تجاوز إلى المحتوى

من «البيزرة» لبازيار العزيز بالله (ت ق ٤هـ)

ذكر الصيد بالفهد وما يستحسن منه

أعلم أن الصيد بالفهد ثلاثة أصناف، فمنها أن يُنزل إلى الوحش ولا تعلم به، ومنها ما يكون مُجاودة، ومنها ما يُخلَّى وتطرد له الوحش، وهي ثلاثة أبواب ملاح، وأحسنها ما كان مجاودة. وزعم أرسطاطاليس أن الفهد تولَّد من سبعٍ ونمرٍ، ومن شأنه إذا وثب على طريدة لم يتنفس حتى يأخذها، فيحمي لذلك وتمتلئ رئته من الهواء الذي حبسته.

وسبيله أن يراح ريثما يخرج ذلك النفس، وتبرد تلك الغُلَّة، ويُشقّ له عن قلب الطريدة بعد تذكيتها، ويطعمه ويسقى ريه من الماء إن كان الزمان حاراً، ودون الري إن لم يكن الحر شديداً، ثم يُبتغى به طريدة أخرى، ولا يُكلَّف في يومه أكثر من خمسة اطلاق، وقد يصاد به في اليوم نحو عشرة اطلاق، وإن لم يُرَح لم يُفلح بعد ذلك. ومن طباعه الحياء وكثرة النوم والغضب. ولا يعلم أنه عاظل أنثى وهو في يد الأنس، وقد عني بمراعاة ذلك واجتُهد فيه فلم يُعرف منه، والأسد كثيراً يفعله.

وذكر بعض الفهادين العلماء بصيدها وطباعها، أنه يمسح الفهد والفهدة ويمر يده على جميع أعضائها فتسكن لذلك حتى تصيب يده موضع بعرها، فتقلق لذلك وتنعطف عليه لتعض يده. ونومه يضرب به المثل. قال بعض الشعراء يصف نومه:

فأما نومه في كل حينفعين الفهد لا تقضي كراها

وقال المكتفي ووصف يوم صيد بكثرة وحشه وضراءة فهوده:

فمضى يومنا بين فهود لا تشبع، وظباء لا تجزع. أخبر بذلك عنه أبو بكر محمد بن يحيى الصولي. وقال بعض الكتَّاب وعابة قوم بكثرة النوم ونُسِب إلى الإخلال بأعماله والتقصير في تنفيذ أموره:

رقدت مقلتي وقلبيَ يقظانُ يجسّ الأمور جسّاً شديداً
يُحمَدُ النومُ في الجواد كما لايمنع الفهد نومه أن يصيدا

وفي طباع الفهد مشاكلة لطباع الكلب حتى في ادوائه ودوائه، والنوم الذي يعتريه شبيه بنعاس الكلب. ومن قول الأعشى في صفة بخيل مماطل:

لاقى مطالا كنعاس الكلبِ

ورجع بنا القول إلى استتمام شرح الصيد بالدسيس وسبيله في صيده

غير سبيل المصحر وهو ابله جداً، لما يظهر منه في تعمُّله لستر شخصه وخفاء سره، ويرسل على بعد من الطريدة بعد أن يتشوّفها، ويتلطف لإرساله من غير قلق، فتراه يمر مثل عَناق الأرض رافعاً يداً وواضعاً أخرى، على وزن وقدرٍ متناسب، ما دامت الظباء ناكسة رؤوسها ترتعي، فإذا شالتها وخاف منها التنبه عليه أمسك على الصورة التي تنتهي به الحال إليها، لا يقدم ولا يؤخَّر، ولا يرفع الموضوعة ولا يضع المرفوعة فإذا طأطأت رؤوسها سلك سبيله الأولى، حتى تقول إنه في تلك الحال كحال القانص الذي وصفه رؤبة فقال:

فبات لو يمضغ شرياً ما بصقْ

وهذه المشية يقال لها الدألان والدأل والدألى يقال دأل له يدأل إذا مشى مشية الختل وأدى له يأدو له ودأيت أدأى وفي المثل والذئب يأدو الغزال ليأكله. وفي اللفظ الأول يقول الراجز:

اهدموا بيتك لا أبا لكاوزعموا أنه لا أخا لكا
للشاعر الضب، اقرأ القصيدة

وأنا أمشي الدألى حوالكا

وقال آخر:

أدَوتُ له لآكلهوهيهات الفتى حَذِرُ

وقد قال المحدثون في طرد الفهد شيئاً كثيراً نحن نذكر ما استحسناه إلا صيد الدسيس، فما وصفه واصف على حق صفة سوى بعض الكتَّاب فقال:

قد أسبق الأخوان بالتغليسِقبل غناء القَسّ والناقوسِ
والروض مثل حلة الطاوسِوالريح مثل نكهة الكؤوسِ
أو مثل ما أنثوه عن جليسيبطالعٍ مصحَّحٍ مَقيسِ
مبرّأٍ من نظر النحوسِأسعد بالنثليث والتسديسِ
بذي دهاء مضحك عبوسِجهم كُسي من صنعة القدوسِ
ديباجةً من أحسن اللَّبوسِكأنما يُبتزّ من عروسِ
إبليسَ أو أمكر من إبليسِختَّالٍ أظبٍ مخبِتِ الحسيسِ
طبّ بصيد عفرِها والعيسِلا مصحرٍ للوحش بل دسيسِ
لًطا لطوّ الحاملِ الحسيسِوالسطو سطو القادر الارّيسِ
له دبيبٌ ليسَ بالمحسوسِمثل دبيب الماء في الغُروسِ
فعلٌ كمتن الجحفل الخميسِوحشٌ يضاهي حيلة الأنيسِ
حتى إذا أفضى من التأنيسِإلى سكون النافر الشَّموسِ
وحمّتِ الآجالُ للنفوسِأبدلها من نعمةٍ ببوسِ
أسرع من عين إلى نفيسٍلاهٍ عن الخشفان بالتيوسِ
مبتدئاً منهن بالرؤوسِوجِدّة العيش إلى دروسِ

وما من الأيام من محروسِ

وقال آخر في صفة الفهد والطريدة:

بذلك أبغي الصيد طوراً وتارةًبمُخطفَة الاكفال رُحبِ الترائبِ
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
مرقّقةِ الأذناب نمرٍ ظهورهامخططة الآذان غُلب الغواربِ
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
مدرّبةٍ زرقٍ كأن عيونهاحواجل تستذري متون المراكبِ

الحوجلة القارورة، وتستذري يصف مكانها خلف الراكب، وأن ظهره يذريها أي يسترها والذرى الستر ومنه:

إذ قلَّبتها في العجاج حسبتهاسنا ضرَمٍ في ظلمة الليل ثاقبِ
مولعة فُطْس الجباه عوابستخال على أشداقها خط كاتبِ
نواصب آذان لطاف كأنهامَداهِنُ للأجراس من كل جانبِ
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
ذوات أشافٍ رُكَّبت في أكفهانوافذَ في صم الصخور نواشبِ
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
فوارس ما لم تلق حرباً ورَجْلةإذا آنست بالبيد شهب الكتائبِ
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
تضاءلُ حتى ما تكاد تُبينهاعيونٌ لدى الصيران غيرُ كواذبِ
حراص يفوت البرق أمكث جريهاضراء مِبَلاّت بطول التجاربِ
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
توسّد أجياد الفرائس أذرعاًمرمَّلةً تحكي عناق الحبائبِ
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة

وهذه تشتمل على معانٍ كثيرة وقد سرقها عبد الصمد بن المعذّل فقال يصف الفهد:

قد أغتدي والشمس في أوراقهالم تأذن السَّدفة في اشراقها
وصحبتي الأمجاد في أعراقهاعلى عتاق الخيل من عناقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
نُمر بنات القفر من أرزاقهاتغدو منايا الوحش في أطواقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
قد واثقتنا وهي في ميثاقهاوفيَّة ما الغدر من أخلاقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
مذمجةٌ هيِفٌ على أحناقهاباعدها التنهيم من أشباقها
ترى بأيديها لدى اتساقهاوصيدها بالقاع واتفاقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
مثل أشافي القين في انزلاقهاتقدّ ما تحبط باعتلاقها
قد التجار العصب من شقاقهاكأنها والخزر من حداقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
والخطط السود على أشداقهاتركٌ جرى الأثمد من آماقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
باتت إلى الصيد من اشتياقهاوجذبها الأعناق من ارباقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
كأسر العجم في أوهاقهاتضرم في العزاء من تنزاقها
تلهُّب النيران في احتراقهاحتى إذا آلت إلى متاقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
بالسهلة الوعساء من براقهافي مأمن الصيران من طرّاقها
ورعيها الناضر من طبَّاقهاوآنست بالطرف واستنشاقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
وجعلت تأشير من إقلاقهاحُلَّت وسمَّينا على إطلاقها
وقد حدرنا الوحش من آفاقهايسوقها الحَينُ إلى مساقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
إدناءك الحور إلى عشاقهاوهي على الغبراء في التزاقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
حدافة تخفى على رمَّاقهامن ختلها للوحش من اسفاقها
كأنها الحيَّات في اطراقهاأما رأيت الريح في انخراقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
ولمعة البارق في ائتلاقهاوغيبة الشؤبوب في انبعاقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
وطيرة الأقداح في انمراقهاتهوي هويّ الدلو في أرشاقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
ما أدرك الطرف سوى لحاقهاوهصرها الآرام واعتناقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
وخصفها الأيدي إلى أعناقهاشرك الضباع النعل في طراقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
شاصية تنشج في آماقهاتفحص في التامور من مهراقها
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
بطح الغواة الوفذ من زقاقهالا نصطفي منها سوى حُذاقها

بورك للأمير في رفاقها

وقال عبد الله بن المعتز يصف فهدة:

ولا صيد إلا بوثَّابةٍتطير على أربع كالعذَبْ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وحلو الدلال مليح الغضب»
فإن أطلقت من قلاداتهاوطار الغبار وجدّ الطلبْ
فزوبعة من بنات الرياحتريك على الأرض شيئاً عجبْ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وحلو الدلال مليح الغضب»
تضم الطريد إلى نحرهاكضم المحبة من لا يحب

قوله من لا يحب مبالغة في وصف تشبثها لأن ضم المحب من يعلم أنه لا يساعده على المحبة أشد توثقاً ولزاماً. وأخذ هذا من قول العرجي:

فتلازما عند الوداع صبابةأخْذَ الغريمِ ببعض ثوب المعسِرِ

والمعسر كاره لتعلق الغريم به، وكان الصواب أن يوقع تشبيهاً يدل على أن كل واحد منهما مضاهٍ لصاحبه بالملازمة، كما قال القائل وهو الجيد:

ثم اعتنقنا عناقاً ليس يبلغهتلاصق الطلع في طي الكوافير

وتشبيه ابن المعتز في هذا حسن لأن الفهد مجتهد في التشبث بالظبي (والظبي مجتهد في التشبث بالظبي) والظبي مجتهد في مغالبته وكذلك ضمّ المحب من لا يحبه:

إذا ما رأى عدوها خلفهتناجت ضمائره بالعطبْ
ألا رب يومٍ لها لا يُذَمّأراقت دماً وأغاثت سَغِبْ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وحلو الدلال مليح الغضب»
لها مجلس في مكان الرديفكتركية قد سبتها العربْ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وحلو الدلال مليح الغضب»
ومقلتها سائلٌ كحلُهاوقد حُلّيت سُبَجاً في ذهبْ
غدت وهي واثقة أنهاتفوز بزاد الخميس الجِبْ
فظلت لحوم ظباء الفلاةعلى الجمر معجلة تُنتهبْ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وحلو الدلال مليح الغضب»
كأن سكاكينهم نَشَّرتْمعصفرةً فوق جزل الحطبْ

والبيتان اللذان فيهما المعنى مأخوذان من قول عبد الصمد وهما:

كأنها والحُزرْ من حداقهاتُركٌ جرى الأثمد من آماقها

وزاد ابن المعتز عليه في ذكر الرديف. وقال الرقاشي في صفته:

لما غدا للصيد آل جعفرِرهطُ رسول الله آل المفخرِ
بفهدة ذاتِ شوىً مضبّرِوكاهل ناتٍ وعنق أزبرِ
ومقلة سال سوادُ المحجرِمنها إلى شدق رُحاب المفغر
وذنَبٍ طال وجلد أنمرِوأيطلَيْ مستأسدٍ عضنفرِ
وأذن مكسورة لم تجبرِفطساء فيها رحب في المنخرِ
مثل وَجار التتفُل المغوّرِأدبها اسحق في تقدّرِ
بالنقل والأشلاء غير ممترِكأن فوق الأعوجيّ الأشقرِ
مَلْكاً ترقى عتبات منبرِطرّاحة بالطرف ذي التسعرِ
بين الصوى والصحصان الأغبرِحتى إذا ما آنست كالأصورِ
سرب ظباء بكثيب أعفرِجاذبت المقود في تأمّرِ
وعلم العبدُ وإن لم يُخبَرِبحالها أطلقها كالقسورِ
تنساب كالحية في تستّرِفمرّ بين مقبل ومدبرِ
مَرّاً كلمع البرق لم يُفَتَّرِكأن نضج الأرجوان الأحمرِ

منها على الخدين والمعذّر

والمسنّ منها إذا صيد كان أسرع انساً وأقبل للتأديب من الجرو الذي يربى ويؤدب، لأن الجرو يخرج خِبّاً والمسنّ يخرج على التأديب صيوداً غير خِب، وليس شيء في مثل جسم الفهد إلا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابة التي يحمل على مؤخرها والأنثى أصيد وكذلك عامة إناث الجوارح وهو من الحداد الأسنان، ويدخل بعضها في بعض، وكذلك الأسد والكلب.

النص من طبعة المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب صيد الفهد وصفة ضراءته

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.