من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان العلايا
وفي يوم السبت ركب معي القاضي جلال الدين وتوجهنا إلى لقاء ملك العلايا وهو يوسف بك، ومعنى بك الملك ابن قرمان (بفتح القاف والراء)، ومسكنه على عشرة أميال من المدينة فوجدناه قاعدًا على الساحل وحده فوق رابية هنالك والأمراء والوزراء أسفل منه والأجناد عن يمينه ويساره وهو مخضوب الشعر بالسواد، فسلمْتُ عليه وسألني عن مقدمي فأخبرته عما سأل وانصرفت عنه وبعث إلي إحسانًا، وسافرت من هنالك إلى مدينة أنطالية (وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان النون وفتح الطاء المهمل وألف ولام مكسور وياء آخر الحروف)، وأما التي بالشام فهي أنطاكية على وزنها إلا أن الكاف عِوَض عن اللام، وهي من أحسن المدن متناهية في اتساع الساحة والضخامة أجمل ما يُرَى من البلاد وأكثره عمارة وأحسنه ترتيبًا وكل فرقة من سكانها منفردة بأنفسها عن الفرقة الأخرى، فتجار النصارى ماكثون منها بالموضع المعروف بالميناء، وعليهم سور تُسَدُّ أبوابه عليهم ليلًا وعند صلاة الجمعة، والروم الذين كانوا أهلها قديمًا ساكنون بموضع آخر منفردين به وعليهم أيضًا سور، واليهود في موضع آخر وعليهم سور، والملك وأهل دولته ومماليكه يسكنون ببلدة عليها أيضًا سور يحيط بها ويفرق بينها وبين ما ذكرناه من الفرق وسائر الناس من المسلمين يسكنون المدينة العظمى، وبها مسجد جامع ومدرسة وحمامات كثيرة وأسواق ضخمة مرتَّبة بأبدع ترتيب، وعليها سور عظيم يحيط بها وبجميع المواضع التي ذكرناها، وفيها البساتين الكثيرة والفواكه الطيبة والمشمش العجيب المسمى عندهم بقمر الدين وفي نواته لوز حلو وهو ييبس ويحمل إلى ديار مصر وهو بها مستظرَف، وفيها عيون الماء الطيب العذب الشديد البرودة في أيام الصيف، نزلنا من هذه المدينة بمدرستها وشيخها شهاب الدين الحموي، ومن عادتهم أن يقرأ جماعة من الصبيان بالأصوات الحسان بعد العصر من كل يوم في المسجد الجامع وفي المدرسة أيضًا سورة الفتح وسورة الملك وسورة عم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع