من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
أبو عباد وزير المأمون وضيق صدره
وكان أبو عباد وزير المأمون ضيقاً جداً، قيل له: إن لقمان قال: ما شيء أشد من حمل الغضب. فقال: ولكنه عندي أخف من الريشة. قيل له: إنما عنى لقمان أن احتمال الغضب ثقيل. فقال: والله ما يقوى على الغضب أحد من الناس إلا الجمل.
وغضب يوماً على بعض أصحابه، فشجه بدواة كانت بين يديه. فقال: صدق الله حيث يقول: والذين إذا ما غضبوا هم يغفرون، فبلغ ذلك المأمون فضحك. فقال: ويلك! لا تحسن تقرأ آية من كتاب الله تعالى. قال: يا أمير المؤمنين؛ والله إني لأحسن أقرأ من سورة واحدة ألف آية. فضحك المأمون وأمر بإخراجه. ولم يكن جاهلاً. وإنما كان يجري عليه الغلط لفرط غيظه.
وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد: صف لي ثابت بن يحيى يريد أبا عباد. فقال: هو والله أحد من سيف سعيد بن العاص. فقال: والله ما أتبين من هذا شيئاً؟ فقال: إن حركته تبين لك الأمر.
فعرض أبو عباد يوماً عليه كتاباً وخرج، فلما قرب من الباب أمر المأمون برده؛ فرجع وقد تغير، فخاطبه وتركه ينصرف. فلما كاد يركب أمر برده. فلما عرف الرسول تناول الدواة من غلامه، وقال: الساعة والله أضرب بها وجهك يابن الخبيثة، كان ينبغي لك أن تقول قد ذهب إلى النار. ورجع، فقال له المأمون: اعرض فيما تعرض علي حوائج الهاشميين. قال: نعم! وقل كل ما تريد فلست أرجع إليك اليوم بعد هذا، ولو قمت أنت بنفسك! فضحك المأمون، وقال: قاتل الله دعبلاً يريد قوله:
أولى الأمور بضيعةٍ وفسادأمرٌ يدبّره أبو عبّاد
وكأنه من دير هرقل خارجٌحرجاً يجرّ سلاسل الأقياد
وقيل للمأمون: إن دعبلاً هجاك فقال:
أيسومني المأمون خطّة ظالمٍأوما رأى بالأمس رأس محمّد
يربى على رأس الخلائق مثلماتربى الجبال على رؤوس القردد
إني من القوم الذين هم همقتلوا أخاك وشرّفوك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خمولهواستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال: هو يهجو أبا عباد ولا يهجوني يريد أبا عباد حرج حديد، والمأمون حليم متساهل.
وقال المأمون لما سمع هذا الشعر: ما في الدنيا أصفق وجهاً من دعبل ولا أبهت، كيف يستنقذني هو وقومه من الحضيض الأوهد، وأنا في حجر الخلافة ربيت، وبدرها غذيت، وإنما قال هذا دعبل: لأن طاهر بن الحسين قتل أخاه، وطاهر مولى خزاعة قوم دعبل.
أنشد شاعر أبا عباد قصيدة طويلة، فضاق ضيقاً عظيماً، ثم تجمل معه في استماعها حتى أتمها؛ فقام رجل من أصحابه يعرف بالغالبي؛ فأنشد قصيدة أخرى فسمعها، وقد بلغ الضيق به منتهاه؛ فقال فيها:
ثبتت رحى ملك الإمام بثابتٍوأفاض فيها العدل والإحسانا
يقري الوفود طلاقةً وبشاشةًوالناكثين مهنّداً وسنانا
فقال أبو عباد: مهلاً مهلاً، إنما أنا كاتب ليست هذه صفتي، هذه صفة حميد الطوسي. فضحك الحاضرون، وزاد ضيق أبي عباد لضحكهم وخجل الرجل. فقال: ما زلت للعافين غيثاً ممرعاً متخرقاً في جوده.... وأنسي من الدهش من غيظه أبي عباد باقي البيت، فأقبل يردد متخرقاً في جوده. فقل: قل قرنانا صفعانا، ودعنا نستريح. فقال: يا سيدي معواناً، وخرج مولياً، فأمر له بعشرة آلاف درهم.
قال إبراهيم بن العباس الصولي: لو وزنت كلمات النبي ﷺ إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم بكلام أهل الأرض لرجحت، هذا أبو عباد لم يكن في زمانه أكرم منه، وما يكاد يرى له شاكراً لسوء خلقه.
كان أبو عباد يقول: ما جلس أحد بين يدي، إلا ظننت أني سأجلس بين يديه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع