تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر مغاص الجوهر: حكاية

ذُكِرَ أن الملك الناصر وهب لبكتمور الساقي جارية، فلما أراد الدنو منها قالت له: إني حامل من الملك الناصر، فاعتزلها وولدت ولدًا سماه بأمير أحمد ونشأ في حجره فظهرت نجابته واشتهر بابن الملك الناصر، فلما كان في هذه الحجة تعاهدا على الفتك بالملك الناصر وأن يتولى أمير أحمد الملك، وحمل بكتمور معه العلامات والطبول والكسوات والأموال، فنمى الخبر إلى الملك الناصر، فبعث إلى أمير أحمد في يوم شديد الحر فدخل عليه وبين يديه أقداح الشرب، فشرب الملك الناصر قدحًا وناول أمير أحمد قدحًا ثانيًا فيه السم فشربه، وأمر بالرسيل في تلك الساعة ليشغل الوقت، فرحل الناس ولم يبلغوا المنزل حتى مات أمير أحمد فاكترث بكتمور لموته وقطع أثوابه وامتنع من الطعام والشراب وبلغ خبره إلى الملك الناصر فأتاه بنفسه ولاطفه وسلاه، وأخذ قدحًا فيه سم فناوله إياه وقال له: بحياتي عليك إلا شربْتَ فبردتْ نار قلبك، فشربه ومات من حينه، ووجد عنده خلع السلطنة والأموال، فتحقق ما نسب إليه من الفتك بالملك الناصر، ولما انقضى الحج توجهْتُ إلى جدة برسوم ركوب البحر إلى اليمن والهند فلم يُقْضَ لي ذلك ولا تأتى لي رفيق، وأقمت بجدة نحو أربعين يومًا وكان بها مركب لرجل يُعْرَف بعبد الله التونسي يروم السفر إلى القصير من عمالة قوص، فصعدت إليه لأنظر حاله فلم يرضني ولا طابت نفسي بالسفر فيه، وكان ذلك لطفًا من الله تعالى، فإنه سافر فلما توسط البحر غرق بموضع يقال له: رأس أبي محمد، فخرج صاحبه وبعض التجار في العشارى بعد جهد عظيم، وأشرفوا على الهلاك وهلك بعضهم وغرق سائر الناس، وكان فيه نحو سبعين من الحجاج.

ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب فردَّتْنا الريح إلى مرسًى يُعْرَف برأس دواير، وسافرنا منه في البر مع البجاة فسلكنا صحراء كثيرة النعام والغزلان، فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة، ووردنا ماء يُعْرَف بمفرور وماء يُعْرَف بالجديد، ونفد زادنا فاشترينا من قوم من البجاة وجدناهم بالفلاة أغنامًا وتزودنا لحومها، ورأيت بهذه الفلاة صبيًّا من العرب كلمني باللسان العربي وأخبرني أن البجاة أَسَرُوه وزعم أنه منذ عام لم يأكل طعامًا إنما يقتات بلبن الإبل، ونفد لنا بعد ذلك اللحم الذي اشتريناه ولم يَبْقَ لنا زاد وكان عندي نحو حمل من التمر الصيحاني والبرني برسم الهدية لأصحابي ففرَّقْتُه على الرفقة وتزودناه ثلاثًا، وبعد مسيرة تسعة أيام من رأس دواير وصلنا إلى عيذاب، وكان قد تَقَدَّمَ إليها بعض الرفقة فتلقانا أهلها بالخبز والتمر والماء، وأقمنا بها أيامًا واكترينا الجمال وخرجنا صحبة طائفة من عرب دغيم ووردنا ماء يُعْرَف بالجنيب، ولعله «الخبيب» وحللنا بحميثرا حيث قبر ولي الله تعالى أبي الحسن الشاذلي، وحصلتْ لنا زيارته ثانية وبِتْنا في جواره.

ثم وصلنا إلى قرية العطواني وهي على ضفة النيل مقابلة لمدينة أدفو من الصعيد الأعلى وأجزنا النيل إلى مدينة إسنا ثم إلى مدينة أرمنت ثم إلى الأقصر، وزرنا الشيخ أبا الحجاج الأقصري ثانية، ثم إلى مدينة قوص ثم إلى مدينة قنا وزرنا الشيخ عبد الرحيم القناوي ثانية، ثم إلى مدينة هو، ثم إلى أخميم، ثم إلى مدينة أسيوط ثم إلى مدينة منفلوط، ثم إلى مدينة منلوي، ثم إلى مدينة الأشمونين ثم إلى مدينة منية ابن الخصيب، ثم إلى مدينة البهنسة ثم إلى مدينة بوش ثم إلى مدينة منية القائد، وقد تَقَدَّمَ لنا ذِكْر هذه البلاد، ثم إلى مصر وأقمت بها أيامًا وسافرت على طريق بلبيس إلى الشام ورافَقَني الحاج عبد الله بن أبي بكر بن الفرحان التوزري، ولم يزل في صحبتي سنين إلى أن خرجنا من بلاد الهند فتوفي بسندابور وسنذكر ذلك، فوصلنا إلى مدينة غزة ثم إلى مدينة الخليل عليه السلام، وتكرَّرَتْ لنا زيارته ثم إلى بيت المقدس ثم إلى مدينة الرملة ثم إلى مدينة عكا ثم إلى مدينة طرابلس ثم إلى مدينة جبلة وزرنا إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه ثانية، ثم إلى مدينة اللاذقية، وقد تقدم لنا ذِكْر هذه البلاد كلها، ومن اللاذقية ركبنا البحر في قرقورة كبيرة للجنويين يسمى صاحبها بمرتلمين، وقصدنا بر التركية المعروف ببلاد الروم وإنما نسبت إلى الروم؛ لأنها كانت بلادهم في القديم ومنها الروم الأقدمون واليونانية، ثم استفتحها المسلمون، وبها الآن كثير من النصارى تحت ذمة المسلمين من التركمان، وسِرْنا في البحر عشرًا بريح طيبة وأكرمنا النصراني ولم يأخذ منا نولًا.

وفي العاشر وصلنا إلى مدينة العلايا وهي أول بلاد الروم وهذا الإقليم المعروف ببلاد الروم من أحسن أقاليم الدنيا، وقد جمع الله فيه ما تفرَّق من المحاسن في البلاد فأهله أجمل الناس صورًا وأنظفهم ملابس وأطيبهم مطاعم وأكثر خلق الله شفقة؛ ولذلك يقال: البركة في الشام والشفقة في الروم، وإنما عنى به أهل هذه البلاد، وكنا متى نزلنا بهذه البلاد زاوية أو دارًا يتفقد أحوالنا جيراننا من الرجال والنساء، وهن لا يحتجبن، فإذا سافرنا عنهم ودَّعونا كأنهم أقاربنا وأهلنا وترى النساء باكيات لفراقنا متأسفات، ومن عادتهم بتلك البلاد أن يخبزوا الخبز في يوم واحد من الجمعة يُعِدُّون فيه ما يقوتهم سائرها، فكان رجالهم يأتون إلينا بالخبز الحار في يوم خبزه ومعه الإدام الطيب إطرافًا لنا بذلك، ويقولون لنا: إن النساء بَعَثْنَ هذا إليكم وهن يطلبن منكم الدعاء، وجميع أهل هذه البلاد على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه مقيمين على السنة لا قَدَرِيَّ فيهم ولا رافضي ولا معتزلي ولا خارجي ولا مبتدع، وتلك فضيلة خصهم الله تعالى بها، إلا أنهم يأكلون الحشيش ولا يعيبون ذلك، ومدينة العلايا التي ذكرناها كبيرة على ساحل البحر يسكنها التركمان وينزلها تجار مصر وإسكندرية والشام، وهي كثيرة الخشب ومنها يحمل إلى إسكندرية ودمياط ويحمل منها إلى سائر بلاد مصر، ولها قلعة بأعلاها عجيبة منيعة بناها السلطان المعظم علاء الدين الرومي، ولقيت بهذه المدينة قاضيها جلال الدين الأرزنجاني، وصعد معي إلى القلعة يوم الجمعة فصلينا بها وأضافني وأكرمني وأضافني أيضًا بها شمس الدين بن الرجيحاني الذي توفي أبوه علاء الدين بمالي من بلاد السودان.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.