من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الطعام والموائد
وعلى ذكر الطعام. قال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنها زمن البرامكة على العفاة؛ ثم جاءنا بشراب كأنه دمعة اليتيم على باب القاضي:
قد جنّ أضيافك من جوعهمفاقرأ عليهم سورة المائده
وقال ابن الرومي يصف طعاماً أكله عند أبي بكر الباقطاني:
وسميطة صفراء ديناريّةثمناً ولوناً زفّها لك حزور
عظمت فكادت أن تكون أوزّةوهوت فكاد إهابها يتفطّر
ظلنا نقشّر جلدها عن لحمهاوكأنّ تبراً عن لجين يقشر
وتقدّمتها قبل ذاك ثرائدٌمثل الرياض بمثلهن يصدّر
ومرقّقات كلّهنّ مزخرفٌبالبيض منها ملبس ومدثّر
وأتت قطائف بعد ذاك لطائفٌترضى اللهاة بها ويرضى الحنجر
ضحك الوجوه من الطبرزد فوقهادمع العيون من الدهان يعصّر
ومن ملح ما قيل في القطائف، قول علي بن يحيى بن منصور بن المنجم:
قطائف قد حشيت باللّوزوالسكر الماذيّ حشو الموز
تسبح في آذيّ دهن الجوزسررت لمّا وقعت في حوزي
سرور عبّاس بقرب فوز
ولم يقل أحد في اللوزينج أحسن من قول ابن الرومي:
لا يخطئني منك لوزينجٌإذا بدا أعجب أو عجّبا
لم تغلق الشهوة أبوابهاإلا أبت زلفاه أن يحجبا
لو شاء أن يذهب في صخرةلسهّل الطيّب له مذهبا
يدور بالنّفخة في جامهدوراً ترى الدّهن له لولبا
عاون فيه منظرٌ مخبراًمستحسنٌ ساعد مستعذبا
مستكثف الحشو ولكنّهأرقّ قشراً من نسيم الصّبا
كأنما قدّت جلابيبهمن أعين القطر إذا قبّبا
يخال من رقة خرشائهشارك في الأجنحة الجندبا
لو أنه صوّر من خبزهثغرٌ لكان الواضح الأشنبا
من كل بيضاء يودّ الفتىأن يجعل الكفّ لها مركبا
مدهونة زرقاء مدفونةشهباء تحكي الأزرق الأشهبا
ملذّ عين وفم حسّنتوطيّبت حتى صبا من صبا
ذيق له اللّوز فما مرّةمرّت على الذائق إلاّ أبى
وانتقد السكّر نقّادهوشاوروا في نقده المذهبا
فلا إذا العين رأته نبتولا إذا الضرس علاه نبا
لا تنكروا الإدلال من وامقوجّه تلقاءكم المطلبا
هذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح بها أبا العباس أحمد بن محمد بن عبيد الله بن بشر المرثدي ويهنيه بابن له ولد، أولها:
بدرٌ وشمس ولدا كوكباأقسمت بالله لقد أنجبا
وقال أبو عثمان الناجم: دخلت على أبي الحسن وهو يعمل هذه القصيدة؛ فقلت له: لو تفاءلت لأبي العباس بسبعة من الولد؛ لأن عباس يجيء منكوساً سابع، فلو تصور ذلك لجاء المعنى ظريفاً؛ فقال بديهاً:
وقد تفاءلت له زاجراًكنيته لا زاجراً ثعلبا
إنّي تأمّلت له كنيةًإذا بدا مقلوبها أعجبا
يصوغها العكس أبا سابعوذاك فأل لم يعد معطبا
وقد أتاه منهم واحدٌفلننتظرهم ستّة غيّبا
في مدةٍ تغمرها نعمةيجعلها الله له ترتبا
حتى تراه جالساً بينهمأجلّ من رضوى ومن كبكبا
كالبدر وافى الأرض من نورهبين نجوم سبعة فاختبا
وليشكر الناجم عن هذهفإنّها من بعض ما بوّبا
أسدى وألحمت فتىً لم أزلأشكر ما أسدى وما سبّبا
وقال يصف الرؤوس والرغفان:
ما إن رأينا من طعامٍ حاضرنعتدّه لفجاءة الزوّار
كمهيئين من الطعام أصبحاشبهاً من الأبرار والفجّار
روس وأرغفة ضخام فخمةقد أخرجت من جاحم فوّار
كوجوه أهل الجنة ابتسمت لنامقرونة بوجوه أهل النار
ومن تشابيهه العقم:
ما أنس لا أنس خبّازاً مررت بهيدحو الرقاقة وشك اللّمع بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرةًوبين رؤيته قوراء كالقمر
إلاّ بمقدار ما تنداح دائرةٌفي صحفة الماء يرمى فيه بالحجر
وكان ابن الرومي منهوماً في المآكل وهي التي قتلته، وكان معجباً بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدي أن يبعث إليه كل يوم بوظيفة لا يقطعها، فبعث إليه منه يوم سبت ثم قطعه، فكتب إليه:
ما لحيتاننا جفتنا وأنّىأخلف الزائرون منتظريهم
جاء في السبت زورهم فأتينامن حفاظٍ عليه ما يكفيهم
وجعلناه يوم عيد عظيمٍفكأنّا اليهود أو نحكيهم
وأرهم مصمّمين على الهجر فلم يسخطون من يرضيهم
قد سبتنا فما أتتنا وكانوايوم لا يسبتون لا تأتيهم
فاتصل ذلك بالناجم فكتب إليه:
أبا حسنٍ أنت من لا تزال يحمد في الفضل رجحانه
فكم تحسن الظنّ بالمرثديّوقد قلّل الله إحسانه
ألم تدر أن الفتى كالسراب مإذا وعد الخير إخوانه
وبحر السراب يفوت الطلوب مفقل في طلابك حيتانه
وخرج ابن الرومي مع بعض إخوانه في حداثته إلى بعض المتنزهات، وقصدوا كرماً رازقياً، فشربوا هناك عامة يومهم، وكانوا يتهمونه في الشعر. فقالوا: إن كان ما تنشدنا لك فقل في هذا شيئاً. فقال: لا تريموا حتى أقول، ثم أنشد بديهاً:
ورازقيّ مخطف الخصوركأنّه مخازن البلّور
قد ضمّنت مسكاً إلى الشطوروفي الأعالي ماء وردٍ جوري
لم يبق من وهج الحرورإلاّ ضياء في ظروف نور
لو أنه يبقى على الدهورقرّط آذان الحسان الحور
بلا مزيد وبلا شذورله مذاق العسل المشور
وبرد مسّ الخصر المقرورونكهة المسك مع الكافور
ورقة الماء على الصدورباكرته والطير في الوكور
بفتيةٍ من ولد المنصورأملأُ للعين من البدور
حتى أتينا خيمة الناطورقبل ارتفاع الشمس للذرور
فانحطّ كالطاوي من الصقوربطاعة الراغب لا المقهور
والحرّ عبد الحلب المشطورحتى أتانا بضروع حور
مملوءة من عسلٍ محصوروالطّلّ مثل اللؤلؤ المنثور
ينساب مثل الحية المذعوربين سماطي شجرٍ مسطور
ناهيك للعنقود من ظهورفنيلت الأوطار في سرور
وكل ما يقضى من الأمورتعلّةٌ من يومنا المنظور
ومتعةٌ من متع الغرور
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع