تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان بركي

وهو السلطان محمد بن آيدين من خيار السلاطين وكرمائهم وفضلائهم، ولما بَعَثَ إليه المدرس يُعْلِمه بخبري وَجَّهَ نائبه إليَّ لآتيه، فأشار عليَّ المدرس أن أُقِيمَ حتى يبعث عني ثانية وكان المدرس إذ ذاك قد خرجت برجله قرحة لا يستطيع الركوب بسببها وانقطع عن المدرسة، ثم إن السلطان بعث في طلبي ثانية فشق ذلك على المدرس فقال: أنا لا أستطيع الركوب ومن غرضي التوجه معك لأقرر لدى السلطان ما يجب لك، ثم إنه تحامَلَ ولَفَّ على رجله خرقًا وركب ولم يضع رجله في الركاب ورَكِبْتُ أنا وأصحابي وصعدنا إلى الجبل في طريق قد نُحِتَتْ وسُوِّيَتْ، فوصلنا إلى موضع السلطان عند الزوال فنزلنا على نهر ماء تحت ظلال شجر الجوز وصادَفْنا السلطان في قلق وشغل بالٍ بسبب فرار ابنه الأصغر سليمان عنه إلى صهره السلطان أرخان بك، فلما بلغه خبر وصولنا بعث إلينا ولديه خضر بك وعمر بك فسَلَّمَا على الفقيه وأمرهما بالسلام عليَّ ففعلا ذلك، وسألاني عن حالي ومقدمي وانصرفا، وبعث إلي ببيت يسمى عندهم الخرقة (خركاه) وهو عصًى من الخشب تجمع شبه القبة وتُجْعَل عليها اللبود ويُفْتَح أعلاه لدخول الضوء والريح مثل البادهنج ويُسَدُّ متى احتيج إلى سَدِّه، وأتوا بالفرش ففرشوه وقَعَدَ الفقيه وقعدت معه، وأصحابه وأصحابي خارج البيت تحت ظلال شجر الجوز، وذلك الموضع شديد البرد، ومات لي تلك الليلة فرس من شدة البرد، ولما كان من الغد رَكِبَ المدرس إلى السلطان وتَكَلَّمَ في شأني بما اقتضته فضائله ثم عاد إلي وأعلمني بذلك وبعد ساعة وجه السلطان في طلبنا معًا فجئنا إلى منزله ووجدناه قائمًا فسلمنا عليه وقعد الفقيه عن يمينه وأنا مما يلي الفقيه، فسألني عن حالي ومقدمي وسألني عن الحجاز ومصر والشام واليمن والعراقين وبلاد الأعاجم، ثم حضر الطعام فأكلنا وانصرفنا وبعث الأرز والدقيق والسمن في كروش الأغنام وكذلك فعل الترك.

وأقمنا على تلك الحال أيامًا يبعث إلينا في كل يوم فنحضر طعامه، وأتى يومًا إلينا بعد الظهر وقعد الفقيه في صدر المجلس وأنا عن يساره وقعد السلطان عن يمين الفقيه وذلك لعزة الفقهاء عند الترك، وطلب مني أن أكتب له أحاديث من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتبْتُها له وعَرَضَهَا الفقيه عليه في تلك الساعة، فأمره أن يكتب له شرحها باللسان التركي، ثم قام فخرج ورأى الخدام يطبخون لنا الطعام تحت ظلال الجوز بغير إبزار ولا خضر، فأمر بعقاب صاحب خزانته وبعث بالأبرار والسمن، وطالت إقامتنا بذلك الجبل فأدركني الملل وأردت الانصراف، وكان الفقيه أيضًا قد مل من المقام هنالك، فبعث إلى السلطان يخبره أني أريد السفر، فلما كان من الغد بعث السلطان نائبه فتكلم مع المدرس بالتركية ولم أكن إذ ذاك أفهمها، فأجابه عن كلامه وانصرف، فقال لي المدرس: أتدري ماذا قال؟ قلت: لا أعرف ما قال، قال: إن السلطان بعث إليَّ ليسألني ماذا يعطيك، فقلت له: عنده الذهب والفضة والخيل والعبيد، فلْيُعْطِه ما أحب من ذلك، فذهب إلى السلطان.

ثم عاد إلينا فقال: إن السلطان يأمر أن تقيما هنا اليوم وتنزلا معه غدًا إلى داره بالمدينة، فلما كان من الغد بعث فرسًا جيدًا من مراكبه ونزل ونحن معه إلى المدينة فخرج الناس لاستقباله وفيهم القاضي المذكور آنفًا وسواه ودخل السلطان ونحن معه، فلما نزل بباب داره ذهبْتُ مع المدرس إلى ناحية المدرسة، فدعا بنا وأَمَرَنَا بالدخول معه إلى داره، فلما وَصَلْنَا إلى دهليز الدار وجَدْنا من خدامه نحو عشرين، صُوَرُهُم فائقة الحسن وعليهم ثياب الحرير وشعورهم مفروقة مُرْسَلة وألوانهم ساطعة البياض مُشْرَبة بحمرة، فقلت للفقيه: ما هذه الصور الحسان؟ فقال: هؤلاء فتيان روميون، وصعدنا مع السلطان دَرَجًا كثيرة إلى أن انتهينا إلى مجلس حسن في وسطه صهريج ماء، وعلى كل ركن من أركانه صورة سبع من نخاس يمج ماء من فيه وتدور بهذا المجلس مصاطب متصلة مفروشة، وفوق إحداها مرتبة السلطان، فلما انتهينا إليها نحى السلطان مرتبته بيده وقعد معنا على الإقطاع وقَعَدَ الفقيه عن يمينه والقاضي مما يلي الفقيه وأنا مما يلي القاضي، وقعد القراء أسفل المصطبة والقراء لا يفارقونه حيث كان من مجالسه، ثم جاءوا بصحاف من الذهب والفضة مملوءة بالجلاب المحلول، قد عُصِرَ فيه ماء الليمون وجُعِلَ فيه كعكات صغار مقسومة وفيها ملاعق ذهب وفضة، وجاءوا معها بصحاف صيني فيها مثل ذلك وفيها ملاعق خشب، فمن تَوَرَّعَ استعمل صحاف الصيني وملاعق الخشب، وتكلمْتُ بشكر السلطان وأثنيْتُ على الفقيه وبالَغْتُ في ذلك فأَعْجَبَ ذلك السلطان وسَرَّهُ.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.