تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان أكريدور

وسلطانها أبو إسحاق بك بن الدندار بك من كبار سلاطين تلك البلاد، سكن ديار مصر أيام أبيه وحج وله سِيَر حسنة، ومن عادته أنه يأتي كل يوم إلى صلاة العصر بالمسجد الجامع، فإذا قُضِيَتْ صلاة العصر استند إلى جدار القبلة وقعد القراء بين يديه على مصطبة خشب عالية فقرءوا سورة الفتح والملك وعَمَّ بأصوات حسان فعالة في النفوس تَخْشَع لها القلوب وتقشعر الجلود وتدمع العيون، ثم ينصرف إلى داره، وأظلَّنَا عنده شهرُ رمضان، فكان يقعد في كل ليلة منه على فراش لاصق بالأرض من غير سرير ويستند إلى مخدة كبيرة ويجلس الفقيه مصلح الدين إلى جانبه وأجلس إلى جانب الفقيه ويلينا أرباب دولته وأمراء حضرته، ثم يؤتى بالطعام فيكون أول ما يفطر عليه ثريد في صحفة صغيرة عليه العدس مسقيٌّ بالسمن والسكر ويقدمون الثريد تبركًا، ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم فضَّلَه على سائر الطعام، فنحن نبدأ به لتفضيل النبي له، ثم يؤتى بسائر الأطعمة وهكذا فِعْلُهم في جميع ليالي رمضان، وتوفي في بعض تلك الأيام ولد السلطان فلم يزيدوا على بكاء الرحمة كما يفعله أهل مصر والشام خلافًا لما قدمناه من فعل أهل اللور حين مات ولد سلطانهم، فلما دُفِنَ أقام السلطان والطلبة ثلاثة أيام يخرجون إلى قبره بعد صلاة الصبح، وفي ثاني يوم مِنْ دَفْنه خرجْتُ مع الناس فرآني السلطان ماشيًا على رجلي فبعث لي بفرس واعتذر، فلما وصلْتُ المدرسة بعثت الفرس فرده وقال: إنما أعطيته عطية لا عارية، وبعث إلي بكسوة ودراهم، فانصرفنا إلى مدينةِ قُلْ حِصَار (وضبط اسمها بضم القاف وإسكان اللام ثم حاء مهمل مكسور وصاد مهمل وآخره راء)، مدينة صغيرة بها المياه من كل جانب قد نبتت فيها القصب فلا طريق لها إلا طريق كالجسر مهيأ ما بين القصب والمياه لا يسع إلا فارسًا واحدًا، والمدينة على تل في وسط المياه منيعة لا يقدر عليها، ونزلنا بزاوية أحد الفتيان الأخية بها.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.