من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان هرمز
وهو السلطان قطب الدين تمهتن بن طوران شاه (وضبط اسمه بفتح التاءين المعلوتين وبينهما ميم مفتوح وهاء مسكنة وآخره نون)، وهو من كرماء السلاطين كثير التواضع حسن الأخلاق، وعادته أن يأتي لزيارة كلِّ من يقدم عليه من فقيه أو صالح أو شريف ويقوم بحقه، ولما دخلنا جزيرته وجدناه مُهَيَّأ للحرب مشغولًا بها مع ابني أخيه نظام الدين، فكان في كل ليلة يتيسر للقتال، والغلاء مستولٍ على الجزيرة، فأتى إلينا وزيره شمس الدين محمد بن علي وقاضيه عماد الدين الشونكاري وجماعة من الفضلاء، فاعتذروا بما هم عليه من مباشرة الحرب، وأقمنا عندهم ستة عشر يومًا، فلما أَرَدْنَا الانصراف قلت لبعض الأصحاب: كيف ننصرف ولا نرى هذا السلطان؟ فجئنا دار الوزير وكانت في جِوَارِ الزاوية التي نزلت بها، فقلت له: إني أريد السلام على الملك، فقال: باسم الله، وأخذ بيدي فذهب بي إلى داره وهي على ساحل البحر والأجفان مجلسة عندها، فإذا شيخ عليه أقبية ضيقة دنسة وعلى رأسه عمامة وهو مشدود الوسط بمنديل، فسلم عليه الوزير وسَلَّمْتُ عليه ولم أَعْرِفْ أنه الملك، وكان إلى جانبه ابن أخته وهو علي شاه بن جلال الدين الكيجي، وكانت بيني وبينه معرفة، فأنشأت أحادثه وأنا لا أعرف المَلِكَ، فعَرَّفَني الوزير بذلك فخجلت منه لإقبالي بالحديث على ابن أخته دونه واعتذرت إليه، ثم قام فدخل داره وتَبِعَهُ الأمراء والوزراء وأرباب الدولة، ودخلت مع الوزير فوجدناه قاعدًا على سرير مُلْكِه وثيابُه عليه لم يبدلها، وفي يده سبحة جوهر لم تَرَ العيون مثلها؛ لأن مغاصات الجوهر تحت حكمه، فجلس أحد الأمراء إلى جانبه وجلسْتُ إلى جانب ذلك الأمير، وسألني عن حالي ومقدمي وعمن لقيته من الملوك، فأخبرته بذلك، وحضر الطعامُ فأكل الحاضرون ولم يأكل معهم، ثم قام فوادعته وانصرفت.
وسبب الحرب التي بينه وبين ابني أخيه أنه رَكِبَ البحر مرة من مدينته الجديدة برسم النزهة في هرمز القديمة وبساتينها، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ كما قدمناه، فخالف عليه أخوه نظام الدين ودعا لنفسه، وبايَعَهُ أهل الجزيرة وبايعَتْهُ العساكر، فخاف قطب الدين على نفسه وركب البحر إلى مدينة قلهات التي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وهي من جملة بلاده، فأقام بها شهورًا وجهز المراكب وأتى الجزيرة فقاتَلَهُ أهلها مع أخيه وهزموه وعاد إلى قلهات، وفَعَلَ ذلك مرارًا فلم تكن له حيلة إلا أن راسل بعض نساء أخيه فسَمَّتْه ومات، وأتى هو إلى الجزيرة فدخلها وفَرَّ ابنا أخيه بالخزائن والأموال والعساكر إلى جزيرة قيس حيث مغاص الجوهر، وصاروا يقطعون الطريق على من يقصد الجزيرة من أهل الهند والسند، ويُغِيرون على بلاده البحرية حتى تخرب معظمها، ثم سافرنا من مدينة جرون برسم لقاء رجل صالح ببلد خنج بال، فلما عدينا البحر اكترينا دواب من التركمان وهم سكان تلك البلاد ولا يسافر فيها إلا معهم لشجاعتهم ومعرفتهم بالطرق، وفيها صحراء مسيرة أربع يقطع بها الطريق لصوص الأعراب وتهب فيها ريح السموم في شهري تموز وحزيران فمن صادفته فيها قتلته، ولقد ذُكِرَ لي أن الرجل إذا قَتَلَتْه تلك الريح وأراد أصحابه غسله ينفصل كل عضو منه عن سائر الأعضاء، وبها قبور كثيرة للذين ماتوا فيها بهذه الريح، وكنا نسافر فيها بالليل، فإذا طلعت الشمس نزلنا تحت ظلال الأشجار من أم غيلان ونرحل بعد العصر إلى طلوع الشمس، وفي هذه الصحراء وما والاها كان يقطع الطريق بها جمال اللك (اللوك) الشهير الاسم هنالك.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع