من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان اللارندة
وسلطانها الملك بدر الدين بن قرمان (بفتح القاف والراء)، وكانت قبله لشقيقه موسى فنزل عنها للملك الناصر وعوضه عنها بعوض وبعث إليها أميرًا وعسكرًا، ثم تَغَلَّبَ عليها السلطان بدر الدين وبنى بهادار مملكته واستقام أمره بها ولقيت هذا السلطان خارج المدينة وهو عائد من تصيده فنزلت له عن دابتي فنزل هو عن دابته وسلمْتُ عليه وأقبل علي، ومن عادة ملوك هذه البلاد أنه إذا نزل لهم الوارد عن دابته نزلوا له وأعجبهم فعله وزادوا في إكرامه، وإن سلم عليهم راكبًا ساءهم ذلك ولم يُرْضِهِمْ ويكون سببًا لحرمان الوارد، وقد جرى لي ذلك مع بعضهم وسأذكره، ولما سلمت عليه ورَكِبَ وركبْتُ سألني عن حالي عن مقدمي ودخلت معه المدينة، فأمر بإنزالي أحسن نُزُلٍ، وكان يبعث الطعام الكثير والفاكهة والحلواء في طيافير الفضة والشمع وكسا وأركب وأحسن ولم يطل مقامنا عنده، وانصرفنا إلى مدينة أقصرا (وضبطها بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الصاد المهمل والراء)، وهي من أحسن بلاد الروم وأتقنها، تَحُفُّ بها العيون الجارية والبساتين من كل ناحية، ويشق المدينة ثلاثة أنهار، ويجري الماء بدورها، وفيها الأشجار ودوالي العنب، وداخلها بساتين كثيرة، وتُصْنَع بها البسط المنسوبة إليها من صوف الغنم لا مثل لها في بلد من البلاد، ومنها تُحْمَل إلى الشام ومصر والعراق والهند والصين وبلاد الأتراك، وهذه المدينة في طاعة ملك العراق، ونزلنا منها بزاوية الشريف حسين النائب بها عن الأمير أرتنا، وأرتنا هو النائب عن ملك العراق فيما تَغَلَّبَ عليه من بلاد الروم، وهذا الشريف من الفتيان وله طائفة كثيرة وأكرمنا إكرامًا متناهيًا وفعل أفعال من تقدمه.
ثم رحنا إلى مدينة نكدة (وضبط اسمها بفتح النون وإسكان الكاف ودال مهمل مفتوح)، وهي من بلاد ملك العراق مدينة كبيرة كثيرة العمارة قد تخرب بعضها، ويشقها النهر المعروف بالنهر الأسود، وهو من كبار الأنهار عليه ثلاث قناطر إحداها بداخل المدينة وثنتان بخارجها وعليه النواعير بالداخل والخارج منها تسقى البساتين والفواكه بها كثيرة، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي جاروق وهو الأمير بها، فأكرمَنَا — على عادة الفتيان — وأقمنا بها ثلاثًا، وسِرْنا منها بعد ذلك إلى مدينة قيسارية وهي من بلاد صاحب العراق وهي إحدى المدن العظام بهذا الإقليم بها عسكر أهل العراق وإحدى خواتين الأمير علاء الدين أرتنا المذكور، وهي من أكرم الخواتين وأفضلهن ولها نسبة من ملك العراق وتدعى أغا (بفتح الهمزة والغين المعجم)، ومعنى أغا الكبير وكل من بينه وبين السلطان نسبة يدعى بذلك واسمها طغى خاتون، ودخلنا إليها فقامت لنا وأحسنت السلام والكلام وأمرت بإحضار الطعام فأكلنا، ولما انصرفنا بعثت لنا بفرس مسرج ملجم وخلعة ودراهم مع أحد غلمانها واعتذرت، ونزلنا من هذه المدينة بزاوية الفتى الأخي أمير علي وهو أمير كبير من كبار الأخية بهذه البلاد وله طائفة تتبعه من وجوه المدينة وكبرائها، وزاويته أحسن الزوايا فرشًا وقناديل وطعامًا كثيرًا وإتقانًا، والكبراء من أصحابه وغيرهم يجتمعون كل ليلة عنده ويفعلون في إكرام الوارد أضعاف ما يفعله سواهم، ومن عوائد هذه البلاد أنه ما كان منها ليس به سلطان، فالأخي هو الحاكم به وهو يُرْكِب الوارد ويكسوه ويُحْسِن إليه على قَدْرِه وترتيبه في أمره ونهيه وركوبه ترتيب الملوك.
ثم سافرنا إلى مدينة سيواس (وضبط اسمها بكسر السين المهمل وياء مد وآخره سين مهمل)، وهي من بلاد ملك العراق وأعظم ما له بهذا الإقليم من البلاد وبها منزل أمرائه وعماله مدينة حسنة العمارة واسعة الشوارع أسواقها غاصة الناس وبها دار مثل المدرسة تسمى دار السيادة لا ينزلها إلا الشرفاء، ونقيبهم ساكن بها، وتجرى لهم فيها مدة مقامهم الفرش والطعام والشمع وغيره فيزودون إذا انصرفوا، ولما قدمنا إلى هذه المدينة خرج إلى لقائنا أصحاب الفتى آخي أحمد بجقجي وبجق بالتركية السكين وهذا منسوب إليه، والجيمان منه معقودان بينهما قاف وباؤه مكسورة، وكانوا جماعة منهم الركبان والمشاة، ثم لقينا بعدهم أصحاب الفتى أخي جلبي وهو من كبار الأخية وطبقته أعلى من طبقة أخي بجقجي، فطلبوا أن ننزل عندهم فلم يمكن لي ذلك لسبق الأولين، ودخلنا المدينة معهم جميعًا وهم يتفاخرون، والذين سبقوا إلينا قد فرحوا أشد الفرح بنزولنا عندهم، ثم كان من صنيعهم في الطعام والحمام والمبيت مثل صنيع من تقدم، وأقمنا عندهم ثلاثة في أحسن ضيافة، ثم أتانا القاضي وجماعة من الطلبة ومعهم خيل الأمير علاء الدين أرتنا نائب ملك العراق ببلاد الروم، فركبنا إليه واستقبلنا الأمير إلى دهليز داره فسلم علينا ورحب وكان فصيح اللسان بالعربية وسألني عن العراقين وأصبهان وشيراز وكرمان وعن السلطان أتابك وبلاد الشام ومصر وسلاطين التركمان، وكان مراده أن أشكر الكريم منهم وأذم البخيل فلم أفعل ذلك، بل شكرت الجميع فسر بذلك مني وشكرني عليه، ثم أحضر الطعام فأكلنا وقال: تكونون في ضيافتي، فقال له الفتى: أخي جلبي أنهم لم ينزلوا بعد بزاويتي فليكونوا عندي وضيافتك تصلهم فقال: افعل، فانتقلنا إلى زاويته وأقمنا بها ستًّا في ضيافته وفي ضيافة الأمير، ثم بعث الأمير بفرس وكسوة ودراهم وكتب لنوابه بالبلاد أن يضيفونا ويكرمونا ويزودونا.
وسافرنا إلى مدينة أماصبة، (وضبط اسمها بفتح الهمزة والميم وألف وصاد مهمل مكسور وياء آخر الحروف مفتوحة)، مدينة كبيرة حسنة ذات أنهار وبساتين وأشجار وفواكه كثيرة وعلى أنهارها النواعير تسقي جنانها ودورها وهي فسيحة الشوارع والأسواق، وملكها صاحب العراق ويقرب منها بلدة سونسي (وضبط اسمها بضم السين المهمل وواو مد ونون مضموم وسين مهمل مفتوح)، وهي لصاحب العراق أيضًا وبها سكنى أولاد ولي الله تعالى أبي العباس أحمد الرفاعي، منهم الشيخ عز الدين، وهو الآن شيخ الرواق وصاحب سجادة الرفاعي، وإخوته الشيخ علي والشيخ إبراهيم والشيخ يحيى أولاد الشيخ أحمد كوجك، ومعناه الصغير ابن تاج الدين الرفاعي، ونزلنا بزاويتهم ورأينا لهم الفضل على من سواهم، ثم سافرنا إلى مدينة كمش (وضبط اسمها بضم الكاف وكسر الميم وشين معجم)، وهي من بلاد ملك العراق، مدينة كبيرة عامرة يأتيها التجار من العراق والشام وبها معادن الفضة وعلى مسيرة يومين منها جبال شامخة وعْرَة لم أَصِل إليها، ونزلنا منها بزاوية الأخي مجد الدين وأقمنا بها ثلاثًا في ضيافته وفعل أفعال من قبله وجاء إلينا نائب الأمير أرتنا وبعث بضيافة وزاد، وانصرفنا على تلك البلاد فوصلنا إلى أرزنجان (وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي وسكون النون وجيم وألف ونون)، وهي من بلاد صاحب العراق مدينة كبيرة عامرة وأكثر سكانها الأرمن والمسلمون يتكلمون بها التركية ولها أسواق حسنة الترتيب ويصنع بها ثياب حسان تنتسب إليها، وفيها معادن النحاس ويصنعون منه الأواني والبياسيس التي ذكرناها وهي شبه المنار عندنا، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي نظام الدين، وهي من أحسن الزوايا، وهو أيضًا من خيار الفتيان، وكبارهم أضافنا أحسن ضيافة.
وانصرفنا إلى مدينة أرز الروم وهي من بلاد ملك العراق كبيرة الساحة خرب أكثرها بسبب فتنة وقعت بين طائفتين من التركمان بها، ويشقها ثلاثة أنهار وفي أكثر دورها بساتين فيها الأشجار والدوالي، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي طومان وهو كبير السن، يقال: إنه أناف على مائة وثلاثين سنة، ورأيته يَتَصَرَّف على قدميه متوكئًا على عصًا ثابت الذهن مواظبًا للصلاة في أوقاتها لم نُنْكِر من نفسه شيئًا، إلا أنه لا يستطيع الصوم، وخَدَمَنَا بنفسه في الطعام وخَدَمَنَا أولاده في الحمام، وأردنا الانصراف عنه ثاني يوم نزولنا فشق عليه ذلك وأبى منه وقال: إن فعلتم نقصتم حرمتي، وإنَّ أَقَلَّ الضيافة ثلاث، فأقمنا لديه ثلاثًا.
ثم انصرفنا إلى مدينة بركي (وضبط اسمها بباء موحدة مكسورة وكاف معقود مكسور بينهما راء مسكن)، ووصلنا إليها بعد العصر فلقينا رجلًا من أهلها فسألناه عن زاوية الأخي بها فقال: أنا أدلكم علينا، فاتبعناه فذهب بنا إلى منزل نفسه في بستان له، فأنزلنا بأعلى سطح بيته والأشجار مظللة وذلك أوان الحر الشديد، وأتى إلينا بأنواع الفاكهة وأحسن في ضيافته وعلف دوابنا وبتنا عنده تلك الليلة وكنا قد تَعَرَّفْنا أن بهذه المدينة مدرسًا فاضلًا يسمى بمحيي الدين، فأتى بنا ذلك الرجل الذي بتنا عنده وكان من الطلبة إلى المدرسة وإذا بالمدرس قد أقبل راكبًا على بغلة فارهة ومماليكه وخدامه عن جانبيه والطلبة بين يديه وعليه ثياب مفرجة حسان مطرزة بالذهب، فسلمنا عليه فرحب بنا وأحسن السلام والكلام وأمسك بيدي وأجلسني إلى جانبه، ثم جاء القاضي عز الدين فرشتي ومعنى فرشتي الملك لقب بذلك لدينه وعفافه وفضله، فقعد عن يمين المدرس وأخذ في تدريس العلوم الأصلية والفرعية، ثم لما فرغ من ذلك أتى دويرة بالمدرسة فأمر بفرشها وأنزلني فيها وبعث ضيافة حافلة، ثم وجه إلينا بعد المغرب فمضيت إليه فوجدته في مجلس ببستان له وهنالك صهريج ماء ينحدر إليه الماء من خصة رخام أبيض يدور بها القاشاني وبين يديه جملة من الطلبة ومماليكه وخدامه وقوف عن جانبيه وهو قاعد على مرتبة عليها أقطاع منقوشة حسنة فخلته لما شاهدته ملكًا من الملوك، فقام إلي واستقبلني وأخذ بيدي وأجلسني إلى جانبه على مرتبته وأتي بالطعام فأكلنا وانصرفنا إلى المدرسة، وذَكَرَ لي بعض الطلبة أن جميع من حَضَر تلك الليلة من الطلبة عند المدرس فعادتهم الحضور لطعامه كل ليلة، وكتب هذا المدرس إلى السلطان بخبرنا وأثنى في كتابه، والسلطان في جبل هنالك يصيف فيه لأجل شدة الحر، وذلك الجبل بارد، وعادته أن يصيف فيه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع