من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان هرمز: حكاية
كان جمال اللك من أهل سجستان أعجمي الأصل (واللك بضم اللام) معناه الأقطع، وكانت يده قُطِعَتْ في بعض حروبه، وكانت له جماعة كثيرة من فرسان الأعراب والأعاجم يقطع بهم الطرق، وكان يبني الزوايا ويطعم الوارد والصادر من الأموال التي يسلبها من الناس، ويقال: إنه كان يدعو أن لا يُسَلَّطَ إلا على من لا يزكي ماله، وأقام على ذلك دهرًا وكان يُغِير هو وفرسانه ويسلكون براري لا يَعْرِفها سواهم ويَدْفِنُون بها قِرَب الماء ورواياه، فإذا تَبِعَهُم عسكر السلطان دخلوا الصحراء واستخرجوا المياه، ويرجع العسكر عنهم خوفًا من الهلاك.
وأقام على هذه الحالة مدة لا يقدر عليه ملك العراق ولا غيره، ثم تاب وتَعَبَّدَ حتى مات، وقبره يزار ببلده، وسلكنا هذه الصحراء إلى أن وصلنا إلى كوراستان (وضبط اسمه بفتح الكاف وإسكان الواو وراء)، وهو بلد صغير فيه الأنهار والبساتين وهو شديد الحر، ثم سرنا منه ثلاثة أيام في صحراء مثل التي تَقَدَّمَتْ ووصلنا إلى مدينة لار (وآخر اسمها راء)، مدينة كبيرة كثيرة العيون والمياه المطردة والبساتين، ولها أسواق حسان، ونزلنا منها بزاوية الشيخ العابد أبي دلف محمد، وهو الذي قصدْنا زيارته بخنج بال، وبهذه الزاوية ولده أبو زيد عبد الرحمن ومعه جماعة من الفقراء، ومن عادتهم أنه يجتمعون بالزاوية بعد صلاة العصر من كل يوم، ثم يطوفون على دور المدينة فيعطاهم من كل دار الرغيف والرغيفان فيُطْعِمون منها الوارد والصادر، وأهل الدور قد ألفوا ذلك فهُم يجعلونه في جملة قوتهم ويعدونه لهم إعانة على إطعام الطعام، وفي كل ليلة جمعة يجتمع بهذه الزاوية فقراء المدينة وصلحاؤها ويأتي كل منهم بما تيسر له من الدراهم فيجمعونها وينفقونها تلك الليلة، ويبيتون في عبادة من الصلاة والذكر والتلاوة، وينصرفون بعد صلاة الصبح.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع