من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذِكْر سلطان عمان: حكاية
كنت يومًا عند هذا السلطان أبي محمد بن نبهان فأتَتْه امرأة صغيرة السن حسنة الصورة بادية الوجه، فوقَفَتْ بين يديه وقالت له: يا أبا محمد طغى الشيطان في رأسي، فقال لها: اذهبي واطردي الشيطان، فقالت له: لا أستطيع وأنا في جوارك يا أبا محمد، فقال لها: اذهبي فافعلي ما شئت، فذكر لي لما انصرفت عنه أن هذه ومَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِها تكون في جِوَارِ السلطان وتذهب للفساد ولا يقدر أبوها ولا ذو قرابتها أن يغيروا عليها وإن قتلوها قُتِلُوا بها؛ لأنها في جِوَارِ السلطان، ثم سافرت من بلاد عمان إلى بلاد هرمز، وهرمز مدينة على ساحل البحر وتسمى أيضًا موغ استان، وتقابلها في البحر هرمز الجديدة، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ، ووصلنا إلى هرمز الجديدة وهي جزيرة مدينتها تسمى جرون (بفتح الجيم والراء وآخرها نون)، وهي مدينة حسنة كبيرة لها أسواق حافلة وهي مرسى الهند والسند ومنها تُحْمَل سلع الهند إلى العراقين وفارس وخراسان، وهذه المدينة سكنى السلطان، والجزيرة التي فيها المدينة مسيرة يوم وأكثرها سباخ وجبال ملح وهو الملح الداراني ومنه يصنعون الأواني للزينة والمنارات التي يضعون السرج عليها، وطعامهم السمك والتمر المجلوب إليهم من البصرة وعمان، ويقولون بلسانهم: خرما وما هي لوت بادشاهي، معناه بالعربي التمر والسمك طعام الملوك، والماء في هذه الجزيرة له قيمة، وبها عيون ماء وصهاريج مصنوعة يجتمع فيها ماء المطر وهي على بُعْد من المدينة ويأتون إليها بالقِرَب فيملئونها ويرفعونها على ظهورهم إلى البحر يوسقونها في القوارب ويأتون بها إلى المدينة، ورأيت من العجائب عند باب الجامع فيما بينه وبين السوق رأس سمكة كأنه رابية وعيناه كأنهما بابان، فترى الناس يدخلون من إحداهما ويخرجون من الأخرى.
ولقيت بهذه المدينة الشيخ الصالح السائح أبا الحسن الأقصاراني وأصله من بلاد الروم، فأضافني وزارني وألْبَسَنِي ثوبًا وأعطاني كمر الصحبة، وهو يحتبى به فيعين الجالس فيكون كأنه مستند، وأكثر فقراء العجم يتقلدونه، وعلى ستة أميال من هذه المدينة مزار يُنْسَب إلى الخضر وإلياس عليهما السلام، يُذْكَر أنهما يصليان فيه وظهرت له بركات وبراهين، وهنالك زاوية يسكنها أحد المشايخ يخدم بها الوارد والصادر، وأقمنا عنده يومًا وقصدنا من هنالك زيارة رجل صالح منقطع في آخر هذه الجزيرة قد نَحَتَ غارًا لسكناه فيه زاوية ومجلس ودار صغيرة له فيها جارية وله عبيد خارج الغار يرعون بقرًا له وغنمًا، وكان هذا الرجل من كبار التجار، فحج البيت وقطع العلائق وانقطع هنالك للعبادة، ودَفَعَ ماله لرجل من إخوانه يتَّجِر له به، وبتنا عنده ليلة فأحسن القرى وأجمل رضي الله تعالى عنه وسيمة الخير والعبادة لائحة عليه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع