من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب آخر يدّعونه للفأر
وهو الذي ينظر فيه أصحاب الفراسة في قرض الفأر، كما ينظر بعضهم في الخيلان، وفي الأكتاف، وفي أسرار الكفّ.
ويزعمون أنّ أبا جعفر المنصور نزل في بعض القرى، فقرض الفأر مسحا له كان يجلس عليه، فبعث به ليرفأ، فقال لهم الرفّاء: إنّ هنا أهل بيت يعرفون بقرض الفأر ما ينال صاحب المتاع من خير أو شر، فلا عليكم أن تعرضوه عليهم قبل أن تصلحوه. فبعث المنصور إلى شيخهم، فلما وقعت عينه على موضع القرض وثب وقام قائما ثم قال: من صاحب هذا المسح؟ فقال المنصور: أنا. فقام ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! والله لتلينّ الخلافة أو أكون جاهلا أو كذابا! ذكر هذا الحديث عمر بن مجمّع السّكوني الصّريمي وقد قضى على بعض البلدان.
وسألت بعض العطارين من أصحابنا المعتزلة عن فأرة المسك فقال: ليس بالفأرة، وهو بالخشف أشبه. ثم قصّ عليّ شأن المسك وكيف يصطنع. وقال، لولا أنّ رسول الله ﷺ قد تطيّب بالمسك لما تطيّبت به، فأمّا الزباد فليس مما يقرب ثيابي منه شيء.
قلت له: وكيف يرتضع الجدي من لبن خنزيرة فلا يحرم لحمه؟ قال: لأنّ ذلك اللبن استحال لحما، وخرج من تلك الطبيعة، ومن تلك الصورة، ومن ذلك الاسم.
وكذلك لحوم الجلّالة. فالمسك غير الدّم، والخلّ غير الخمر. والجوهر ليس يحرم بعينه، وإنما يحرم للأعراض والعلل. فلا تقزّز منه عند تذكرك الدّم الحقين؛ فإنه ليس به. وقد تتحوّل النار هواء، والهواء ماء، فيصير الشبه الذي بين الماء والنار بعيدا جدّا.
والجرذان لا تحفر بيوتها على قارعة طريق، وتجتنب الخفض؛ لمكان المطر، وتجتنب الجوادّ؛ لأن الحوافر تهدم عليها بيوتها. فإذا أخرجها وقع حافر فرس، مع هذا الصّنيع، دلّ ذلك على شدة الجري والوقع. وقال امرؤ القيس يصف فرسه:
فللسّوط ألهوب وللرّجل درّةوللزّجر منه وقع أهوج منعب
فأدرك، لم يعرق مناط عذارهيدرّ كخذروف الوليد المثقّب
ترى الفأر في مستعكد الأرض لاجئاإلى جدد الصحراء من شدّ ملهب
خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّماخفاهنّ ودق من سحاب مركّب
خفاهنّ: أظهرهنّ. وقرأ بعضهم: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها
، بفتح الألف؛ أي أظهرها. وقال امرؤ القيس:
فإن تدفنوا الداء لا نخفهوإن تبعثوا الحرب لا نقعد
وقال أعرابيّ: إن بني عامر جعلتني على حنديرة أعينها، تريد أن تختفي دمي.
وقال أبو عبيدة: أربعة أحرف تهمزها عقيل من بين جميع العرب، تقول:
فأرة، ومؤسى، وجؤنة، وحؤت.
فأصناف ما يقع عليه اسم الفأرة: فأرة البيش، وفأرة البيت، وفأرة المسك، وفأرة الإبل. وفي فأرة المسك يقول حميد الأرقط:
ممطورة خالط منها النّشرذا أرج شقّق عنه الفأر
وفي فأرة الإبل قال الشاعر:
كأنّ فأرة مسك في مباءتهاإذا بدا من ضياء الصّبح تبشير
وهذا شبيه بالذي قال الراعي - وليس به-:
تبيت بنات القفر عند لبانهبأحقف من أنقاء توضح هائل
كأن القطار حرّكت في مبيتهجديّة مسك في معرّس قافل
قال الأصمعيّ: قلت لأبي مهدية: كيف تقول: لا طيب إلا المسك؟ قال:
فأين أنت من العنبر؟! قال: فقلت: لا طيب إلا المسك والعنبر. قال: فأين البان؟! فقلت: لا طيب إلا المسك والعنبر والبان. قال: فأين أنت عن أدهان بحجر ؟! قال: فقلت: لا طيب إلا المسك، والعنبر. والبان، وأدهان بحجر. قال: فأين فأرة الإبل صادرة؟! قال الأصمعيّ: فأرة الإبل.
وفأرة البيش دويبة تغتذي السّموم فلا تضرها. والبيش سمّ، وحكمه حكم الطائر الذي يقال له: سمندل؛ فإنه يسقط في النار فلا يحترق ريشه
ونبّيت عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال: لو أخذ الطّحلب فجفف في الظّلّ، ثم أسقط في النّيران لم يحترق.
ولولا ما عاينوا من شأن الطّلق والعود الذي يجاء به من كرمان لاشتدّ إنكارهم.
وزعم ابن أبي حرب أن قسّا راهن على أن الصليب الذي في عنقه من خشب، أنه لا يحترق؛ لأنه من العود الذي كان صلب عليه المسيح، وأنه كان يفتن بذلك ناسا من أهل النظر، حتى فطن له بعض المتكلمين، فأتاهم بقطعة عود يكون بكرمان. فكان أبقى على النار من صليبه.
قال صاحب الكلب: والسنور لصّ لئيم، وشره خؤون. فمن ذلك أن صاحب المنزل يرمي إليه ببعض الطعم، فيحتمله احتمال المريب، واللصّ المغير، حتى يولج به خلف حبّ أو راقود، أو عدل أو حطب، ثم لا يأكله إلا وهو يتلفَّت يمينا وشمالا، كالذي يخاف أن يسلب ما أعطي، أو يعثر على سرقته فيعاقب. ثم ليس في الأرض خبثة إلا وهو يأكلها، مثل الخنافس والجعلان، وبنات وردان، والأوزاغ، والحيّات، والعقارب، والفأر، وكلّ نتن وكل خبثة، وكلّ مستقذر.
وهذه الأنعام تدخل الغيض، فتجتنب مواضع السموم بطبائعها، وتتخطاها ولا تلتفت لفتها. وربما أشكل الشيء على البعير، فيمتحنه بالشّمة الواحدة. فلا تغلط الإبل إلا في البيش وحده. ولا تغلط الخيل إلا في الدّفلى وحده.
والسنانير تموت عن أكل الأوزاغ والحيّات والعقارب، وما لا يحصى عدده من هذه الحشرات، فهذا يدلّ على جهل بمصلحة المعاش، وعلى حسّ غليظ وشره شديد.
قالوا: وكل أنثى من جميع الحيوان، ما خلا المرأة، فلا بدّ لها من هيج في زمان معلوم، ثم لا يعرف ذلك منها وفيها إلا بالدلائل والآثار، أو ببعض المعاينة.
وإناث السنانير، إذا هجن للسّفاد، آذين بصياحهنّ أهل القبائل ليلا ونهارا، بشيء ظاهر قاهر عليّ. لا يعتريهن فترة ولا ملالة ولا سآمة. فربّ رجل حرّ شديد الغيرة، وهو جالس مع نسائه وهنّ يتردّدن على مثل هذه الهيئة، ويصرخن في طلب السّفاد. فكم من حرة قد خجلت، وحرّ قد انتقضت طبيعته.
وليس لشيء من فحولتها مثل ذلك. فكل جنس في العالم من الحيوان فذكورته أظهر هيجا، إلا السّنانير.
وليس لشيء من فحولة الأجناس مثل الذي للجمل من الإزباد، وهجران الرّعي، وترك الماء، حتى تنضمّ أياطله، ويتورّم رأسه، ويكون كذلك الأيام الكثيرة. وهو في ذلك الوقت لو حمّل على ظهره- مع امتناعه شهرا من الطعام- ثلاثة أضعاف حمله لحملها.
ونظر المكيّ إلى جمل قد أزبد وتلغّم، وطار على رأسه منه كشقق البرس، وقد زمّ بأنفه، وهو يهدر ويقبقب، لا يعقل شيئا إلا ما هو فيه، فقال لإسماعيل بن غزوان: والله لوددت أن أهل البصرة رأوني يوما واحدا إلى الليل على هذه الصفة، وأنّي خرجت من قليل مالي وكثيره! فقال له إسماعيل: وأي شيء لك في ذلك؟ قال:
كنت والله لا أصبح حتى يوافي داري جميع نساء أهل البصرة، وجواريك فيهنّ فلا
أبدا إلا بهنّ! قال إسماعيل: إنك والله ما سبقتني إلا إلى القول، وأما النية والأمنيّة فأنا والله أتمنّى هذا منذ أنا صبيّ!.
وللحمار والفرس عند معاينة الحجر والأتان هيج وصياح، وقلق وطلب.
والجمل يقيم على تلك الصّفة عاين أو لم يعاين، ثم يدنى من هذه الذّكورة إناثها فلا تسمح بالإمكان إلا بعد أن تسوّى وتدارى.
قالوا: والسنانير إذا انتقل أربابها من دار إلى دار، كان وطنها أحبّ إليها منهم، وإن أثبتت أعيانهم. فإن هم حوّلوها فأنكرت الدار لم تقم على معرفتهم، فربما هربت من دارهم الحادثة ولم تعرف دارهم الأولى، فتبقى متردّدة: إما وحشية، وإما مأخوذة، وإما مقتولة.
والكلب يخلّي الدار، ويذهب مع أهل الدار. والحمام في ذلك كالسنور.
قال صاحب الكلب: السنور يسوى في صغره درهما، فإذا كبر لم يسو شيئا. وقال العمّيّ:
فإنّك فيما قد أتيت من الخناسفاها، وما قد ردت فيه بإفراط
كسنّور عبد الله، بيع بدرهمصغيرا فلمّا شبّ بيع بقيراط
وصاحب هذا الشعر، لو غبر مع امرئ القيس بن حجر، والنابغة الذّبياني، وزهير ابن أبي سلمى، ثم مع جرير والفرزدق، والراعي والأخطل، ثم مع بشار وابن هرمة، وابن أبي عيينة، ويحيى بن نوفل وأبي يعقوب الأعور، ألف سنة- لما قال بيتا واحدا مرضيا أبدا.
وقد يضاف هذا الشعر إلى بشّار، وهو باطل.
وزعم لي من لا أردّ خبره، أن الحلاق قد يعرض للسنانير، كما يعرض للخنازير والحمير.
وزعم لي بعض أهل النظر، أنّ الزّنج أشبهوا الحمير في كلّ شيء، حتى في الحلاق؛ فإنه ليس على ظهرها زنجيّ إلا وهو حلقيّ.
وقد غلط. ليس عليها زنجيّ عليه مؤونة من أن يناك. وليس هذا تأويل الحلاق. وتأويل الحلاق أن يكون هو الطالب.
والنبيذ يهتك ستر الحلقيّ، وينقض عزم المتجمّل. وهم يشربون النبيذ أبدا. وسوء الاحتمال له، وسرعة السكر إليهم عامّ فيهم.
وعندنا منهم أمم. فلو كان هذا المعنى حقّا لكان علمه ظاهرا. فخبّرني صاحبنا هذا أن في منزل أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي هرّين ذكرين عظيمين، يكوم أحدهما الآخر، وذلك كثيرا ما يكون. وأن المنكوح لا يمانع الناكح، ولا يلتمس منه مثل الذي يبذله له.
قالوا: والهرة تأكل أولادها. فكفاك بهذه الخصلة لؤما وشرها، وعقوقا وغلظ قلب! وقال السيّد الحميريّ- وذكر مسير عائشة، رضي الله تعالى عنها، إلى البصرة مع طلحة والزّبير، حين شهدت ما لم يشهدا، وأقدمت على ما نكصا عنه -:
جاءت مع الأشقين في هودجتزجي إلى البصرة أجنادها
كأنّها في فعلها هرّةتريد أن تأكل أولادها
ولبئس ما قال في أمّ المؤمنين وبنت الصدّيق! وقد كان قادرا على أن يوفّر على عليّ- ﵁ فضله، من غير أن يشتم الحواريّين، وأمّهات المؤمنين، ولو
أراد الحقّ لسار فيها وفي ذكرها سيرة علي بن أبي طالب. فلا هو جعل عليّا قدوة، ولا هو رعى للنبيّ ﷺ حرمة.
وذكورة سنانير الجيران تأكل أولاد الهرة، ما دمن صغارا أو فوق الصغار شيئا، وتقتلها وتطلبها أشدّ الطلب. والأمهات تحرسها منها وتقاتل دونها، مع عجزها عن الذكورة.
قال أبو إسحاق: السنور الذي هو السنور، هو المنمّر، وهو الأنمر، وهو الذي يقال له: البقّاليّ، وذلك لكثرة اتخاذ البقالين لها، من بين سائر السنانير، لأنها أصيد للفأر.
قال: وجميع ألوان السنانير إنما هي كالشّيات الدّاخلة على اللون.
قال: وكذلك الحمار، إنما هو الأخضر، والألوان الأخر داخلة عليه.
قال: فأما الأسد فليست بذات شيات، ولا تعدو لونا واحدا، ويكون ذلك اللون متقاربا غير متفاوت.
قال: ومن فضيلة ما في السنانير، أنها تضع في السّنة مرتين وكذلك الماعزة في القرى، إلا ما داس الحبّ.
قال: ويحدث لإناث السنانير من القوة والشجاعة إذا كامها الفحل وهرب منها عند الفراغ فلو لحقته قطّعته.
ويحدث للذكر استخذاء، كما يحدث للذئب القويّ إذا ناله الخدش اليسير، ويحدث للضعيف من الجرأة عليه حتى يثب عليه فيأكله؛ فلا يمتنع منه. كما قال الشاعر:
وكنت كذئب السّوء لما رأى دمابصاحبه يوما أحال على الدم
ويحدث مثل ذلك للجرذ إذا خصي، من الحرد على سائر الجرذان، حتى يثب فيقطّعها، وتهرب منه ضعفا عنه.
وسائر الحيوان إنما يعتريه الضّعف عن أمثاله إذا خصي وترك أمثاله على حالها.
ثم رجعنا إلى قول زرادشت في الفأر.
زعم زرادشت أن الفأرة من خلق الله. وأن السنّور من خلق الشيطان. فقيل للمجوس: ينبغي على أصل قولكم أن يكون الشيء الذي خلق الله خيرا كله ونفعا كلّه، ومرفقا كله، ويكون ما خلق الشيطان على خلاف ذلك. ونحن نجد عيانا أن الذي قلتم به خطأ. رأينا الناس كلهم يرون أن الفأر بلاء ابتلوا به، فلم يجدوا بدّا من الاحتيال لصرف مضرّته، كالداء النازل الذي يلتمس له الشفاء. ثم وجدناهم قد أقاموا السنانير مقام التداوي والتعالج، وأقاموا الفأر مقام الداء الذي أنزله الله، وأمر بالتداوي منه، فاجتلبوا لذلك السنانير وبنات عرس، ثم نصبوا لها ألوان الصيّادات، وصنعوا لها ألوان السّموم والمعجونات التي إذا أكلت منها ماتت. واستفرهوا السنانير واختاروا الصيّادات.
واجتبوا السّنّور دون ابن عرس، لأن ابن عرس يعمل في الفأر والطير كعمل الذّئب بالغنم، فأوّل ما يصنع بالفريسة أن يذبحها، ثم لا يأكلها إلا في الفرط.
والسّنّور يقتل ثم يأكل. فالفار من السنور أشدّ فزعا، وهو الذي قوبل به طباعها وطباعه.
وكما أن الذي يأكل الدجاج كثير، وأن الذي جعل بإزائه ابن آوى. وكما أن الذي يأكل الغنم كثير، والذي جعل بإزائها الذئب.
والأسد أقوى منه على النعجة، والنّعجة من الذّئب أشد فرقا.
والحيّات تطالب الفأر والجرذان، وهي من السنور أشد فزعا.
وإن كان في الجرذان ما يساوي السنور فإنها منه أشد فزعا.
فإن كنتم إنما جعلتموه من خلق الشيطان لأكله صنفا واحدا من خلق الله- فالأصناف التي يأكلها من خلق الشيطان أكثر.
وزعم زرادشت أن السّنّور لو بال في البحر، لقتل عشرة آلاف سمكة.
فإن كان إنما استبصر في ذمّه في قتل السمك فالسمك أحقّ بأن يكون من خلق الشيطان؛ لأن السمك يأكل بعضه بعضا، والذكر يتبع الأنثى في زمان طرح البيض، فكلما قذفت به التهمه. وإن غرق إنسان في الماء، بحرا كان أو واديا، أو بعض ذوات الأربع- فالسمك أسرع إلى أكله من الضّباع والسنور إلى الجيف.
وعلى أنّ اعتلاله على السنور، وقوله: لو بال في البحر قتل عشرة آلاف سمكة.
فما يقول فيمن زعم أن الجرذ لو بال في البحر قتل مائة ألف سمكة؟ وبأي شيء يبين منه؟ وهل ينبغي لمن كسر هذا القول الظاهر الكسر، المكشوف الموق أن يفرح؟! وهل تقرّ الجماعة والأمم بأنّ في الفأر شيئا من المرافق؟! وهل يمازج مضرّتها شيء من الخير وإن قلّ؟! أو ليست الفأر والجرذان هي التي تأكل كتب الله تعالى، وكتب العلم، وكتب الحساب؛ وتقرض الثّياب الثمينة، وتطلب سرّ نوى القطن، وتفسد بذلك اللّحف والدّواويج والجباب، والأقبية والخفاتين، وتحسو الأدهان، فإن عجزت أفواهها أخرجتها بأذنابها؟! أو ليست التي تنقب السّلال وتقرض الأوكية وتأكل الجرب حتى يعلّق المتاع في الهواء إذا أمكن تعليقه؟!.
وتجلب إلى البيوت الحيّات؛ للعداوة التي بينها وبين الحيّات، ولحرص الحيّات على أكلها، فتكون سببا في اجتماعها في منازلهم، وإذا كثرن قتلن النفوس.
وقال ابن أبي العجوز: لولا مكان الفأر لما أقامت الحيّات في بيوت الناس، إلا ما لا بال به من الإقامة.
وتقتل الفسيل والنخل، وتهلك العلف والزرع، وربما أهلكن القراح كله، وحملن شعير الكدس وبرّه.
أو ليس معلوما من أخلاقها اجتذاب فتائل المصابيح رغبة في تلك الأدهان، حتى ربما جذبتها جهلا وفي أطرافها الأخر السّرج تستوقد فتحرق بذلك القبائل الكثيرة، بما فيها من الناس والأموال والحيوان؟!.
وهي بعد آكل للبيض وأصناف الفراخ من الحيّات لها.
فكيف لم تكن من هذه الجهة من خلق الشيطان؟!.
هذا، وبين طباعها وطباع الإنسان منافرة شديدة، ووحشة مفرطة. وهي لا تأنس بالناس وإن طالت معايشتها لهم والسّنّور آنس الخلق بهم.
وكيف تأنس بهم وهم لا يقلعون عن قتلها ما لم تقلع هي عن مساءتهم؟! فلو كنّ مما يؤكل لكان في ذلك بعض المرفق. فكيف وإنها لتلقى في الطريق ميّتة، فما يعرض لها الكلب الجائع! فالأمم كلها على التفادي منها واتخاذ السنانير لها.
وزرادشت بهذا العقل دعا الناس إلى نكاح الأمهات، وإلى التوضؤ بالبول، وإلى التوكيل في نيك المغيبات، وإلى إقامة سور للسّنب، وصاحب الحائض والنفساء.
ولولا أنّه صادف دهرا في غاية الفساد، وأمّة في غاية البعد من الحرية ومن الغيرة والألفة، ومن التقزّز والتنظف، لما تمّ له هذا الأمر.
وقد زعم ناس أن ذلك إنما كان وإنما تمّ لأنه بدأ بالملك؛ فدعاه على قدر ما عرف من طباعه وشهوته وخلقه. فكان الملك هو الذي حمل على ذلك رعيّته.
والذي قال هذا القول ليس يعرف من الأمور إلا بقدر ما باين به العامّة؛ لأنه لا يجوز أن يكون الملك حمل العامّة على ذلك، إلا بعد أن يكون زرادشت ألفى
على ذلك الفساد أجناد الملك. ولم يكن الملك ليقوى على العامة بأجناده، وبعشرة أضعاف أجناده، إلا أن يكون في العامة عالم من الناس، يكونون أعوانا للأجناد على سائر الرعية.
وعلى أن الملوك ليس لها في مثل هذه الأمور علّة تدعو إلى المخاطرة بملكها، وإنما غاية الملوك كل شيء لا بد للملوك منه، فأمّا ما فضل عن ذلك فإنها لا تخاطر بأصول الملك تطلب الفضول، إلا من كان ملكه في نصاب إمامة، وإمامته في نصاب نبوّة، فإنه يتّبع كلّ شيء توجبه الشريعة، وإن كان ذلك سبيل الرأي؛ لأن الذي شرع الشريعة أعلم بغيب تلك المصلحة.
وقد ينبغي أن يكون ذلك الزمان كان أفسد زمان، وأولئك الأهل كانوا شرّ أهل. ولذلك لم تر قطّ ذا دين تحوّل إلى المجوسيّة عن دينه. ولم يكن ذلك المذهب إلا في شقّهم وصقعهم من فارس والجبال وخراسان. وهذه كلها فارسية.
فإن تعجّبت من استسقاطي لعقل كسرى أبرويز وآبائه، وأحبائه وقرابينه وكتّابه وأطبائه، وحكمائه وأساورته- فإني أقول في ذلك قولا تعرف به أني ليس إلى العصبيّة ذهبت.
اعلم أني لم أعن بذلك القول الذين ولدوا بعد على هذه المقالة، ونشؤوا على هذه الدّيانة، وغذوا بهذه النّحلة، وربّوا جميعا على هذه الملة؛ فقد علمنا جميعا أن عقول اليونانية فوق الدّيانة بالدهرية والاستبصار في عبادة البروج والكواكب؛ وعقول الهند فوق الديانة بطاعة البدّ، وعبادة البددة، وعقول العرب فوق الدّيانة بعبادة الأصنام والخشب المنجور، والحجر المنصوب، والصخرة المنحوتة.
فداء المنشأ والتقليد، داء لا يحسن علاجه جالينوس ولا غيره من الأطباء.
وتعظيم الكبراء، وتقليد الأسلاف، وإلف دين الآباء، والأنس بما لا يعرفون غيره، يحتاج إلى علاج شديد. والكلام في هذا يطول.
فإن آثرت أن تتعجب، حتى دعاك التعجّب إلى ذكر أبرويز- فاذكر سادات قريش، فإنهم فوق كسرى وآل كسرى.
وقال المحتجّ للسنانير: قد قالوا: «أبر من هرّة» و «أعق من ضبّ»، وهذا قول الذين عاينوها تأكل أولادها. وزعموا أن ذلك من شدة الحبّ لها. وقال بعضهم: إنما يعتريها ذلك من جنون يعتريها عند الولادة، وجوع يذهب معه علمها بفرق ما بين جرائها وجراء غيرها من الأجناس، ولأنها متى أشبعت أو أطعمت شطر شبعها لم تعرض لأولادها. والرد على الأمم أمثالها عمل مسخوط. والعرب لا تتعصب للسنّور على الضبّ؛ فيتوهّم عليها في ذلك خلاف الحقّ، وإنما هذا منكم على جهة قولكم في السنور إذا نجث لنجوه ثم ستره، ثم عاود ذلك المكان فشمّه فإذا وجد رائحة زاد عليه من التراب. فقلتم: ليس الكرم وستر القبيح أراد، وإنما أراد تأنيس الفأر. فنحن لا ندع ظاهر صنيعه الذي لا حكم له إلا الجميل لما يدّعي مدّع من تصاريف الضمير.
وعلى أن الذي قلتموه إن كان حقّا فالذي أعطيتموه من فضيلة التدبير أكثر مما سلبتموه من فضيلة الحياء.
قال: والعيون التي تسرج بالليل: عيون الأسد، والأفاعي؛ والسنانير، والنّمور.
والأسد سجر العيون. وعيون السنانير منها زرق، ومنها ذهبية، كعيون أحرار الطير وعتاقها. وعيون الأفاعي بين الزّرق والذهبية. وقال حسان بن ثابت:
ثريد كأنّ السّمن في حجراتهنجوم الثّريّا أو عيون الضّياون
الضيّون: السّنّور.
وإذا قال الناس: ثوب أزرق فإنهم يذهبون إلى لون واحد. وإذا وصفوا بذلك العين وقع على لونين؛ لأن البازي يسمى أزرق وكذلك العقاب، والزّرّق، وكل شيء ذهبي العين. فإذا قالوا: سنور أزرق لم يدر، أذهبوا إلى ألوان الثياب أم إلى ألوان عيون البزاة.
وقد قال صحار العبديّ حين قال له معاوية: يا أزرق! قال: البازي أزرق.
وأنشد:
ولا عيب فيها غير شكلة عينهاكذاك عتاق الطير شكل عيونها
والذهب قد يقال له أصفر، ويقال له أحمر.
وقال بعض بني مروان لبعض ولد متمّم بن نويرة: يا أحمر! قال: الذهب أحمر.
فلذلك زعم أن عتاق الطير شكل عيونها.
وقال الأخطل:
وما زالت القتلى تمور دماؤهمبدجلة حتى ماء دجلة أشكل
فالشّكلة عندهم تقع على الصّفرة والحمرة إذا خالطا غيرهما.
فمن الزرق من الناس صحار العبديّ، وعبد الرحمن ابنه، وداود بن متمّم بن نويرة، والعباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، ومرون بن محمد بن مروان، وسعيد بن قيس الهمداني، وزرقاء اليمامة. وهي عنز، من بنات لقمان بن عاديا.
ومن الزّرق ممن كانوا يتشاءمون به: قيس بن زهير، وكان أزرق وكان بكرا وابن بكرين.
وكانت البسوس زرقاء وبكرا بنت بكرين. ولها حديث لا أحقّه.
وكانت الزّبّاء زرقاء. والزرق العيون، من بني قيس بن ثعلبة، منهم المرقّشان، وغيرهما.
والحمر الحماليق، من بني شيبان. وكان النعمان أزرق، أقشر، أحمر العينين، أحمر الحماليق. وفيه يقول أبو قردودة حين نهى ابن عمار عن منادمته:
إني نهيت ابن عمّار وقلت لهلا تأمنن أحمر العينين والشّعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهمتطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدمواومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
وقال عبد الله بن همام السّلوليّ:
ولا يكوننّ مال الله مأكلةلكلّ أزرق من همدان مكتحل
وقال آخر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبركما كلّ ضبّيّ من اللؤم أزرق
وفي باب آخر يقول زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامهوضعن عصيّ الحاضر المتخيّم
وقال يونس: لم أر قرشيّا قطّ أحمر عروق العينين إلا كان سيّدا شجاعا.
وروي أن النبي ﷺ، كان أشكل العينين ضليع الفم.
قال: ونزل أبو الرّعل الجرميّ بعض قرى أنطاكية فلقي من جرذانها شرّا، فدعا عليها بالسنانير فقال:
يا رب شعث برى الإسآد أو جههمومنزل الحكم في طه وحاميم
أتح لشيخ ثوى بالشّام مغتربانائي النّصير بعيد الدّار مهموم
تكنّفته قريبات الخطى دكنوقص الرّقاب لطيفات الخراطيم
حجن المخالب والأنياب شابكةغلب الرّقاب رحيبات الحيازيم
ثاروا لهنّ فما تنفكّ من قنصلكلّ ذيّالة مقّاء علجوم
حتى أبيت وزادي غير منعكمعلى النّزيل ولا كرزي بمعكوم
وأنشدني ابن أبي كريمة، ليزيد بن ناجية السّعدي: سعد بن بكر، وكان لقي من الفأر جهدا، فدعا عليهنّ بالسنانير، فقال:
أزهير ما لك لا يهمّك ما بيأخزى إله محمد أصحابي
كحل العيون، صغيرة آذانهاجنح الحنادس يعتورن جرابي
شمّ الأنوف لريح كلّ قفيّةيلحظن لحظ مروّع مرتاب
دكن الجباب تدرّعت أبدانهاصعل الرّؤوس طويلة الأذناب
شخت المخالب والأنايب والشّوىثجل الخصور رحيبة الأقراب
أسقى الإله بلادهنّ سحائباغرّ النّشاص بعيدة الأطناب
ترمي بغبس كاللّيوث تسربلتمنها الجلود مدارع السّنجاب
غلب الرّقاب لطيفة أعجازهافطح الجباه رهيفة الأنياب
متبهنسات للطّراد كأنهاآساد بيشة أدمجت بخضاب
ونحن نظنّ أنّ هذه القصيدة من توليد ابن أبي كريمة.
والسّنور ثاقب البصر بالليل. وكذلك الفأرة سوداء العينين، وهي في ذلك ثاقبة البصر.
والسّنور ضعيف الهامة. وهامته من مقاتله. ولا يستطيع أن يذوق الطعام الحارّ والحامض.
قال: وللسنور فضيلة أخرى: أنه كثير الأسماء القائمة بأنفسها، غير المشتقات.
ولا أنها تجمع الصفات والأعمال، بل هي أسماء قائمة. من ذلك: القطّ، والهرّ، والضيّون، والسنّور.
وليس للكلب اسم سوى الكلب، ولا للدّيك اسم إلا الديك.
وليس للأسد اسم إلا الأسد واللّيث، وأمّا الضيغم، والخنابس، والرّئبال، وغيرها- فليست بمقطوعة، والباقي ليست بأسماء مقطوعة؛ ولا تصلح في كل مكان.
وكذلك الخمر. فإذا قالوا: قهوة، ومدامة، وسلاف، وخندريس وأشباه ذلك، فإنما تلك أسماء مشتركة. وكذلك السيف. وليس هذه الأسماء عند العامة كذلك.
قال: وعلى السّنور من المحبة، ولا سيما من محبّة النّساء، ومعه من الإلف والأنس والدنوّ، والمضاجعة والنوم في اللّحاف الواحد- ما ليس مع الكلب، ولا مع الحمام، ولا مع الدّجاج، ولا مع شيء مما يعايش الناس.
هذا، ومنها الوحشي والأهليّ فلولا قوّة حبّه للناس لما كان في هذا المعنى أكثر من الكلاب، والكلاب كلّها أهلية.
قالوا: وليس بعجيب أن يكون الكلب طيّب الفم؛ لكثرة ريقه، ولبعد قرابته ومشاكلته للأسد، وإنما العجب في طيب فم السنّور، وكأنه في الشّبه من أشبال الأسد.
ومن يقبّل أفواه السنانير وأجراءها من الخرائد وربّات الحجال، والمخدّرات، والمطهّمات، والقينات أكثر من أن يحصى لهنّ عدد، وكلهنّ يخبرن عن أفواهها بالطّيب والسلامة مما عليه أفواه السباع، وأفواه ذوات الجرّة من الأنعام.
وما رأينا وضيعة قطّ ولا رفيعة، قبّلت فم كلب أو ديك. وما كان ذلك من حارس قطّ، ولا من كلاب، ولا من مكلّب، ولا من مهارش.
والسنور يخضب، وتصاغ له الشنوف والأقرطة، ويتحف ويدلّل.
ومن رأى السنور كيف يختل العصفور، مع حذر العصفور، وسرعة طيرانه-
على أن جهته في الصيد جهة الفهد والأسد. ومن رآه كيف يرتفع بوثبته إلى الجرادة في حال طيرانها- علم أنه أسرع من الجرادة.
وله إهاب فضفاض، وقميص من جلده واسع، يموج فيه بدنه. وهو مما يضبع لسعة إبطيه، ولو شاء إنسان أن يعقد صلبه، ويثني أوّله على آخره، كما يثنى المخراق، وكما يثنى قضيب الخيزران لفعل.
ويوصف الفرس بأنه رهل اللّبان، رحيب الإهاب، واسع الآباط. وعيب الحمار للكزازة التي في يديه، وفي منكبيه، وانضمامهما إلى إبطيه، وضيق جلده، وإنما يعدو بعنقه.
قالوا: وللسنور تجّار وباعة، ودلّالون، وناس يعرفون بذلك. ولها راضة.
وقال السّنديّ بن شاهك: ما أعياني أحد من أهل الأسواق: من التجّار، ومن الباعة والصنّاع، كما أعياني أصحاب السنانير، يأخذون السنّور الذي يأكل الفراخ والحمام، ويواثب أقفاص الفواخت والوراشين والدّباسي والشّفانين، ويدخلونه في دنّ، ويشدّون رأسه، ثم يدحرجونه على الأرض حتى يشغله الدّوار، ثم يدخلونه في قفص فيه الفراخ والحمام، فإذا رآه المشتري رأى شيئا عجبا، وظنّ أنه قد ظفر بحاجته. فإذا مضى به إلى البيت مضى بشيطان، فيجمع عليه بليّتين إحداهما أكل طيوره وطيور الجيران، والثانية أنه إذا ضري عليها لم يطلب سواها.
ومررت يوما وأنا أريد منزل المكّي بالأساورة وإذا امرأة قد تعلّقت برجل وهي تقول: بيني وبينك صاحب المسلحة فإنك دللتني على سنّور، وزعمت أنه
لا يقرب الفراخ، ولا يكشف القدور، ولا يدنو من الحيوان، وزعمت أنك أبصر الناس بسنور، فأعطيتك على بصرك ودلالتك دانقا؛ فلما مضيت به إلى البيت مضيت بشيطان قد والله أهلك الجيران بعد أن فرغ منا. ونحن منذ خمسة أيام نحتال في أخذه، وها هو ذا قد جئتك به فردّ عليّ دانقي، وخذ ثمنه من الذي باعني. ولا والله إن تبصر من السنانير قليلا ولا كثيرا! قال الدلّال: انظروا بأيّ شيء تستقيلني ؟! ولا والله إن في ناحيتنا فتى هو أبصر بسنور منّي، وذلك من منّ سيّدي ومولاي! فقلت للدّلّال: ولا والله إن في هذه الناحية فتى هو أشكر لله منك.
وناس يأكلون السنانير ويستطيبونها. وليس يأكل الكلب أحد إلا في الفرط والعامة تزعم أن من أكل السّنّور الأسود لم يعمل فيه السحر. والكلب لا يؤكل.
والديك خبيث اللحم عضله، إلا أن يخصى. وتلك حيلة لأهل حمص وليست عندنا فيه حيلة. وقال جحشويه: كيف صبري عن مثل جمجمة الهرّ تثنّى بمسبطرّ متين
ليس يخفى عليك حين تراهاأنها عدّة لداء دفين
قالوا: وزعم بعض أهل الكتاب، وبعض أصحاب التفسير، أن السّكينة التي كانت في تابوت موسى كانت رأس هرّ.
قالوا: وقلتم في الاشتقاق من اسم الكلب: كليب، وكلاب، ومكلبة، ومكالب، وأصاب القوم كلبة الزمان، مثل هلبة، وهي الشدّة.
والكلاب واحدها كلب، وتجمع على كلاب وأكلب وكليب، كما يجمع البخت بخيتا وأبختا.
والكلّاب بتثقيل اللام: صاحب الكلاب. والمكلّب، بتثقيل اللام وضمّ الميم:
الذي يعلّم الكلاب الصّيد. وقال طفيل الغنويّ:
تباري مراخيها الزّجاج كأنهاضراء أحسّت نبأة من مكلّب
وقال الآخر:
خوص تراح إلى الصّداح إذا غدتفعل الضّراء تراح للكلّاب
والكلب: داء يقع في الإبل، فيقال كلبت الإبل تكلب كلبا، وأكلب القوم: إذا وقع في إبلهم الكلب. ويقال كلب الكلب واستكلب: إذا ضري وتعوّد أكل الناس، ويقال للرّجل إذا عضّه الكلب الكلب: قد كلب الرّجل.
ويقال: إن الرّجل الكلب يعضّ إنسانا آخر، فيأتون رجلا شريفا، فيقطر لهم من دم إصبعه، فيسقون ذلك الكلب فيبرأ. وقال الكميت:
أحلامكم لسقام الجهل شافيةكما دماؤكم يشفى بها الكلب
قالوا: فقد يقولون للسنور هرّ، وللأنثى هرّة. ويقال من ذلك هرّ الكلب يهرّ
هريرا، وتسمّى المرأة بهرّة، ويكنى الرّجل أبا هرّ، وأبا هريرة. وقال الأعشى:
ودّع هريرة إنّ الركب مرتحلوهل تطيق وداعا أيها الرجل
وقال امرؤ القيس:
دار لهرّ والرّباب وفرتنىولميس قبل تفرّق الأيّام
وقال ابن أحمر:
إنّ امرأ القيس على عهدهفي إرث ما كان بناه حجر
بنّت عليه الملك أطنابهاكأس رنوناة وطرف طمر
يلهو بهند فوق أنماطهاوفرتنى تسعى عليه وهر
قال: وللهرة ثمانية أطباء: أربعة تقابل أربعة، أوّلهنّ بين الإبط والصّدر، وآخرهنّ عند الرّفغ. وتحمل خمسين يوما، وتضع جراها عميا. وليس بين تفقيحها وتفقيح جراء الكلاب إلا اليسير.
والهرّة من الخلق الذي يؤثر على نفسه، ولها فضيلة في ذلك على الدّيك الذي له الفضيلة في ذلك على جميع الحيوان، إلا أن الديك لا يفعل ذلك بالدجاج إلا مادام شابّا. ولا يفعل ذلك بأولاده، ولا يعرفهم؛ وإنما يفعل ذلك بالدجاج على غير الزّواج، وعلى غير القصد إلى واحدة يقصد إليها بالهوى.
والهرّة يلقى إليها الشيء الطيب وهي جائعة، فتدعو أولادها، وقد استغنين عن اللبن، وأطقن الأكل والتقمّم والتكسّب، نعم حتى ربما فعلت ذلك بهنّ وهنّ في
العين شبيهات بها في العظم؛ فلا تزال ممسكة عن تلك الشحمة على جوعها، ومع شره السنانير، حتى يقبل ولدها فيأكله.
ورجل من أصحابنا ائتمنوه على مال، فشدّ عليه فأخذه، فلما لامه بعض نصحائه قال: يطرحون اللحم قدّام السّنّور فإذا أكله ضربوه! فضرب شره السنور مثلا لنفسه.
والهرّة ربما رموا إليها بقطعة اللحم، فتقصد نحوها حتى تقف عليها، فإذا أقبل ولدها تجافت عنها. وربما قبضت عليها بأسنانها فرمت بها إليه بعد شمّ الرائحة، وذوق الطعم.
والهرّة تنقل أولادها في المواضع، من الخوف عليها. ولا سبيل لها في حملها إلا بفيها. وهي تعرف دقّة أطراف أنيابها، وذرب أسنانها. فلها بتلك الأنياب الحداد ضرب من القبض عليها، والعضّ لها، بمقدار تبلغ به الحاجة، ولا تؤثّر فيها ولا تؤذيها.
فأما كفّها والمخالب المعقّفة الحداد التي فيها، فإنها مصونة في أكمامها.
فمتى وقعت كفّها على وجه الأرض صارت في صون، ومتى أرادت استعمالها نشرتها وافرة، غير مكلومة ولا مثلومة، كما وصف أبو زبيد كفّ الأسد فقال:
بحجن كالمحاجن في قنوبيقيها قضّة الأرض الدّخيس
كذلك مخالبها ومخالب الأسد، وأنياب الأفاعي. وقد قال الرّاجز، وهو جاهليّ:
حتّى دنا من رأس نضناض أصمّفخاضه بين الشّراك والقدم
بمذرب أخرجه من جوف كم
وزعم بعض المفسرين أن السنور خلق من عطسة الأسد، وأن الخنزير خلق من سلحة الفيل؛ لأن أصحاب التفسير يزعمون أن أهل سفينة نوح لما تأذّوا بكثرة الفأر وشكوا إلى نوح ذلك سأل ربّه الفرج، فأمره أن يأمر الأسد فيعطس. فلما عطس خرج من منخريه زوج سنانير: ذكر وأنثى. خرج الذّكر من المنخر الأيمن، والأنثى من المنخر الأيسر. فكفياهم مؤونة الجرذان. ولما تأذّوا بريح نجوهما شكوا ذلك إلى نوح، وشكا ذلك إلى ربّه. فأمره أن يأمر الفيل فليسلح. فسلح زوج خنازير فكفياهم مؤونة رائحة النجو.
وهذا الحديث نافق عند العوامّ، وعند بعض القصّاص.
وقد أنكر ناس أن يكون الفأر تخلّق في أرحام إناثها من أصلاب ذكورتها ومن أرحام بعض الأرضين كطينة القاطول؛ فإن أهلها زعموا أنهم ربما رأوا الفأرة لم يتمّ خلقها بعد، وإن عينيها لتبصّان، ثم لا يريمون حتى يتمّ خلقها وتشتدّ حركتها.
وقالوا: لا يجوز لشيء خلق من الحيوان أن يخلق من غير الحيوان. ولا يجوز أن يكون شيء له في العالم أصل أن يؤلّف الناس أشياء تستحيل إلى مثل هذا الأصل.
فأنكروا من هذا الوجه تحويل الشبه ذهبا، والزّيبق فضة.
وقد علمنا أن للنّوشاذر في العالم أصلا موجودا. وقد يصعّدون الشّعر ويدبّرونه حتى يستحيل كحجر النوشاذر، ولا يغادر منه شيئا في عمل ولا بدن.
وقد يدبّرون الرّماد والقلي فيستحيل حجارة سودا إذا عمل منها أرحاء كان لها في الرّيع فضيلة.
قالوا: وللمردارسنج في العالم أصل قائم. والرصاص يدبّر فيستحيل مرداسنجا. وللرّصاص في العالم أصل قائم، فيدبّرون المرداسنج فيستحيل رصاصا.
وللتّوتياء أصل قائم، فيدبرون أقليميا النّحاس فتستحيل توتياء.
وكذلك المينا، له أصل قائم، وقد عمله الناس.
وكذلك الحجارة السّود للطحين وغير ذلك.
فأما قولهم: لا يجوز أن يكون شيء من الحيوان يخلق من ذكر وأنثى- فيجيء من غير ذكر وأنثى- فقد قلنا في جميع ذلك في صدر كتابنا هذا بما أمكننا.
وقال: الحيّات كلها تعوم، إلا الأفاعي، فإنها لا يعوم منها إلا الجبليّات.
قال: والحيّة إن رأت حيّة ميتة لم تأكلها، ولا تأكل الفأر ولا الجرذان الميتة، ولا العصافير الميتة، مع حرص الحية عليها، ولا تأكل إلا لحم الشيء الحيّ، إلا أن يدخل الحوّاء في حلوقها اللحم إدخالا. فأما من تلقاء نفسها فإن وجدته، وهي جائعة لم تأكله.
فينبغي أن يكون صاحب المنطق إنما عنى بقوله: «أخبث ما تكون ذوات السموم إذا أكل بعضها بعضا» الابتلاع دون كل شيء. وهم لا يعرفون ذلك في
الحيّات إلا للأسود، فإنه ربما كان مع الأفاعي في جونة، فيجوع فيبتلعها. وذلك إذا أخذها من قبل رؤوسها، وإن رام ذلك من جهة الرأس فعضته الأفعى قتلته.
وزعموا أن الحية لا تصّاعد في الحائط الأملس ولا في غير الأملس، فإنما يقول ذلك أصحاب المخاريق والذين يستخرجون الحيات بزعمهم من السقوف، ويشمون أراييح أبدانها من أطراف القصب، إذا مسحوها في ترابيع البيوت.
قالوا: وقد تصعد الحيّات في الدّرج وأشباه الدّرج؛ لتطلب بيوت العصافير، والفأر، والخطاطيف، والزّرازير، والخفافيش، وتتحامى في السّقف.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع