من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان مغنيسية
وسلطانها يسمى صاروخان، ولما وصلنا إلى هذه البلدة وجدناه بتربة ولده، وكان قد توفي منذ أشهر، فكان هو وأم الولد ليلة العيد وصبيحتها بتربته والولد قد صبر وجُعِلَ في تابوت خشب مغشًّى بالحديد المقزدر وعُلِّقَ في قبة لا سَقْفَ لها لأن تذهب رائحته، وحينئذٍ تسقف القبة ويُجْعَل تابوته ظاهرًا على وجه الأرض وتُجْعَل ثيابه عليه، وهكذا رأيت غيره أيضًا من الملوك فَعَلَ، وسَلَّمْنَا عليه بذلك الموضع وصلينا معه صلاة العيد، وعُدْنَا إلى الزاوية فأخذ الغلام الذي كان لي أفراسنا وتَوَجَّه مع غلام لبعض الأصحاب برسم سقيها فأبطأ، ثم لما كان العشي لم يَظْهَر لهما أَثَرٌ، وكان بهذه المدينة الفقيه المدرس الفاضل مُصْلِح الدين، فركب معي إلى السلطان وأعلمناه بذلك، فبعث في طلبهما فلم يوجدا، واشتغل الناس في عيدهم وقصدا مدينة للكفار على ساحل البحر تسمى فوجة على مسيرة يوم من مغنيسية، وهؤلاء الكفار في بلد حصين وهم يبعثون هدية في كل سنة إلى سلطان مغنيسية، فيقنع منهم بها لحصانة بلدهم، فلما كان بعد الظهر أتى بهما بعض الأتراك وبالأفراس.
وذكروا أنهما اجتازا بهم عشية النهار فأنكروا أمرهما واشتدوا عليهما حتى أقرا بما عزما عليه من الفرار، ثم سافرنا من مغنيسية وبتنا ليلة عند قوم من التركمان قد نزلوا في مرعى لهم ولم نجد عندهم ما نعلف به دوابنا تلك الليلة، وبات أصحابنا يحترسون مداولة بينهم خوف السرقة، فأتت نوبة الفقيه عفيف الدين التوزري فسمعته يقرأ سورة البقرة، فقلت له: إذا أردت النوم فأعْلِمْني لأنظر من يحرس، ثم نِمْتُ، فما أيقظني إلا الصياح وقد ذَهَبَ السُّرَّاق بفرس لي كان يركبه عفيف الدين بسرجه ولجامه، وكان من جياد الخيل اشتريته بأياسلوق، ثم رحلنا من الغد فوصلنا إلى مدينة برغمة (وضبط اسمها بياء موحدة مفتوحة وراء مسكنة وغين معجمة مفتوحة وميم مفتوحة)، مدينة خربة لها قلعة عظيمة منيعة بأعلى جبل، ويقال: إن أفلاطون الحكيم من أهل هذه المدينة وداره تشتهر باسمه إلى الآن، ونزلنا منها بزاوية فقير من الأحمدية، ثم جاء أحد كبراء المدينة فنَقَلَنَا إلى داره وأَكْرَمَنا إكرامًا كثيرًا.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع