من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من شعر أبي العتاهية
حضر يعقوب بن إسحاق الكندي مجلساً فيه قينة، فقالت له: اقترح. فقال لها غني:
لو تجسّين يا عتيبة عرقيلوجدت الفؤاد قرحاً تفقّا
فقالت: إن أردت جسّ العروق والنظر إلى الأبوال فعليك بالبيمارستان.
هذا البيت في أبيات لأبي العتاهية إسماعيل بن القاسم ويكنى بأبي إسحاق وأبو العتاهية لقب وفيها:
قال لي أحمدٌ ليعلم ما بيأتحبّ الغداة عتبة حقّا
فتألّمت ثم قلت نعمها جرى في العروق عرقاً فعرقا
قد لعمري ملّ الطبيب وملّ العواد مني ممّا أُعنّى وأشقى
ليتني متّ فاسترحت فإنيأبداً ما حييت منها ملقّى
وكان أبو العتاهية سهل الشعر لينه، وتندر له الأبيات على صحة شعره فتحسن، وكان يقال: شعر أبي العتاهية سباطة الملوك تجد فيها الدرة والخرفة، وأنشد الجاحظ شعره فمجه فقال: ألفيته أملس المتون ليس له عيون.
وقد قال ابن الرومي لرجل أنشده شعراً سليماً من العيوب مطبوعاً عارياً من تدقيق المعاني: نحن أعزك الله نحب مع السلامة الغنيمة.
وكان الرشيد مغرماً بشعره مستظرفاً له. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ذكرت عند الرشيد بذم، وكان فيه أن قيل: هو يا أمير المؤمنين على حداثة سنه وقصر معرفته يخالفك؛ فيقدم العباس بن الأحنف على أبي العتاهية، فاستحضرني وقال: من أشعر عندك أبو العتاهية أم العباس؟ فعرفت ما أراد فقلت: أبو العتاهية: فقال: أنشدني للعباس فأنشدته أحسن ما أعرف له:
أُحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
صرت كأني ذبالةٌ نصبتتضيء للناس وهي تحترق
فقال: فأنشدني لأبي العتاهية فأنشدته أحسن ما أعرف له:
كأنّ عتّابة من حسنهادمية قسٍّ فتنت قسّها
يا ربّ لو أنسيتنيها بمافي جنّة الفردوس لم أنسها
إني إذاً مثل التي لم تزلدائرةً في طحنها كدسها
حتى إذا لم يبق منه سوىحفنة برٍّ خنقت نفسها
فقال: هذا الذي أنشدت لأبي العتاهية من أعابيثه التي لا يلقى بها بالاً، ولكن هلا أنشدتني قوله:
قال لي أحمد ولم يدر ما بيأتحبّ الغداة عتبة حقّا
وأشد الأبيات، ثم قال: أيحسن أحد أن يقول: فتنفست ثم قلت: نعم. قلت: لا يا أمير المؤمنين وما أحفظ الشعر. قال: احفظه! وكنت أعرف به منه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع