تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر مغاص الجوهر

ومغاص الجوهر فيما بين سيراف والبحرين في خور راكد مثل الوادي العظيم، فإذا كان شهر إبريل وشهر مايو تأتي إليه القوارب الكثيرة فيها الغواصون وتجار فارس والبحرين والقطيف، ويجعل الغواص على وجهه مهما أراد أن يغوص شيئًا يكسوه من عظم الغيلم وهي السلحفاة، ويصنع من هذا العظم أيضًا شكلًا شبه المقراض يشده على أنفه ثم يربط حبلًا في وسطه ويغوص، ويتفاوتون في الصبر في الماء، فمنهم من يصبر الساعة والساعتين فما دون ذلك، فإذا وصل إلى قعر البحر يجد الصدف هنالك فيما بين الأحجار الصغار مثبتًا في الرمل فيقتلعه بيده أو يقطعه بحديدة عنده معَدَّة لذلك، ويجعلها في مخلاة جلد منوطة بعنقه، فإذا ضاق نَفَسه حرك الحبل فيحس به الرجل الممسك للحبل على الساحل فيرفعه إلى القارب فتؤخذ منه المخلاة ويفتح الصدف فيوجد في أجوافها قِطَع لحم تُقْطَع بحديدة، فإذا باشرت الهواء جمدت فصارت جواهر فيجمع جميعها من صغير وكبير، فيأخذ السلطان خُمُسَه والباقي يشتريه التجار الحاضرون بتلك القوارب، وأكثرهم يكون له الدَّيْن على الغواصين فيأخذ الجوهر في دينه أو ما وجب له منه.

ثم سافرنا من سيراف إلى مدينة البحرين وهي مدينة كبيرة حسنة ذات بساتين وأشجار وأنهار، وماؤها قريب المؤنة يحفر عليه بالأيدي فيوجد، وبها حدائق النخل والرمان والأترج ويُزْرَع بها القطن، وهي شديدة الحر كثيرة الرمال وربما غلب الرمل على بعض منازلها وكان فيما بينها وبين عمان طريق استولت عليه الرمال وانقطع فلا يوصل من عمان إليها إلا في البحر، وبالقرب منها جبلان عظيمان يسمى أحدهما بكسير وهو في غربيها ويسمى الآخر بعوير وهو في شرقيها، وبهما ضُرِبَ المثل فقيل كسير وعوير وكل غير خير، ثم سافرنا إلى مدينة القطيف (وضبط اسمها بضم القاف) كأنه تصغير قطف، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير يسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غلاة يظهرون الرفض جهارًا لا يتقون أحدًا، ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين: أشهد أن عليًّا ولي الله، ويزيد بعد الحيعلتين: حي على خير العمل، ويزيد بعد التكبير الأخير: محمد وعلي خير البشر من خالفهما فقد كفر، ثم سافرنا منها إلى مدينة هجر وتسمى الآن بالحسا (بفتح الحاء والسين وإهمالها)، وهي التي يُضْرَب المثل بها فيقال: كجالب التمر إلى هجر، وبها من النخيل ما ليس ببلد سواها ومنه يعلفون دوابهم، وأهلها عرب وأكثرهم من قبيلة عبد القيس بن أفصى، ثم سافرنا منها إلى مدينة اليمامة وتُسَمَّى أيضًا بحجر (بفتح الحار المهمل وإسكان الجيم)، مدينة حسنة خصبة ذات أنهار وأشجار يسكنها طوائف من العرب أكثرهم من بني حنيفة وهي بلدهم قديمًا وأميرهم طفيل بن غانم، ثم سافرت منها في صحبة هذا الأمير برسم الحج وذلك في سنة ثنتين وثلاثين، فوصلت إلى مكة شرفها الله تعالى، وحج في تلك السنة الملك الناصر سلطان مصر رحمه الله وجملة من أمرائه، وهي آخر حجة حجها، وأجزل الإحسان لأهل الحرمين الشريفين وللمجاورين، وفيها قُتِلَ الملك الناصر أمير أحمد الذي يُذْكَر أنه ولده، وقُتِلَ أيضًا كبير أمرائه بكتمور الساقي.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.