من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر ما أعطاه السلطان للأمير سيف الدين غدا بن هبة الله بن مهنى أمير عرب الشام
ولما قَدِمَ هذا الأمير على السلطان أَكْرَمَ مثواه وأنزله بقصر السلطان جلال الدين داخل مدينة دهلي، ويُعْرَف بكشك، لعل معناه القصر الأحمر، وهو قصر عظيم فيه مشور كبير جدًّا، ودهليز هائل على بابه قبة تشرف على هذا المشور، وعلى المشور الثاني الذي يدخل منه إلى القصر، وكان السلطان جلال الدين يقعد بها وتلعب الكرة بين يديه في هذا المشور، وقد دَخَلْتُ هذا القصر عند نزوله به، فرأيته مملوء أثاثًا وفرشًا وبسطًا وغيرها، وذلك كله متمزق لا منتفع فيه، فإن عادتهم بالهند أن يتركوا قصر السلطان إذا مات بجميع ما فيه لا يتعرضون له، ويبني المتولي بعده قصرًا لنفسه، ولما دَخَلْتُه طُفْتُ به وصعدت إلى أعلاه فكانت لي فيه عِبْرة نشأت عنها عَبْرة، وكان معي الفقيه الطيب الأديب جمال الدين المغربي، الغرناطي الأصل البجائي المولد، مستوطن بلاد الهند قدمها مع أبيه، وله بها أولاد فأنشدني عندما عايناه (خفيف):
وسلاطينُهُم سَلِ الطِّينَ عَنْهُمْفالرءوس العظام صارت عظامَا
وبهذا القصر كانت وليمة عُرْسِه كما نذكره، وكان السلطان شديد المحبة في العرب، مؤثرًا لهم معترفًا بفضائلهم، فلما وصله هذا الأمير أجزل له العطاء وأحسن إليه إحسانًا عظيمًا وأعطاه مرة، وقد قدمت عليه هدية أعظم ملك البايزيدي من بلاد منكبور أحد عشر فرسًا من عتاق الخيل، وأعطاه مرة أخرى عشرة من الخيل مسرجة بالسروج المذهبة عليها اللجم المذهبة، ثمَّ زوجه بعد ذلك بأخته فيروز خوندة.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع