كانا فضيلةعلى كلّ حاف في الأنام وناعل
قال أبو خلف النمريّ: سئل أبو حيّة النميري عن أير الضّبّ، فزعم أنّ أير الضّب كلسان الحيّة: الأصل واحد، الفرع اثنان.
وبعض أصحاب التفسير يزعم أنّ الله عاقب الحيّة حين أدخلت إبليس في جوفها، حتى كلّم آدم وحوّاء وخدعهما على لسانها، ببشر خصال: منها شقّ اللسان.
قالوا: فلذلك ترى الحيّة إذا ضربت للقتل كيف تخرج لسانها لتري الضّارب عقوبة الله، كأنها تسترحم. وصاحب هذا التفسير لم يقل ذلك إلّا لحيّة كانت عنده تتكلم، ولولا ذلك لأنكر آدم كلامها، وإن كان إبليس لا يحتال إلّا من جهة الحيّة، ولا يحتال بشيء غير مموّه ولا مشبّه.
قال: ويقال: أرض محواة ومحياة من الحيّات، كما يقال أرض مضبّة وضببة من الضّباب، وفائرة من الفأر.
وقال الأصمعيّ في تفسير قولهم في المثل: «هذا أجلّ من الحرش»: إنّ الضّبّ قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجنّ! قال: وذلك أنّهم يزعمون أن الحرش تحريك اليد عند جحر الضّبّ، ليخرج إذا ظنّ أنه حية- قال: وسمع ابنه صوت الحفر فقال: يا أبه هذا الحرش؟ قال: يا بنيّ، هذا أجلّ من الحرش! فأرسلها مثلا.
بين الحيات وبين الخنازير عداوة، والخنازير تأكلها أكلا ذريعا. وسموم ذوات الأنياب من الحيّات، وذوات الإبر، سريعة في الخنازير، وهي تهلك عند ذلك هلاكا وشيكا، فلذلك لا ترضى بقتلها حتى تأكلها. وتأكل الحيّات العقبان، والأيائل، والأراويّ، والأوعال، والسّنانير والشّاهمرك، والقنفذ. إلّا أن القنفذ أكثر ما يقصد إلى الأفاعي، وإنما يظهر بالليل. قال الرّاجز:
قنفذ ليل دائم التّجآب
وهذا الراجز هو أبو محمد الفقعسيّ.
وكذلك يشبه النّمّام، والمداخل، والدّسيس، بالقنفذ، لخروجه بالليل دون النهار، ولاحتياله للأفاعي. قال عبدة بن الطبيب:
اعصوا الذي يلقي القنافذ بينكممتنصّحا وهو السّمام الأنقع
يزجي عقاربه ليبعث بينكمحربا كما بعث العروق الأخدع
حرّان لا يشفي غليل فؤادهعسل بماء في الإناء مشعشع
لا تأمنوا قوما يشب صبيهمبين القوابل بالعداوة ينشع
وهذا البيت الآخر يضم إلى قول مجنون بني عامر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلبا خاليا فتمكنا
ويضم إليه قول ابن أود: «الطينة تقبل الطبائع ما كانت ليّنة».
ثم قال عبدة بن الطّبيب، في صلة الأبيات التي ذكر فيها القنفذ والنّميمة:
إنّ الذين ترونهم خلّانكميشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
قوم إذا دمس الظّلام عليهمجذعوا قنافذ بالنميمة تمزع
وهذا الشعر من غرر الأشعار. وهو ممّا يحفظ.
وقال الأوديّ:
كقنفذ القنّ لا تخفى مدارجهخبّ إذا نام عنه الناس لم ينم
وفي عهد آل سجستان على العرب حين افتتحوها: لا تقتلوا قنفذا ولا ورلا ولا تصيدوا، لأنها بلاد أفاع. وأكثر ما يجتلب أصحاب صنعة الترياق والحواؤون الأفاعي من سجستان. وذلك كسب لهم وحرفة ومتجر. ولولا كثرة قنافذها لما كان لهم بها قرار.
والقنفذ لا يبالي أيّ موضع قبض من الأفعى. وذلك أنه إن قبض على رأسها أو على قفاها فهي مأكولة على أسهل الوجوه، وإن قبض على وسطها أو على ذنبها، جذب ما قبض عليه، فاستدار وتجمّع، ومنحه سائر بدنه، فمتى فتحت فاها لتقبض على شيء منه، لم تصل إلى جلده مع شوكه النّابت فيه. والأفعى تهرب منه، وطلبه لها وجراءته عليها، على حسب هربها منه وضعفها عنه.
وأمّا قولهم: «أضل من حيّة»؛ و «أضلّ من ورل»؛ و «أضلّ من ضبّ».
فأمّا الحيّة فإنّها لا تتّخذ لنفسها بيتا، والذّكر لا يقيم في الموضع، وإنما يقيم على بيضها بقدر ما تخرج فراخها وتقوى على الكسب والتماس الطعم، ثمّ تصير الأنثى سيّارة، فمتى وجدت جحرا دخلت واثقة بأنّ السّاكن فيه بين أمرين: إمّا أقام فصار طعما لها، وإمّا هرب فصار البيت لها ما أقامت فيه ساعة، كان ذلك من ليل أو نهار.
وقد رأيت بيض الحيّات وكسرتها لأتعرّف ما فيها. فإذا هو بيض مستطيل أكدر اللون أخضر، وفي بعضه نمش ولمع. فأمّا داخله فلم أرقيحا قطّ، ولا صديدا خرج من جرح فاسد، إلّا والّذي في بيضها أسمج منه وأقذر. ويزعمون أنها كثيرة البيض جدّا، وأنّ السلامة في بيضها على دون ذلك، وأنّ بيضها يكون منضّدا في جوفها طولا على غرار واحد، وعلى خيط واحد.
وهي طويلة البطن والأرحام. وعدد أضلاعها عدد أيام الشهر. وكان ذلك بعض ما زاد في شدّة بدنها.
والخلق الكثير الذّرء الدّجاج. والضّبّ أكثر بيضا من الدّجاجة. والخنزيرة تضع عشرين خنّوصا.
ويخرج من أجواف العقارب عقارب صغار، كثيرة العدد جدّا. وعامّة العقارب إذا حبلت كان حتفها في ولادها، لأنّ أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطون الأمّهات حتّى تثقبها. وتكون الولادة من ذلك الثّقب، فتخرج ولأمهات ميّتة.
وأكثر من ذلك كله ذرء السّمك، لأنّ الإنسان لو زعم أنّ بيضة واحدة من بعض الأسبور عشرة آلاف بيضة، لكان ذلك لعظم ما تحمل، ولدقّة حبّه وصغره. ولكن يعتريها أمران: أحدهما الفساد، والآخر أنّ الذكورة في أوان ولادة الإناث تتبع أذنابها، فكلّما زحرت بشيء التقمته والتهمته.
ثمّ السّمك بعد ذلك في الجملة إنما طبعها أن يأكل بعضها بعضا.
ويزعمون أن الكثرة في الأولاد إنّما تكون من العفن واللّخن، وعلى قدر كثرة المائيّة وقلّتها. فذهبوا إلى أنّ أرحام الرّوميّات والنّصرانيّات أكثر لخنا ورطوبة، لأنّ غسل الفروج بالماء البارد مرارا في اليوم، ممّا يطيّب الأرحام، وينفي اللّخن والعفن، ويزعمون أنّ المرأة إذا كان فرجها نظيفا، وكانت معطّرة قويّة المنّة قلّ حملها، فإن أفرطت في السّمن عادت عاقرا. وسمان الرّجال لا يكاد يعتريهم ذلك.
وكذلك العاقر من إناث الإبل والبقر والغنم والنّخل. إذا قويت النّخلة وكانت شابّة، وسمن جمّارها، صارت عاقرا لا تحمل، فيحتالون عند ذلك بإدخال الوهن عليها.
وقد طعن في ذلك ناس فقالوا: إنّ في الضّبّ على خلاف ما ذكرتم. قد تبيض الأنثى سبعين بيضة فيها سبعون حسلا. ولولا أنّ الضّبّ يأكل ولده لانتفشت
الصحارى ضبابا. والضب لا يحفر إلّا في كدية وفي بلاد العراد. وإذا هرمت تبلّغت بالنّسيم. وهذا كله ممّا يستدلّ به على بعد طبعها من اللّخن والعفن.
وقيل لهم: قد يمكن أن يكون ذلك كذلك في جميع صفاتها إلّا في أرحامها فقط.
وليس للحيّات سفاد معروف ينتهي إليه علم، ويقف عليه عيان. وليس عند الناس في ذلك إلّا الذي يرون من ملاقاة الحيّة للحيّة، والتواء كلّ منهما على صاحبه، حتى كأنهما زوج خيزران مفتول، أو خلخال مفتول. فأمّا أن يقفوا على عضو يدخل أو فرج يدخل فيه فلا.
والعرب تذكر الحيّات بأسمائها وأجناسها. فإذا قالوا: أيم، فإنما يريدون الذّكر دون الأنثى. ويذكرونه عند جودة الانسياب، وخفّة البدن، كما تذكر الشّعراء في صفة الخيل الجرادة الذّكر، دون الأنثى. فهم وإن ألحقوا لها فإنما يريدون الذّكر. قال بشر بن أبي خازم:
جرادة هبوة فيها اصفرار
لأنّ الأنثى لا تكون صفراء، وإنما الموصوف بالصّفرة الذّكر، لأن الأنثى تكون بين حالتين: إمّا أنّ تكون حبلى ببيضها فهي مثقلة، وإمّا أن تكون قد سرأت وقذفت بيضها، فهي أضعف ما تكون.
قال الشاعر:
أتذهب سلمى في اللّمام ولا ترىوفي اللّيل أيم حيث شاء يسيب
وإذا انسابت في الكثبان والرّمل، يبين مواضع مزاحفها، وعرفت آثارها.
وقال آخر:
كأنّ مزاحف الحيّات فيهاقبيل الصّبح آثار السّياط
وكذلك يعرفون آثار العظاء. وأنشد ابن الأعرابيّ:
بها ضرب أذناب العظاء كأنهاملاعب ولدان تخطّ وتمصع
وقال الآخر، وهو يصف حيّات:
كأنّ مزاحفها أنسعجررن فرادى ومثناتها
وقال ثمامة الكلبيّ:
كأنّ مزاحف الهزلى صباحاخدود رصائع جدلت تؤاما
والهزلى من الحيّات. قال جرير أو غيره:
ومن ذات أصفاء سهوب كأنهامزاحف هزلى بينها متباعد
وقال بعض المحدثين، وذكر حال البرامكة كيف كانت، وإلى أيّ شيء صارت:
وإذا نظرت إلى التّرى بعراصهمقلت: الشجاع ثوى بها والأرقم
وقال البعيث:
لقى حملته أمّة وهي ضيفةفجاءت بيتن للضيافة أرشما
مدامن جوعات كأنّ عروقهمسارب حيّات تسرّبن سمسما
[وليس في الأرض قشر ولا ورقة]، ولا ثوب، ولا جناح، ولا ستر عنكبوت، إلا وقشر الحيّة أحسن منه وأرقّ، وأخفّ وأنعم، وأعجب صنعة وتركيبا.
ولذلك وصف كثيّر قميص ملك، فشبّهه بسلخ الحيّة، حيث يقول:
إذا ما أفاد المال أودى بفضلهحقوق، فكره العاذلات يوافقه
يجرّر سربالا عليه كأنّهسبيء لهزلى لم تقطّع شرانقه
والسّبيء: السّلخ والجلد. قال الشاعر:
وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد
وترعم العرب أنّ النّعام والأفعى صمّ لا تسمع، وكذلك هما من بين جميع الخلق. وسنذكر من ذلك في هذا الموضع طرفا، ونؤخر الباقي إلى الموضع الذي نذكر فيه جملة القول في النّعام.
وقد ابتلينا بضربين من الناس، ودعواهما كبيرة، أحدهما يبلغ من حبه للغرائب أن يجعل سمعه هدفا لتوليد الكذابين، وقلبه قرارا لغرائب الزّور. ولكلفه بالغريب، وشغفه بالطّرف، لا يقف على التّصحيح والتمييز، فهو يدخل الغثّ في السمين، والممكن في الممتنع، ويتعلّق بأدنى سبب ثمّ يدفع عنه كلّ الدّفع.
والصّنف الآخر، وهو أنّ بعضهم يرى أنّ ذلك لا يكون منه عند من يسمعه يتكلم إلا من خاف التقزّز من الكذب.
فزعم ناس أنّ الدّليل على أنّ الأفاعي صمّ، قول الشاعر:
أنعت نضناضا من الحيّاتأصمّ لا يسمع للرّقاة
قد ذكروا بالصّمم أجناسا من خبيثات الحيّات، وذهبوا إلى امتناعها من الخروج عند رقية الرّاقي عند رأس الجحر، فقال بعضهم:
وذات قرنين من الأفاعيصمّاء لا تسمع صوت الدّاعي
ويزعمون أنّ كلّ نضناض أفعى. وقال آخر:
ومن حنش لا يجيب الرّقاة أرقش ذي حمة كالرّشا
أصمّ سميع طويل السّبات منهرت الشدق عاري النسا
فزعم أنّه أصمّ سميع، فجاز له أن يجعله أصمّ بقوله: «ومن حنش لا يجيب الرّقاة» وقال الآخر:
أصمّ أعمى لا يجيب الرّقىيفترّ عن عصل حديدات
والأفعى ليس بأعمى، وعينه لا تنطبق، وإن قلعت عينه عادت. وهو قائم العين كعين الجرادة، كأنها مسمار مضروب. ولها بالليل شعاع خفيّ. قال الرّاعي يصف الأفعى:
ويدني ذراعيه إذا ما تبادراإلى رأس صلّ قائم العين أسفع
وهذه صفة سليم الأفعى، فيجوز أن يكون الشاعر وصفها بالتمنع من الخروج بالصّمم، كما وصفها بالعمى، لمكان السّبات وطول الإطراق.
قال الشاعر:
أصمّ سميع طويل السّباتمنهرت الشّدق عاري القرا
وقال آخر:
منهرت الشّدق رقود الضّحىسار طمور بالدّجنّات
وتارة تحسبه ميّتامن طول إطراق وإخبات
يسبته الصّبح وطورا لهنفخ ونفث في المغارات
ويعلم أنّه وصف أفعى بقوله:
أصمّ أعمى لا يجيب الرّقىيفترّ عن عصل حديدات
منهرت الشّدق رقود الضّحى
«الخ» ثم ذكر أنيابه، فقال:
قدّمن عن ضرسيه واستأخراإلى صماخين ولهوات
فجعله أعصل الأنياب، منهرت الأشداق، ثمّ وصفها بالسّبات وطول الإطراق، وبسرعة النّشطة، وخفّة الحركة، إذا هّمت بذلك وكانت تعظم.
وقد وصفتها امرأة جاهليّة بجميع هذه الصّفة، إلّا أنها زادت شيئا. والشّعر صحيح. وليس في أيدي أصحابنا من صفة الأفاعي مثلها.
وقد رأيت عند داود بن محمّد الهاشميّ كتابا في الحيّات، أكثر من عشرة أجلاد، ما يصحّ منها مقدار جلد ونصف.
ولقد ولّدوا على لسان خلف الأحمر، والأصمعيّ، أرجازا كثيرة. فما ظنّك بتوليدهم على ألسنة القدماء! ولقد ولّدوا على لسان جحشويه في الحلاق أشعارا ما قالها جحشويه قط. فلو تقذّروا من شيء تقذّروا من هذا الباب.
والشّعر الذي في الأفعى:
قد كاد يقتلني أصمّ مرقّشمن حبّكم، والخطب غير كبير
خلقت لهازمه عزين ورأسهكالقرص فلطح من دقيق شعير
ويدير عينا للوقاع كأنّهاسمراء طاحت من نفيض برير
وكأنّ ملقاه بكلّ تنوفةملقاك كفّة منخل مأطور
وكأنّ شدقيه إذا استعرضتهشدقا عجوز مضمضت لطهور
فقد زعمت كما ترى أنها تدير عينا، وزعم الأوّل أنها قائمة العين. إلّا أن تزعم أنها لم ترد بالإدارة أن مقلتها تزول عن موضعها، ولكنّها أرادت أنّها جوّالة في إدراك الأشخاص، البعيدة والقريبة، والمتيامنة والمتياسرة وقد يجوز أن يكون إنّما جعلها سميعة لدقّة الحسّ، وكثرة الاكتراث وجودة الشمّ، لا جودة السّمع؛ فإنّ الذين زعموا أنّ النّعامة صمّاء زعموا أنّها تدرك من جهة الشمّ والعين، جميع الأمور التي كانت تعرفها من قبل السّمع لو كانت سميعة. وقد قال الشاعر في صفة الحيّة:
تهوي إلى الصّوت والظلماء عاكفةتعرّد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا
هذا بعد أن قال:
إني وما تبتغي منّي كملتمسصيدا وما نال منه الرّيّ والشّبعا
أهوى إلى باب جحر في مقدّمهمثل العسيب ترى في رأسه نزعا
اللّون أربد والأنياب شابكةعصل ترى السمّ يجري بينها قطعا
أصم ما شمّ من خضراء أيبسهاأو شمّ من حجر أوهاه فانصدعا
فقد جعل لها أنيابا عصلا، ووصفها بغاية الخبث، وزعم أنها تسمع. فهؤلاء ثلاثة شعراء.
فإن قلت: إنّ المولّد لا يؤمن عليه الخطأ، إذ كان دخيلا في ذلك الأمر، وليس كالأعرابيّ الذي إنما يحكي الموجود الظاهر له، الذي عليه نشأ، وبمعرفته غذي.
فالعلماء الذين اتّسعوا في علم العرب، حتى صاروا إذا أخبروا عنهم بخبر كانوا الثّقات فيما بيننا وبينهم، هم الذين نقلوا إلينا. وسواء علينا جعلوه كلاما وحديثا منثورا، أو جعلوه رجزا وقصيدا موزونا.
ومتى أخبرني بعض هؤلاء بخبر لم أستظهر عليه بمسألة الأعراب. ولكنه إن تكلم وتحدّث، فأنكرت في كلامه بعض الإعراب، لم أجعل ذلك قدوة حتى أوقفه عليه، لأنّه ممّن لا يؤمن عليه اللّحن الخفيّ قبل التفكر. فهذا وما أشبهه حكمه خلاف الأوّل.
والرّقية تكون على ضروب: فمنها الذي يدّعيه الحوّاء والرّقّاء؛ وذلك يشبه بالذي يدّعي ناس من العزائم على الشياطين والجن، وذلك أنهم يزعمون أن في تلك الرّقية عزيمة لا يمتنع منها الشيطان، فكيف العامر ؟! وأن العامر إذا سئل بها أجاب، فيكون هو الذي يتولى إخراج الحيات من الصّخر. فإن كان الأمر على ما قالوا فما ينبغي أن يكون بين خروج الأفاعي الصمّ وغيرها فرق، إذا كانت العزائم والرّقى والنّفث ليس شيئا يعمل في نفس الحيّة، وإنّما هو شيء يعمل في الذي يخرج الحيّة.
وإذا كان ذلك كذلك فالسّميع والأصمّ فيه سواء.
وكذلك يقولون في التّحبيب والتّبغيض، وفي النّشرة وحلّ العقدة، وفي التّعقيد والتحليل.
ويزعمون أنّ الجن لا تجيب صاحب العزيمة حتى يتوحّش ويأتي الخرابات والبراريّ، ولا يأنس بالناس، ويتشبّه بالجنّ، ويغسل بالماء القراح، ويتبخّر باللّبان الذّكر، ويراعي المشتري فإذا دقّ ولطف، وتوحّش وعزم، أجابته الجنّ، وذلك بعد أن يكون بدنه يصلح هيكلا لها، وحتّى يلذّ دخوله وادي منازلها، وألّا يكره ملابسته والكون فيه. فإن هو ألحّ عليها بالعزائم، ولم يأخذ لذلك أهبته خبلته، وربّما قتلته، لأنها تظنّ أنّه متى توحّش لها، واحتمى، وتنظف فقد فرغ. وهي لا تجيب بذلك فقط، حتى يكون المعزّم مشاكلا لها في الطّباع.
فيزعمون أنّ الحيّات إنما تخرج إخراجا، وأنّ الذي يخرجها هو الذي يخرج سمومها من أجساد النّاس، إذا عزم عليها.
والرّقية الأخرى بما يعرف من التعويذ. قال أبو عبيدة: سمعت أعرابيّا يقول:
قد جاءكم أحدكم يسترقيكم فارقوه. قال: فعوّذوه ببعض العوائذ.
والوجه الآخر مشتقّ من هذا ومحمول عليه، كالرّجل يقول: ما زال فلان يرقي فلانا حتّى لان وأجاب.
وقد قالت الشعراء في الجاهليّة والإسلام في رقى الحيات، وكانوا يؤمنون بذلك ويصدقون به، وسنخبر بأقاويل المتكلمين في ذلك، وبالله التوفيق.
ومنهم من زعم أنّ إخراج الحيّة من جحرها إلى الرّاقي، إنما كان للعزيمة والإقسام عليها، ولأنّها إذا فهمت ذلك أجابت ولم تمتنع.
وكان أميّة بن أبي الصّلت، لا يعرف قولهم في أنّ العمّار هم الذين يجيبون العزائم بإخراج الحيّات من بيوتها، وفي ذلك يقول:
والحيّة الذّكر الرّقشاء أخرجهامن جحرها أمنات الله والقسم
إذا دعا باسمها الإنسان أو سمعتذات الإله بدا في مشيها رزم
من خلفها حمّة لولا الذي سمعتقد كان ثبتها في جحرها الحمم
ناب حديد وكفّ غير وادعةوالخلق مختلف في القول والشّيم
إذا دعين بأسماء أجبن لهالنافث يعتديه الله والكلم
لولا مخافة ربّ كان عذّبهاعرجاء تظلع، في أنيابها عسم
وقد بلته فذاقت بعض مصدقهفليس في سمعها، من رهبة صمم
فكيف يأمنها أم كيف تألفهوليس بينهما قربى، ولا رحم!
يقول: لو أنّها أخرجت حين استحلفت بالله لما خرجت، إذ ليس بينهما قربى ولا رحم. ثمّ ذكر الحمّة والنّاب.
وقال آخرون: إنما الحيّة مثل الضبّ والضّبع، إذا سمع بالله والهدم والصّوت خرج ينظر. والحوّاء إذا دنا من الجحر رفع صوته وصفّق بيديه، وأكثر من ذلك، حتى يخرج الحيّة، كما يخرج الضب والضّبع.
وقال كثيّر:
وسوداء مطراق إليّ من الصّفاأنيّ إذا الحاوي دنا فصدا لها
والتّصدية. التّصفيق، قال الله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
الآية. فالمكاء: صوت بين النّفخ والصّفير، والتّصدية: تصفيق اليد باليد.
فكان الحوّاء يحتال بذلك للحيّة، ويوهم من حضر أنّه بالرّقية أخرجها، وهو في ذلك يتكلم ويعرّض، إلّا أنّ ذلك صوت رفيع. وهو لو رفع صوته ببيت شعر أو بخرافة، لكان ذلك والذي يظهر من العزيمة عند الحيّة سواء. وإنّما ينكر الصّوت، كما ينكره الضّبّ وغير ذلك من الوحش.
ثم قال:
كففت يدا عنها وأرضيت سمعهامن القول حتّى صدّقت ما وعى لها
وأشعرتها نفثا بليغا، فلو ترىوقد جعلت أن ترعني النّفث بالها
تسلّلتها من حيث أدركها الرّقىإلى الكفّ لما سالمت، وانسلالها
فقال كما ترى:
كففت يدا عنها وأرضيت سمعها
(البيت) ثم قال:
وأشعرتها نفثا بليغا فلو ترى
وقال الأعشى:
أبا مسمع إني امرؤ من قبيلةبنى لي عزّا موتها وحياتها
فلا تلمس الأفعى يديك تريدهاإذا ما سعت يوما إليها سفاتها
وقال آخر:
يدعو به الحيّة في أقطارهفإن أبى شمّ سفا وجاره
والسّفا: التراب اليابس بين التربين. يقال سفا وسفاة.
والحوّاء والرّاقي يري النّاس أنّه إذا رأى جحرا لم يخف عليه: أجحر حيّة هو أم جحر شيء غيره، فإن كان جحر حيّة لم يخف عليه أهي فيه أم لا، ثمّ إذا رقى وعزّم فامتنعت من الخروج، وخاف أن تكون أفعى صمّاء لا تسمع، وإذا أراغها ليأخذها فأخطأ، لم يأمن من أن تنقره نقرة؛ لا يفلح بعدها أبدا، فهو عند ذلك يستبري بأن يشمّ من تراب الجحر، فلا يخفى عليه: أهي أفعى أم حيّة من سائر الحيات. فلذلك قال:
يدعو به الحية في أقطاره
(البيت) والوجار: الجحر.
وزعم لي بعض الحوّائين أنّ للحيّات نتنا وسهكا، وأن ريح الأفعى معروفة.
وليس شيء أغلق، ولا أعنق، ولا أسرع أخذا لرائحة من طين أو تراب، وأنّه إذا شمّ من طينة الجحر لم يخف عليه. وقال: اعتبر ذلك بهذا الطين السداني والرّاهطي إذا ألقي في الزّعفران والكافور، أو غيره ذلك من الطّيب، فإنّه متى وضع إلى جنب روثة أو عذرة، قبل ذلك الجسم.
والرّقاء يوهم النّاس إذا دخل دورهم لاستخراج الحيّات أنّه يعرف أماكنها برائحتها، فلذلك يأخذ قصبة ويشعب رأسها، ثم يطعن بها في سقف البيت والزّوايا، ثمّ يشمها ويقول مرة: فيها حيّات؛ ويقول مرّة: بلى فيها حيّات، على قدر الطمع في القوم، وفي عقولهم.
وأمر الصّوت عجيب، وتصرّفه في الوجوه عجب. فمن ذلك أنّ منه ما يقتل، كصوت الصاعقة. ومنها ما يسرّ النفوس حتى يفرط عليها السّرور؛ فتقلق حتى ترقص، وحتّى ربما رمى الرّجل بنفسه من حالق. وذلك مثل هذه الأغاني المطربة.
ومن ذلك ما يكمد. ومن ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية، والقراءات الملحّنة. وليس يعتريهم ذلك من قبل المعاني؛ لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون معاني كلامهم. وقد بكى ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب الله ولا تصدّق به؟ قال: إنما أبكاني الشجا! وبالأصوات ينوّمون الصّبيان والأطفال.
والدّوابّ تصرّ آذانها إذا غنّى المكاري. والإبل تصرّ آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، وتزداد نشاطا، وتزيد في مشيها. ويجمع بها الصّيّادون السّمك في حظائرهم التي يتّخذونها له. وذلك أنّهم يضربون بعصيّ معهم، ويعطعطون، فتقبل أجناس السّمك شاخصة الأبصار مصغية إلى تلك الأصوات، حتّى تدخل في الحظيرة ويضرب بالطّساس للطّير، وتصاد بها. ويضرب بالطّساس للأسد وقد أقبلت، فتروعها تلك الأصوات.
وقال صاحب المنطق: الأيائل تصاد بالصّفير والغناء. وهي لا تنام مادامت تسمع ذلك من حاذق الصوت. فيشغلونها بذلك ويأتون من خلفها فإن رأوها مسترخية الآذان وثبوا عليها، وإن كانت قائمة الأذنين فليس إليها سبيل.
والصّفير تسقى به الدوابّ الماء، وتنفّر به الطير عن البذور.
وزعم صاحب المنطق أنّ الرّعد الشّديد إذا وافق سباحة السّمك في أعلى الماء رمت ببيضها قبل انتهاء الأجل. وربّما تمّ الأجل فتسمع الرّعد الشّديد، فيتعطّل عليها أيّاما بعد الوقت.
وقال أبو الوجيه العكليّ: أحبّ السّحابة الخرساء ولا أحبها! فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأنها لا تخرس حتى تمتلئ ماء وتصبّ صبّا كثيرا، ويكون غيثا طبقا.
وفي ذلك الحيا. إلّا أنّ الكماة لا تكون على قدر الغيث. ذهب إلى أنّ للرّعد في الكمأة عملا.
وقال جعفر بن سعيد: سأل كسرى عن الكمأة فقيل له: لا تكون بالمطر دون الرّعد، ولا بالرّعد دون المطر. قال: فقال كسرى: رشّوا بالماء واضربوا بالطبول! وكان من جعفر على التمليح. وقد علم جعفر أنّ كسرى لا يجهل هذا المقدار.
فالحيّة واحدة من جميع أجناس الحيوان الذي للصّوت في طبعه عمل. فإذا دنا الحوّاء وصفق بيديه، وتكلم رافعا صوته حتى يزيّد، خرج إليه كلّ شيء كان في الجحر، فلا يشكّ من لا علم له أنّ من لا علم له أنّ لحيّة خرجت من جهة الطاعة وخوف المعصية، وأنّ العامر أخرجها تعظيما للعزيمة، ولأنّ المعتزم مطاع في العمّار. والعامّة أسرع شيء إلى التّصديق.
وفي الرّوح، وفي أنّ البدن هيكل لها، يقول سليمان الأعمى؛ وكان أخا مسلم ابن الوليد الأنصاريّ. وكانوا لا يشكون بأنّ سليمان هذا الأعمى، كان من مستجيبي بشار الأعمى، وأنّه كان يختلف إليه وهو غلام فقبل عنه ذلك الدّين. وهو الذي يقول:
إنّ في ذا الجسم معتبرالطلوب العلم مقتبسه
هيكل للرّوح ينطقهعرقه والصّوت من نفسه
لا تعظ إلّا اللّبيب فمايعدل الضّلع على قوسه
ربّ مغروس يعاش بهفقدته كفّ مغترسه
وكذاك الدّهر مأتمهأقرب الأشياء من عرسه
وكانت العرب تقول: كان ذلك إذ كان كلّ شيء ينطق، وكان ذلك والحجارة رطبة.
قال أميّة:
وإذ هم لا لبوس لهم تقيهموإذ صمّ السّلام لهم رطاب
بآية قام ينطق كلّ شيءوخان أمانة الدّيك الغراب
وأرسلت الحمامة بعد سبعتدلّ على المهالك لا تهاب
تلمّس هل ترى في الأرض عيناوعاينة بها الماء العباب
فجاءت بعد ما ركضت بقطفعليها التّأط والطّين الكباب
فلما فرّسوا الآيات صاغوالها طوقا كما عقد السّخاب
إذا ماتت تورّثه بنيهاوإن تقتل فليس له انسلاب
ضفذكر رطوبة الحجارة، وأنّ كلّ شيء قد كان ينطق. ثمّ خبّر عن منادمة الدّيك الغراب، واشتراط الحمامة على نوح، وغير ذلك ممّا يدلّ على ما قلنا. ثم ذكر الحيّة، وشأن إبليس وشأنها، فقال:
كذي الأفعى تربّبها لديهوذي الجنّيّ أرسلها تساب
فلا ربّ البريّة يأمننهاولا الجنيّ أصبح يستتاب
فإن قلت: إنّ أميّة كان أعرابيّا، وكان بدويّا، وهذا من خرافات أعراب الجاهليّة، وزعمت أنّ أميّة لم يأخذ ذلك عن أهل الكتاب فإني سأنشدك لعديّ بن زيد، وكان نصرانيّا ديانا، وترجمانا، وصاحب كتب، وكان من دهاة أهل ذلك الدّهر.
قال عديّ بن زيد، يذكر شأن آدم ومعصيته، وكيف أغواه، وكيف دخل في الحية، وأنّ الحية كانت في صورة جمل فمسخها الله عقوبة لها، حين طاوعت عدوّه على وليّه. فقال:
قضى لستّة أيّام خليقتهوكان آخرها أن صوّر الرّجلا
دعاه آدم صوتا فاستجاب لهبنفخة الروح في الجسم الذي جبلا
ثمّت أورثه الفردوس يعمرهاوزوجه صنعة من ضلعه جعلا
لم ينهه ربّه عن غير واحدةمن شجر طيّب: أن شمّ أو أكلا
فكانت الحيّة الرّقشاء إذ خلقتكما ترى ناقة في الخلق أو جملا
فعمدا للتي عن أكلها نهيابأمر حوّاء لم تأخذ له الدّغلا
كلاهما خاط إذ بزّا لبوسهمامن ورق التّين ثوبا لم يكن غزلا
فلاطها الله إذ أغوت خليفتهطول اللّيالي ولم يجعل لها أجلا
تمشي على بطنها في الدّهر ما عمرتوالتّرب تأكله حزنا وإن سهلا
فأتعبا أبوانا في حياتهماوأوجدا الجوع والأوصاب والعللا
وأوتيا الملك والإنجيل نقرؤهنشفي بحكمته أحلامنا عللا
من غير ما حاجة إلّا ليجعلنافوق البريّة أربابا كما فعلا
فرووا أنّ كعب الأحبار قال: مكتوب في التوارة أنّ حوّاء عند ذلك عوقبت بعشر خصال، وأنّ آدم لمّا أطاع حوّاء وعصى ربّه عوقب بعشر خصال، وأنّ الحيّة التي دخل فيها إبليس عوقبت أيضا بعشر خصال.
وأوّل خصال حوّاء التي عوقبت بها وجع الافتضاض، ثم الطلق، ثمّ النّزع، ثمّ بقناع الرّأس، وما يصيب الوحمى والنفساء من المكروه، والقصر في البيوت، والحيض، وأنّ الرّجال هم القوّامون عليهنّ، أن تكون عند الجماع هي الأسفل.
وأمّا خصال آدم ﷺ: فالذي انتقص من طوله، وبما جعله الله يخاف من الهوامّ والسّباع، ونكد العيش، وبتوقع الموت، وبسكنى الأرض، وبالعري من ثياب الجنّة، وبأوجاع أهل الدنيا، وبمقاساة التحفظ من إبليس، وبالمحاسبة بالطّرف، وبما شاع عليه من اسم العصاة.
وأمّا الحيّة فإنها عوقبت بنقص جناحها، وقطع أرجلها، والمشي على بطنها، وبإعراء جلدها- حتى يقال: «أعرى من حيّة» وبشقّ لسانها- لذلك كلما خافت من القتل أخرجت لسانها لتريهم العقوبة- وبما ألقي عليها من عداوة النّاس، وبمخافة الناس، وبجعله لها أوّل ملعون من اللّحم والدّم، وبالذي ينسب إليها من الكذب والظلم.
فأمّا الظلم فقولهم: «أظلم من حيّة» وأما الكذب فإنها تنطوي في الرّمل على الطّريق وتدخل بعض جسدها في الرّمل، فتظهر كأنها طبق خيزران. ومنها حيّات بيض قصار تجمع بين أطرافها على طرق الناس، وتستدير كأنها طوق أو خلخال، أو سوار ذهب أو فضة- ولما تلقي على نفسها من السّبات، ولما تظهر من الهرب من الناس. وكلّ ذلك إنما تغرّهم وتصطادهم بتلك الحيلة، فذلك هو كذبها.
قال: وعوقبت الأرض حين شربت دم ابن آدم بعشر خصال: أنبت فيها الشّوك، وصيّر فيها الفيافي، وخرق فيها البحار، وملّح أكثر مائها، وخلق فيها الهوامّ والسّباع، وجعلها قرارا لإبليس والعاصين، وجعل جهنّم فيها، وجعلها لا تربي ثمرتها. إلّا في الحرّ، وهي تعذّب بهم إلى يوم القيامة، وجعلها توطأ بالأخفاف، والحوافر، والأظلاف، والأقدام، وجعلها مالحة الطّعم.
ثم لم تشرب بعد دم ابن آدم دم أحد من ولده، ولا من غير ولده. قال: ولذلك
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي مريم الحنفيّ: «لأنا أشدّ لك بغضا من الأرض للدم».
وزعم صاحب المنطق أنّ الأرض لا تشرب الدّم، إلّا يسيرا من دماء الإبل خاصّة.
وإذا أرادوا أن يمتحنوا جودة العسل من رداءته، قطروا على الأرض منه قطرة.
فإذا استدارت كأنها قطعة زئبق، ولم تأخذ من الأرض ولم تعطها فهو الماذيّ الخالص الذّهبيّ. فإن كان فيه غشوشة نفشت القطرة على قدر ما فيها، وأخذت من الأرض وأعطتها. وإن لم يقدروا على اللّحم الغريض دفنوه وغرّقوه في العسل، فإنهم متى رجعوا فغسلوه عنه وجدوه غضّا طريّا، لأنّه ذهبيّ الطّباع، ليس بينه وبين سائر الأجرام شيء. فهو لا يعطيه شيئا ولا يأخذ منه. وكذلك الذّهب إذا كان مدفونا.
وهذه الأحاديث، وهذه الأشعار، تدلّ على أنّهم قد كانوا يقولون: إنّ الصخور كانت رطبة ليّنة، وإنّ كلّ شيء قد كان يعرف وينطق وإنّ الأشجار والنّخل لم يكن عليها شوك. وقد قال العجّاج، أو رؤبة:
أو عمر نوح زمن الفطحلوالصّخر مبتلّ كطين الوحل
وأنا أظنّ أنّ كثيرا ممّا يحكى عن كعب أنّه قال: «مكتوب في التوراة» أنّه إنّما قال: «نجد في الكتب»، وهو إنّما يعني كتب الأنبياء، والذي يتوارثونه من كتب سليمان؛ وما في كتبهم من مثل كتب إشعياء وغيره. والذين يروون عنه في صفة عمر بن الخطاب ﵁، وأشباه ذلك، فإن كانوا صدقوا عليه وكان الشيخ لا يضع الأخبار فما كان وجه كلامه عندنا إلّا على ما قلت لك.
وفي أنّ الحيّة قد كانت تسمع وتنطق، يقول النّابغة في المثل الذي ضربه، وهو قوله:
أليس لنا مولى يحبّ سراحنافيعذرنا من مرّة المتناصره
ليهنكم أن قد نفيتم بيوتنامحلّ عبيدان المحلّئ باقره
وإني للاق من ذوي الضّغن نكبةبلا عثرة والنفس لا بدّ عاثره
كما لقيت ذات الصّفا من حليفهاوما انفكّت الأمثال في الناس سائره
فقالت له: أدعوك للعقل وافراولا تغشينّي منك للظّلم بادره
فواثقها بالله حتّى تراضيافكانت تديه الجزع خفيا وظاهره
فما توفّى العقل إلّا أقلّهوجارت به نفس عن الخير جائره
تفكّر أنّى يجمع الله شملهفيصبح ذا مال ويقتل واتره
فظلّ على فأس يحدّ غرابهاليقتلها، والنّفس للقتل حاذره
فلما وقاها الله ضربة فأسهولله عين لا تغمّض ساهره
فقال: تعالي نجعل الله بينناعلى العقل حتّى تنجزي لي آخره
فقالت: يمين الله، أفعل؛ إنّنيرأيتك ختّارا يمينك فاجره
أبى لك قبر لا يزال مواجهاوضربة فأس فوق رأسي فاقره
فذهب النّابغة في الحيّات مذهب أميّة بن أبي الصّلت، وعديّ بن زيد، وغيرهما من الشعراء.
وأنشدني عبد الرحمن بن كيسان:
فكان رطيبا يوم ذلك صخرهاوكان خضيدا طلحها وسيالها
فزعم كما ترى أنّ الصّخور كانت ليّنة، وأنّ الأشجار: الطلح والسّيال كانت خضيدا لا شوك عليها.
وزعم بعض المفسّرين وأصحاب الأخبار، أنّ الشّوك إنما اعتراها في صبيحة اليوم الذي زعمت النّصارى فيه أنّ المسيح ابن الله.
وكان مقاتل يقول- حدّثنا بذلك عنه أبو عقيل السّواق، وكما أحد رواته والحاملين عنه- إنّ الصّخور كانت ليّنة، وإنّ قدم إبراهيم ﵇ أثرت في تلك الصخرة، كتأثير أقدام الناس في ذلك الزّمان. إلّا أنّ الله تعالى توفّى تلك الآثار، وعفّى عليها، ومسحها ومحاها، وترك أثر مقام إبراهيم ﷺ. والحجّة إنما هي في إفراده بذلك ومحو ما سواه من آثار أقدام الناس. ليس أنّ إبراهيم ﷺ كان وطئ على صخرة خلقاء يابسة فأثّر فيها.
وأنا أقول على تثبيت ذلك بالحجة. ونعوذ بالله من الهذر والتكلف وانتحال ما لا أقوم به. أقول: إنّه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوامّ من جميع النّحل. فإن لم أقل، ولولا أصحاب إبراهيم وإبراهيم لهلكت العوامّ من المعتزلة، فإني أقول: إنه قد أنهج لهم سبلا، وفتق لهم أمورا، واختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة، وشملتهم بها النعمة.
وأنا أزعم أن الناس يحتاجون بديّا إلى طبيعة ثم إلى معرفة، ثم إلى إنصاف.
وأوّل ما ينبغي أن يبتدئ به صاحب الإنصاف أمره ألّا يعطى نفسه فوق حقها، وألّا يضعها دون مكانها، وأن يتحفظ من شيئين؛ فإن نجاته لا تتمّ إلّا بالتحفظ منهما:
أحدهما تهمة الإلف، والآخر تهمة السّابق إلى القلب- والله الموفق.
وما أكثر ما يعرض في وقت إكبابي على هذا الكتاب، وإطالتي الكلام، وإطنابي في القول، بيت ابن هرمة، حيث يقول:
إنّ الحديث تغر القوم خلوتهحتى يلجّ بهم عيّ وإكثار
وقولهم في المثل: «كل مجر في الخلاء يسرّ».
وأنا أعوذ بالله أن أغرّ من نفسي، عند غيبة خصمي، وتصفح العلماء لكلامي، فإني أعلم أن فتنة اللسان والقلم، أشدّ من فتنة النساء، والحرص على المال.
وقد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه، أوّل ذلك العلة الشديدة، والثانية قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب، والرابعة أني لو تكلفت كتابا في طوله، وعدد ألفاظه ومعانيه، ثمّ كان من كتب العرض والجوهر، والطّفرة، والتولد، والمداخلة، والغرائز، والتماس- لكان أسهل وأقصر أياما، وأسرع فراغا؛ لأني كنت لا أفزع فيه إلى تلقّط الأشعار، وتتبّع الأمثال، واستخراج الآي من القرآن، والحجج من الرّواية، مع تفرّق هذه الأمور في الكتب، وتباعد ما بين الأشكال. فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ، ومن سوء تأليف، أو من تقطيع نظام، ومن وقوع الشيء في غير موضعه- فلا تنكر، بعد أن صوّرت عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي.
ولولا ما أرجو من عون الله على إتمامه؛ إذ كنت لم ألتمس به إلّا إفهامك مواقع الحجج لله، وتصاريف تدبيره، والذي أودع أصناف خلقه من أصناف حكمته- لما تعرّضت لهذا المكروه.
فإن نظرت في هذا الكتاب فانظر فيه نظر من يلتمس لصاحبه المخارج، ولا يذهب مذهب التعنّت، ومذهب من إذا رأى خيرا كتمه، وإذا رأى شرّا أذاعه.
وليعلم من فعل ذلك أنّه قد تعرّض لباب إن أخذ بمثله، وتعرّض له في قوله وكتبه، أن ليس ذلك إلّا من سبيل العقوبة، والأخذ منه بالظلامة. فلينظر فيه على مثال ما أدّب الله به، وعرّف كيف يكون النظر والتفكير والاعتبار والتعليم؛ فإنّ الله ﷿ يقول: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
فينبغي أن تكون إذا مررت بذكر الآية والأعجوبة، في الفراشة والجرجسة، ألّا تحقر تلك الآية، وتصغّر تلك الأعجوبة؛ لصغر قدرهما عندك، ولقلّة معرفتهما عند
معرفتك، لصغر أجسامهما عند جسمك. ولكن كن عند الذي يظهر لك من تلك الحكم، ومن ذلك التّدبير، كما قال الله ﷿: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
ثم قال: فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
ثمّ قال الله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
. وقد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان».
وأنا أعيذ نفسي بالله أن أقول إلّا له، وأعيذك بالله أن تسمع إلّا له. وقد قال الله ﷿: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
فاحذر من أن تكون منهم، وممّن ينظر إلى حكمة الله وهو لا يبصرها، وممّن يبصرها بفتح العين واستماع الآذان؛ ولكن بالتوقف من القلب، والتثبت من العقل، وبتحفيظه وتمكينه من اليقين، والحجّة الظاهرة. ولا يراها من يعرض عنها.
وقد قال الله ﷿: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
وقال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
ولو كانوا صمّا بكما وكانوا هم لا يعقلون، لما عيّرهم بذلك، كما لم يعيّر من خلقه معتوها كيف لم يعقل، ومن خلقه أعمى كيف لم يبصر، وكما لم يلم الدوابّ، ولم يعاقب السّباع. ولكنّه سمّى البصير المتعامي أعمى، والسميع المتصامم أصمّ، والعاقل المتجاهل جاهلا.
وقد قال الله ﷿: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فانظر كما أمرك الله، وانظر من الجهة التي دلّك منها، وخذ ذلك بقوة. قال تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
ثمّ رجع بنا القول إلى ما في الحيّات من العلم والعبرة، والفائدة والحكمة؛ ولذلك قال أبو ذرّ الغفاريّ: «لقد تركنا رسول الله، ﷺ، وما يمرّ بنا طائر إلا وعندنا من شأنه علم». وهذا القول صحيح عن أبي ذر، ولم يخصّ أبو ذرّ خشاش الطّير من بغاثها وأحرارها، ولا ما يدخل في بابة الهمج. وقد أريناك من تحقيق قوله طرفا. ولعلك إن جمعت نظرك إلى نظرنا، أن تستتمّ هذا الباب، فقد قال الشاعر:
خليليّ ليس الرأي في رأي واحدأشيرا عليّ اليوم ما تريان
وقال الأحنف: «ما من الناس أحد إلّا وقد تعلّمت منه شيئا، حتّى من الأمة الورهاء والعبد الأوره».
والحيّات مختلفات الجهات جدّا، وهي من الأمم التي يكثر اختلاف أجناسها في الضّرر والسمّ، وفي الصّغر والعظم، وفي التعرّض للنّاس، وفي الهرب منهم. فمنها ما لا يؤذي إلّا أن يكون الناس قد آذوها مرّة. وأمّا الأسود فإنّه يحقد ويطالب، ويكمن في المتاع حتى يدرك بطائلته. وله زمان يقتل فيه كلّ شيء نهشه.
وأمّا الأفعى فليس ذلك عندها، ولكنها تظهر في الصّيف مع أوّل الليل، إذا سكن وهج الرّمل وظاهر الأرض؛ فتأتي قارعة الطّريق حتى تستدير وتطحن كأنّها رحى، ثمّ تلصق بدنها بالأرض وتشخص رأسها؛ لئلّا يدركها السّبات، معترضة؛ لئلّا يطأها إنسان أو دابّة فتنهشه. كأنّها تريد ألّا تنهش إلّا بأن يتعرّض لها، وهي قد تعرّضت لنهشه باعتراضها في الطّريق وتناومها عليه! وهي من الحيّات التي ترصد وتوصف بذلك. قال معقل بن خويلد:
أبا معقل لا توطئنكم بغاضتيرؤوس الأفاعي في مراصدها العرم
يريد: الأفاعي في مراصدها. وكلّ منقّطة فهي عرماء، من شاة أو غير ذلك.
وقال آخر:
وكم طوت من حنش وراصدللسّفر في أعلى البيات قاصد
والأفعى تقتل في كلّ حال وفي كلّ زمان. والشّجاع يواثب ويقوم على ذنبه، وربّما بلغ رأسه رأس الفارس.
وليس يقتلها- إذا تطوّقت على الطّريق وفي المناهج، أو اعترضتها لتقطعها عابرة إلى الجانب الآخر- شيء كأقاطيع الشّياه إذا مرّت بها، وكذلك الإبل الكثيرة إذا مرّت، فإنّ الحيّة إذا وقعت بين أرجلها كان همتها نفسها، ولم يكن لها همة إلّا التّخلص بنفسها؛ لئلّا تعجلها بالوطء. فإن نجت من وطء أيديها، لم تنج من وطء أرجلها. وإن سلمت من واحدة لم تسلم من التي تليها، إلى آخرها.
وقال عمر بن لجأ، وهو يصف إبله:
تعرّض الحيّات في غشاشها
وقال ذو الأهدام:
تعجلها عن نهشها والنّكز
ومن ذلك أنّ العقرب تقع في يد السّنّور، فيلعب بها ساعة من اللّيل وهي في ذلك مسترخية مستخذية لا تضربه. والسّنانير من الخلق الذي لا تسرع السّموم فيه.
وربّما باتت الأفعى عند رأس الرّجل وعلى فراشه فلا تنهشه. وأكثر ما يوجد ذلك من القانص والرّاعي. قال الشاعر:
تبيت الحيّة النّضناض منهمكان الحبّ مستمع السّرار
قال: الحبّ: الحبيب. والنضناض من الحيّات: الذي يحرّك لسانه. وعن عيسى بن عمر قال: قلت لذي الرّمّة: ما النضناض؟ فأخرج لسانه يحرّكه.
وإنما يصف القانص وأنّه يبيت بالقفر. ومثله قول أبي النجم:
تحكي لنا القرناء في عرزالهاجري الرّحى تجري على ثفالها
العرزال: المكان وفي ذلك يقول أبو وجزة:
تبيت جارته الأفعى وسامرهربد به عاذر منهنّ كالجرب
وقوله: ربد، يريد البعوض. وعاذر: أثر.
قال: وبات يحيى بن منقاش مع دارم الدارميّ، فلما أصبح يحيى رأى بينهما أفعى مستوية، فوثب يحيى ليقتلها، فقال له دارم. قد أعتقتها وحرّرتها! ولم تقتلها وهي ضجيعتي من أوّل الليل؟ فقال يحيى:
أعوذ بربّي أن ترى لي صحبتييطيف بنا ليلا محرّر دارم
من الخرس لا ينجو صحيحا سليمهاوإن كان معقودا بحلي التمائم
والعقارب في ذلك دون الحيّات، إلّا الجرّارات، فإنها ربّما باتت في لحاف الرّجل اللّيلة بأسرها، وتكون في قميصه عامّة يومها، فلا تلسعه. فهي بالأفعى أشبه.
فأمّا سائر العقارب فإنها تقصد إلى الصّوت، فإذا ضربت إنسانا فرّت كما يصنع المسيء الخائف للعقاب.
والعقرب لا تضرب الميت ولا المغشيّ عليه، ولا النائم إلّا أن يحرك شيئا من جسده، فإنها عند ذلك تضربه.
ويقال إنها تأوي مع الخنافس وتسالمها، ولا تصادق من الحيّات إلا كلّ أسود سالخ.
وحدّث أبو إسحاق المكي قال: كان في دار نصر بن الحجاج السّلمي عقارب إذا لسعت قتلت، فدبّ ضيف لهم على بعض أهل الدّار فضربته عقرب على مذاكيره، فقال نصر يعرّض به:
وداري إذا نام سكّانهاأقام الحدود بها العقرب
إذا غفل الناس عن دينهمفإن عقاربها تضرب
قال: فأدخل النّاس بها حوّاء، وحكوا له شأن تلك العقارب، فقال: إن هذه العقارب تستقي من أسود سالخ. ونظر إلى موضع في الدار فقال: احفروا هاهنا.
فحفروا عن أسودين: ذكر وأنثى، وللذّكر خصيتان ورأوا حول الذّكر عقارب كثيرة فقتلوها.
قال: وقال الفضل بن عبّاس حين راهنه عقرب بالشّعر، وقيل لكلّ واحد منهما:
لست في شيء حتّى تغلب صاحبك، فقال الفضل:
قد تجر العقرب في سوقنالا مرحبا بالعقرب التّاجره
كل عدوّ يتّقى مقبلاوعقرب تخشى من الدّابره
كلّ عدوّ كيده في استهفغير ذي أيد ولا ضائره
قد ضاقت العقرب واستيقنتبأنّ لا دنيا ولا آخره
إن عادت العقرب عدنا لهاوكانت النّعل لها حاضره
واسم أم حارثة بن بدر، عقرب. وآل أبي موسى يكتنون بأبي العقارب. ومن هؤلاء الذين يكتنون بالعقرب: ابن أبي العقرب الليثيّ الخطيب الفصيح، الراوية.
ورووا أنّ عقربا لسعت النبيّ ﷺ فقال: «لعنها الله، فإنّها لا تبالي من ضربت!» وقال الضّبيّ: أنا عقرب، أضرّ ولا أنفع.
وكان الرّجل تلسعه الجرّارة بعسكر مكرم، أو بجند يسابور، فتقتله؛ وربّما تناثر لحمه، وربّما تعفّن وأنتن، حتى لا يدنو منه أحد إلّا وهو مخمّر أنفه، مخافة إعدائه، ولا سيما إن كان قد نال من اللحم وهو لا يعلم أنّ الوخزة التي وخزها كانت من جرّارة.
وكانوا إذا شعروا بها دعوا حجاما، يحجم ذلك الموضع ويمصّه، قبل أن يتفشى فيه السمّ ويدخل تلك المداخل. فكان الحجّام لا يجيئهم حتى يقبض دنانير كثيرة. وإنما كانوا يجودون له بذلك؛ لما كان لصاحبهم في ذلك من الفرج، وما على الحجام في ذلك من ضرر. وذلك أن وجهه ربّما اسمارّ واربدّ، وربّما عطّلت مقاديم
أسنانه وتوجّعت عليه، فيلقى من ذلك الجهد، وذلك لما كان يتّصل إلى فيه من بخار الدّم، ومن ذلك السمّ المخالط لذلك الدّم. ثمّ إنّهم بعد ذلك حشوا أذناب المحاجم بالقطن، فصار القطن لا يمنع قوّة المصّ والجذب، ولم يدعه يصل إلى فم الحجام.
ثمّ إنّهم بعد مدّة سنيّات أصابوا نبتة في بعض الشّعب، فإذا عالجوا الملسوع بها حسنت حاله.
والجرّارات تألف الأخواء التي تكون بحضرة الأتاتين، وتألف الحشوش والمواضع الناريّة. وسمّها نار.
وقيل لماسرجويه: قد نجد العقرب تلسع رجلين فتقتل أحدهما ويقتلها الآخر، وربّما نجت ولم تمت، كما أنّه ربّما عقرت ولم تفت، ونجدها تضرب رجلين في ساعة واحدة، فيختلفان في سوء الحال. ونجدها تختلف مواضع ضررها على قدر الأغذية، وعلى قدر الأزمان، وعلى قدر مواضع الجسد. ونجد واحدا يتعالج بالمسوس فيحمده، ونجد آخر يدخل يده في مدخل حارّ من غير أن يكون فيه ماء فيحمده، ونجد آخر يعالجه بالنّخالة الحارّة فيحمدها، ونجد آخر يحجم ذلك الموضع فيحمده، ونجد كلّ واحد من هؤلاء يشكو خلاف ما يوافقه، ثم إنّا نجده يعاود ذلك العلاج عند لسعة أخرى فلا يحمده! قال ماسرجويه: لما اختلفت السّموم في أنفسها بالجنس والقدر، وفي الزّمان، باختلاف ما لاقاه اختلف الذي وافقه على حسب اختلافه.
وكان يقول: إنّ قول القائل في العقرب: شرّ ما تكون حين تخرج من جحرها، ليس يعنون من ليلتها- إذ كان لا بدّ من أن يكون لها نصيب من الشدّة- ولكنّهم إنما يعنون: في أوّل ما تخرج من جحرها عند استقبال الصّيف، بعد طول مكثها في غير عالمنا وغذائنا وأنفاسنا ومعايشنا.
والعامّة تزعم أنها شرّ ما تكون إذا ضربت الإنسان وقد خرج من الحمام؛ لتفتح المسامّ، وسعة المجاري، وسخونة البدن. ولذلك صار سمها في الصيف أشدّ. هذا قول أبي إسحاق. كأنّه كان يرى أنّ الهواء كلما كان أحرّ، وكان البدن أسخن كان شرّا.
ونحن نجدهم يصرخون من لسعتها اللّيل كلّه، وإذا طلعت الشمس سكن ما بهم. فإذا بقيت فضلة من تلك الجارحة في الشمس فما أكثر ما يسكن. وسمومها باللّيل أشدّ، إلّا أن يزعم أنّ أجواف الناس في برد الليل أسخن وفي حرّ النهار أفتر.
وزعم لي بعض العلماء ممّن قد روى الكتب، وهو في إرث منها، أنّ الحية التي يقال لها: الدسّاس، تلد ولا تبيض؛ وأنّ أنثى النمور لم تضع نمرا قط إلّا ومعه أفعى.
والأعراب تزعم أنّ الكمأة تبقى في الأرض فتمطر مطرة صيفيّة، فيستحيل بعضها أفاعي. فسمع هذا الحديث منّي بعض الرّؤساء الطّائيّين، فزعم لي أنّه عاين كمأة ضخمة فتأمّلها، فإذا هي تتحرّك، فنهض إليها فقلعها، فإذا هي أفعى. هذا ما حدّثته عن الأعراب، حتّى برئت إلى الله من عيب الحديث.
وزعم صاحب المنطق أنّ الوزغة والحيّات تأكل اللّحم والعشب. وزعم أنّ الحيّات أظهر كلبا من جميع الحيوان، مع قلّة شرب الماء. وأنّ الأسد مع نهمه قليل شرب الماء. قال: ولا تضبط الحيّات أنفسها إذا شمّت ريح السّذاب، وربّما اصطيدت به وإذا أصابوها كذلك وجدوها وقد سكرت.
قال: والحيات تبتلع البيض، والفراخ، والعشب.
وزعم أنّ الحيات تسلخ جلودها في أوّل الرّبيع، عند خروجها من أعشّتها وفي أوّل الخريف.
وزعم أن السّلخ يبتدئ من ناحية عيونها أوّلا. قال: ولذلك يظنّ بعض من يعانيها أنها عمياء.
وهي تسلخ من جلودها في يوم وليلة من الرّأس إلى الذّنب، ويصير داخل الجلد هو الخارج، كما يسلخ الجنين من المشيمة، وكذلك جميع الحيوان المحزّز الجسد، وكلّ طائر لجناحه غلاف مثل الجعل والدّبر وكذلك السّرطان، يسلخ أيضا، فيضعف عند ذلك من المشي.
وتسلخ جلودها مرارا.
والسّلخ يصيب عامّة الحيوان: أمّا الطير فسلخها تحسيرها، وأمّا ذوات الحوافر فسلخها عقائقها، وسلخ الإبل طرح أوبارها، وسلخ الجراد انسلاخ جلودها، وسلخ الأيائل إلقاء قرونها، وسلخ الأشجار إسقاط ورقها.
والأسروع: دويبّة تنسلخ فتصير فراشة. وقال الطّرمّاح شعرا:
وتجرّد الأسروع واطّرد السّفاوجرت بجاليها الحداب القردد
وانساب حيّات الكثيب وأقبلتورق الفراش لما يشبّ الموقد
يصف الزّمان.
والدّعموص ينسلخ، فيصير إمّا بعوضة وإما فراشة.
وزعم ثمامة عن يحيى بن برمك أنّ البرغوث ينسلخ فيصير بعوضة، وأنّه البعوضة التي من سلخ دعموص ربّما انسلخت برغوثا.
والنمل تحدث لها أجنحة ويتغيّر خلقها، وذلك هو سلخها. وهلكها يحين عند طيرانها.
والجراد ينسلخ على غير هذا النوع. قال الرّاجز:
ملعونة تسلخ لونا لونين
قال: وعضّ السّباع ذوات الأربع، ولدغ الهوامّ، يختلف بقدر اختلاف البلدان؛ كالذي يبلغنا عن أفاعي الرّمل، وعن جرّارات قرى الأهواز، وعقارب نصيبين، وثعابين مصر، وهنديّات الخرابات.
وفي الشّبثان، والزّنابير، والرّتيلات ما يقتل. فأمّا الطّبّوع فإنّه شديد الأذى. وللضّمج أذى لا يبلغ ذلك.
وقال صاحب المنطق: ويكون بالبلدة التي تسمّى باليونانية: «طبقون» حيّة صغيرة شديدة اللّدغ، إلا أن تعالج بحجر، يخرج من بعض قبور قدماء الملوك.
ولم أفهم هذا، ولم كان ذلك.
وإذا أكل بعض ذوات السموم من جسد بعضها، كانت أردأ ما تكون سما، مثل العقارب والأفاعي.
قال: والأيّل إذا ألقى قرونه علم أنّه قد ألقى سلاحه فهو لا يظهر. وكذلك إن سمن علم أنّه يطلب، فلا يظهر. وكذلك أوّل ما ينبت قرنه يعرّضه للشمس؛ ليصلب ويجفّ. وإن لدغت الأيّل حيّة أكل السّراطين؛ فلذلك نظنّ أنّ السّراطين صالحة للّديغ من الناس.
قال: وإذا وضعت أنثى الأيّل ولدا أكلت مشيمتها. فيظنّ أنّ المشيمة شيء يتداوى به من علّة النفاس.
قال: والدّبّة إذا هربت دفعت جراءها بين يديها، وإن خافت على أولادها غيّبتها، وإذا لحقت صعدت في الشجر وحملت معها جراءها.
قال: والفهد إذا عراه الدّاء الذي يقال له: «خانق الفهود» أكل العذرة فبرئ منه.
قال: والسّباع تشتهي رائحة الفهود، والفهد يتغيّب عنها، وربّما فرّ بعضها منه فيطمع في نفسه، فإذا أراده السّبع وثب عليه الفهد فأكله.
قال: والتمساح يفتح فاه إذا غمّه ما قد تعلق بأسنانه، حتى يأتي طائر فيأكل ذلك، فيكون طعاما له وراحة للتّمساح.
قال: وأمّا السّلحفاة فإنّها إذا أكلت الأفعى أكلت صعترا جبليّا، وقد فعلت ذلك مرارا، فربما عادت فأكلت منها ثمّ أكلت من الصّعتر مرارا كثيرة، فإذا أكثرت من ذلك هلكت.
قال: وأمّا ابن عرس، فإنّه إذا قاتل الحيّة بدأ بأكل السّذاب، لأنّ رائحة السّذاب مخالفة للحيّة، كما أن سامّ أبرص لا يدخل بيتا فيه زعفران.
قال: والكلاب إذا كان في أجوافها دود أكلت سنبل القمح.
قال: ونظنّ أنّ ابن عرس يحتال للطير بحيلة الذئب للغنم؛ فإنه يذبحها كما يفعل الذئب بالشاة.
قال: وتتقاتل الحيّات المشتركة في الطّعم.
وزعم أنّ القنافذ لا يخفى عليها شيء من جهة الرّيح وتحوّلها وهبوبها، وأنّه كان بقسطنطينيّة رجل يقدّم ويعظّم؛ لأنه كان يعرف هبوب الرّيح ويخبرهم بذلك وإنما كان يعرف الحال فيها بما يرى من هيئة القنافذ.
والعيون الحمر للعرض المفارق، كعين الغضبان، وعين السّكران، وعين الكلب، وعين الرّمد.
والعيون الذهبيّة، عيون أصناف البزاة من بين العقاب إلى الزّرّق.
والعيون التي تسرج بالليل، عيون الأسد، وعيون النمور، وعيون السّنانير، وعيون الأفاعي.
قال أبو حيّة:
غضاب يثيرون الذّحول، عيونهمكجمر الغضا ذكّيته فتوقّدا
وقال آخر:
ومدجّج يسعى بشكّتهمحمرّة عيناه كالكلب
رجع بالكلب إلى صفة المدجّج.
وقال معاوية لصحار العبديّ: يا أحمر! قال: والذهب أحمر! قال يا أزرق! قال:
والبازي أرزق! وأنشدوا:
ولا عيب فيها غير شكلة عينهاكذاك عتاق الطير شكل عيونها
وقال آخر:
وشكلة عين لو حبيت ببعضهالكنت مكان العين مرأى ومسمعا
ومن العيون المغرب، والأزرق، والأشكل، والأسجر، والأشهل، والأخيف. وذلك إذا اختلفا.
وعين الفأرة كحلاء، وهي أبصر بالليل من الفرس والعقاب.
وفي حمرة العينين وضيائهما يقول محمّد بن ذؤيب العمانيّ، في صفة الأسد:
أجرأ من ذي لبدة همّاسغضنفر مضبّر رهّاس
منّاع أخياس إلى أخياسكأنّما عيناه في مراس
شعاع مقباس إلى مقباس
وقال المرّار:
كأنّما وقد عينيه النّمر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع